رأيتُ كأني في درعٍ حصينَةٍ, ورأيتُ بقرًا تُنْحَرُ, فأوَّلْتُ أنَّ الدرعَ الحصينةَ المدينةَ, وأنَّ البقرَ بقرٌ واللهِ خيرٌ, قال : فقال لأصحابِهِ : لو أنَّا أَقْمْنا بالمدينةِ, فإنْ دَخَلُوا علَيْنَا فيها قاتلْناهم, فقالوا : واللهِ يا رسولَ اللهِ ما دُخِلَ علَيْنَا فيهَا في الجاهليَّةِ, فكيف يُدْخَلُ علَيْنَا فيها في الإسلامِ ؟ فقال : شأنُكم إذًا, فلَبِسَ لأْمَتَهُ, قال : فقالَتْ الأنصارُ : ردَدْنَا علَى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأْيَهُ فجاءُوا, فقالوا : يا نبيَّ اللهِ, شَأْنُكَ إذًا فأقِمْ فقال : إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لبِسَ لأمَتَهُ أن يضعَها حتى يقاتِلَ
أخرجه البخاري معلقاً قبل حديث (7369) مختصراً، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (7647)، وأحمد (14829) باختلاف يسير.
تنفَّلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَيفَه ذا الفَقارِ يَومَ بَدرٍ.
قال ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: وهو الذي رأَى فيه الرُّؤْيا يَومَ أُحُدٍ، وذلكَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لمَّا جاءَه المشركونَ يَومَ أُحُدٍ كانَ رأىُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُقيمَ بالمدينةِ، فيُقاتلَهم فيها، فقالَ له ناسٌ لم يكونوا شهِدوا بدرًا: تخرُجُ بنا يا رسولَ اللهِ إليهم، نُقاتِلُهم بأُحُدٍ، ورجَوْا أنْ يُصيبوا مِن الفَضيلةِ ما أصابَ أهلُ بَدرٍ، فما زالوا به حتى لبِسَ أداتَه، ثمَّ ندِموا، وقالوا: يا رسولَ اللهِ، أقِمْ، فالرأيُ رأيُكَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما يَنْبغي لنبيٍّ أنْ يضَعَ أداتَه بعدَ أنْ لبِسَها، حتى يحكُمَ اللهُ بينَه وبينَ عدُوِّه.
وكان ذكَرَ لهم قبلَ أنْ يلبِسَ الأداةَ: إنِّي رأَيتُ أنِّي في دِرعٍ حَصينةٍ، فأوَّلتُها المدينةَ، وأنِّي مردِفٌ كَبشًا، فأوَّلتُه كَبشَ الكَتيبةِ، ورأَيتُ أنَّ سَيْفي ذا الفَقارِ فَلَّ، فأوَّلتُه فَلًّا فيكم، ورأَيتُ بَقرًا تُذبَحُ، فبَقرٌ واللهِ خَيرٌ، فبَقرٌ واللهِ خَيرٌ.
الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : البيهقي المصدر : السنن الكبرى للبيهقي الصفحة أو الرقم: 7/41 خلاصة حكم المحدث : موصول بإسناد حسن التخريج : أخرجه الترمذي بعد حديث (1561)، وابن ماجه (2808) مختصراً، وأحمد (2445) بنحوه، والبيهقي (13662) واللفظ له.
كانتْ غَزوةُ أُحُدٍ في السَّنةِ الثَّالثةِ مِن الهِجرةِ، وقدْ كان فيها دُروسٌ لا تُنسَى لجَميعِ المُسلِمينَ، وتَعلَّموا فيها أنَّ أوامِرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَجِبُ ألَّا تُخالَفَ، وقدِ استُشهِدَ في هذه الغَزْوةِ سَبْعونَ شَهيدًا مِن خِيرةِ المُسلِمينَ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخَذَ مِنَ الأَنْفالِ الَّتي تكونُ مِن غَنائمِ المشرِكينَ زِيادةً لنفْسِه واصطِفاءً واختِيارًا منها: «سيْفَه ذا الفَقارِ»، وسُمِّي بذلكَ؛ لأنَّ السَّيفَ كانتْ به خَرَزاتٌ في ظَهْرِه مِثلُ الفِقْراتِ، وهذا السَّيفُ كان للعاصِ بنِ مُنَبِّهٍ، وكان ذلكَ في غَزْوةِ بَدْرٍ الَّتي كانتْ في رَمضانَ مِنَ السَّنةِ الثَّانيةِ مِنَ الهِجْرةِ، وفي هذه الغَزْوةِ نصَرَ اللهُ فيها رَسولَه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم والصَّحابةَ على قُرَيشٍ.
وإنَّ هذا السَّيفَ كان للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ معَه رُؤْيا في مَنامِه يَومَ أُحُدٍ.
وأُحُدٌ: جبَلٌ مَشهُورٌ بالمَدينةِ في شِمالِيِّها الغرْبيِّ، بيْنَه وبيْنَ المدينةِ ثَلاثةُ أمْيالٍ.
ثُمَّ أخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا جاءَهُ مُشرِكو قُرَيشٍ يَومَ أُحُدٍ يَغْزونَه، ويَنتقِمونَ ليَومِ بَدْرٍ، كان رأْيُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَبْقَى بالمَدينةِ، فيُقاتِلَهم فيها، وكان رأْيُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على وَجْهِ الشُّورَى لأصْحابِه رضِيَ اللهُ عنهم، فكان رأْيُ بعْضِ النَّاسِ الَّذينَ لم يَسْبِقْ لهم شُهودُ غَزْوةِ بدْرٍ-وخاصَّةً الشَّبابَ- أنْ يَخرُجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالجَيشِ، فيُقاتِلَهم عندَ جبَلِ أُحُدٍ؛ طامِعِينَ أنْ يُصيبوا مِنَ الفَضيلةِ والأجْرِ ما أصابَ أهْلُ بَدْرٍ، وهُمُ الَّذينَ حارَبوا قُرَيشًا حِينئذٍ، ومِن أعظَمِ الثَّوابِ والأجْرِ الَّذي نال أصْحابُ بدْرٍ أنَّ اللهُ قدْ غفَرَ لهم؛ ففي الصَّحيحينِ مِن حَديثِ علِيِّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «لعلَّ اللهَ أنْ يكونَ قدِ اطَّلَعَ على أهْلِ بَدْرٍ فقالَ: اعْمَلوا ما شِئتُم؛ فقَدْ غفَرتُ لَكُم».
وظَلَّ أصْحابُ المَشورةِ يُرغِّبونَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الخروجِ إلى أُحُدٍ، حتَّى «لبِسَ أداتَهُ» وهي عُدَّةَ الحَرْبِ؛ مِنَ الدِّرْعِ والسِّلاحِ ونَحوِهما، ولكنَّهم بعْدَ ذلكَ ظَنُّوا أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنَّما تَحرَّكَ على هذا النَّحْوِ تَحرُّجًا منهم، فنَدِموا، وقالوا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يا رَسولَ اللهِ، أقِمْ؛ فالرَّأْيُ رأْيُكَ»؛ أيِ: ابْقَ في المَدينةِ، وقاتِلْ فيها، ولا تَخرُجْ منها، على النَّحْوِ الَّذي كُنتَ تُريدُ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ما يَنْبغي لنَبيٍّ أنْ يَضَعَ أداتَهُ بعْدَ أنْ لبِسَها، حتَّى يَحكُمَ اللهُ بيْنَه وبيْنَ عدُوِّه»؛ أي: ليس يَنبغي له إذا عزَمَ أنْ يَنصرِفَ؛ لأنَّه نقْضٌ للتَّوكُّلِ الَّذي شرَطَ اللهُ معَ العَزيمةِ، فلُبْسُه لعُدَّةِ الحرْبِ دالٌّ على العزيمةِ.
ثُمَّ أخبَرَ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ مِمَّا قالَهُ لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومئذٍ قبْلَ أنْ يَلبَسَ عُدَّةَ الحرْبِ: «إنِّي رأَيتُ» في المنامِ، ورُؤْيا الأنبياءِ صِدْقٌ وحَقٌّ كلُّها، «أنِّي في دِرْعٍ حَصينةٍ»؛ أي: أنَّ عُدَّةَ الحرْبِ الَّتي كان يَلْبَسُها قَويَّةٌ ومَنِيعةٌ؛ ففسَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الدِّرْعَبالمَدينةِ، «وأنِّي مُردِفٌ كَبْشًا»؛ وهو ذكَرُ الغنَمِ، يَسحَبُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن ورائِه؛ ففسَّرَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالكَتيبةِ والجَيشِ الَّذي خرَجَ للقتالِ، «ورأَيتُ أنَّ سَيْفي ذا الفَقارِ فُلَّ»؛ أي: كُسِر، ففسَّره النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه للمُنهزِمِينَ مِنَ الجَيشِ، «ورأَيتُ بقَرًا تُذبَحُ»، وقدْ فسَّرَ البقَرَ في الرِّواياتِبأنَّه قَتْلُ الصَّحابةِ يَومَ أُحُدٍ.
وقَولُه: «فبَقَرٌ واللهِ خَيرٌ»؛ قيلَ: إنَّه سَمِعَ هذه الجُملةَ في الرُّؤْيا، وفسَّرَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَولِه -كما في الصَّحيحَينِ مِن حَديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ:«وإذا الخَيرُ ما جاءَ اللهُ به مِن الخَيرِ بَعدُ، وثوابُ الصِّدقِ الَّذي آتانا بعْدَ يَومِ بدْرٍ» والمرادُ: بما بعْدَ بدْرٍ فتْحُ خَيْبرَ ثُمَّ مَكَّةَ، ويَحتمِلُ أنْ يُرادَ بالخَيرِالغَنيمةُ.
وقيلَ: هي مِن قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ والمعنى: ما صنَعَ اللهُ تَعالَى بشُهَداءِ أُحُدٍ هو خَيرٌ لهم مِن بَقائِهم في الدُّنْيا.
[صحيح البخاري] (9/ 112) ((باب قول الله تعالى {وأمرهم شورى بينهم} {وشاورهم في الأمر} وأن المشاورة قبل العزم والتبين لقوله {فإذا عزمت فتوكل على الله} فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج فرأوا له الخروج فلما لبس لأمته وعزم قالوا أقم فلم يمل إليهم بعد العزم وقال لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله وشاور عليا وأسامة فيما رمى أهل الإفك عائشة فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمره الله وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تابعه بعد عمر فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه قال النبي صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل)).
[السنن الكبرى - للنسائي] (4/ 389) 7647- أخبرنا علي بن الحسين قال ثنا أمية بن خالد عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال استشار رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس يوم أحد فقال إني رأيت فيما يرى النائم كأني في درع حصينة وكأن بقرا تنحر وتباع ففسرت الدرع المدينة والبقر بقرا والله خير فلو قاتلتموهم في السكك فرماهم النساء من فوق الحيطان قالوا فيدخلون علينا المدينة ما دخلت علينا قط ولكن نخرج إليهم قال فشأنكم إذا قال ثم قدموا قالوا رددنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيه فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا يا رسول الله رأيك فقال ما كان لنبي أن يلبس لأمته ثم يخلعها حتى يقاتل.
[مسند أحمد - قرطبة] (3/ 351) 14829- حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الصمد وعفان قالا حدثنا حماد قال عفان في حديثه أنا أبو الزبير وقال عبد الصمد في حديثه حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرا منحره فأولت أن الدرع الحصينة المدينة وأن البقر هو والله خير قال فقال لأصحابه لو أنا أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم فقالوا يا رسول الله والله ما دخل علينا فيها في الجاهلية فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام قال عفان في حديثه فقال شأنكم إذا قال فلبس لامته قال فقالت الأنصار رددنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم رأيه فجاؤوا فقالوا يا نبي الله شأنك إذا فقال إنه ليس لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل.