أنَّ ابنَ عبَّاسٍ غزا معَ معاويةَ الصَّائفَةَ فمرُّوا بالكهفِ الذي ذكَر اللَّهُ في القرآنِ فقال معاويةُ: أريدُ أن أكشِفَ عنهُم فمنعَهُ ابنُ عبَّاسٍ فصمَّم وبعثَ ناسًا فبعث اللَّهُ ريحًا فأخرجَتْهم قال: فبلغَ ابنَ عبَّاسٍ فقال: إنَّهم كانوا في مملكةِ جبَّارٍ يعبدُ الأوثانَ فلمَّا رأَوا ذلك خرجوا منها فجمَعهم اللَّهُ على غيرِ ميعادٍ فأخذَ بعضُهم على بعضٍ العهودَ والمواثيقَ فجاء أهاليهم يطلبونَهم ففقدوهم فأخبَروا الملِكَ فأمرَ بكتابةِ أسمائِهِم في لوحٍ من رَصاصٍ وجعلَهُ في خِزانتِهِ فدخلَ الفِتيةُ الكهفَ فضربَ اللَّهُ على آذانِهِم فناموا فأرسلَ اللَّهُ مَن يقلِّبُهم وحوَّلَ الشمسَ عنهُم فلو طلعَت عليهم لأحرقَتْهم ولولا أنَّهم يُقلَّبونَ لأكلتهُمُ الأرضُ ثم ذهبَ ذلك الملِكُ وجاء آخَرُ فكسَر الأوثانَ وعبدَ اللَّهَ وعدل فبعثَ اللَّهُ أصحابَ الكهفِ فأرسلوا واحدًا منهُم يأتيهم بما يأكلونَ فدخل المدينةَ مُستخفِيًا فرأى هيئةً وناسًا أنكرَهم لطولِ المدَّةِ فدفع درهمًا إلى خبَّازٍ فاستنكر ضربَه وهمَّ بأن يرفعَهُ إلى الملِكِ فقال أتخوِّفُني بالملِكِ وأبي دِهقانُهُ فقال: مَن أبوكَ؟ قال: فلانٌ.

فلم يعرِفهُ فاجتمَع النَّاسُ فرفعوه إلى الملِكِ فسألَهُ فقال عليَّ باللَّوحِ وكان قد سَمِعَ به فسَمَّى أصحابَهُ فعرَفَهم مِن اللَّوحِ فكبَّرَ النَّاسُ وانطلَقوا إلى الكهفِ وسبقَ الفتى لِئلَّا يخافوا مِن الجيشِ فلمَّا دخَل عليهِم عمَّى اللَّهُ على الملِكِ ومَن معَهُ المكانَ فلم يدرِ أينَ يذهبُ الفتَى فاتَّفق رأيُهم على أن يبنوا عليهِم مسجِدًا فجعلوا يستغفِرونَ لَهُم ويدعون لَهُم

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة الكهف# فضائل سور وآيات - سورة الكهف# إيمان - ما جاء عن الأمم السابقة قبل الإسلام# إيمان - معية الله
المصدر: فتح الباري لابن حجر
الراوي: -
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:إسناده صحيح

الشرح والتوضيح

عن ابنِ عباسٍ, قال : غزونا مع معاويةَ غزوةَ المصيفِ, فمَرُّوا بالكهفِ الذي فيهِ أصحابُ الكهفِ, الذين ذكر اللهُ في القرآنِ, فقال معاويةُ : لو كُشِفَ لنا عن هؤلاءِ, فنظرنا إليهم, فقال ابنُ عباسٍ : ليس ذلك لك قد منع اللهُ ذلك من هو خيرٌ منك, فقال : { لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } قال معاويةُ : لا أنتهي حتى أعلمَ علمهم, قال : فبعث ناسًا, فقال : اذهبوا فانظروا فلمَّا دخلوا الكهفَ, بعث اللهُ عليهم ريحًا, فأخرجتهم, فبلغ ذلك ابنُ عباسٍ, فأنشأَ يُحدِّثهم عنهم, فقال : إنَّهم كانوا في مملكةِ ملكٍ من هذهِ الجبابرةِ, فجعلوا يعبدونَ حتى عبدةَ الأوثانِ, قال : وهؤلاءِ الفتيةُ بالمدينةِ, فلمَّا رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينةِ على غيرِ ميعادٍ, فجمعهم اللهُ, عزَّ وجلَّ, على غيرِ ميعادٍ, فجعل بعضهم يقولُ لبعضٍ : أين تريدون ؟ أين تذهبون, قال : فجعل بعضهم يُخفي من بعضٍ, لأنَّهُ لا يدري هذا على ما خرج هذا, فأخذ بعضهم على بعضٍ المواثيقَ أن يُخبرَ بعضهم بعضًا, فإنِ اجتمعوا على شيٍء, وإلا كتم بعضهم على بعضٍ , قال : فاجتمعوا على كلمةٍ واحدةٍ, ?فقالوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوْا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ, فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا, وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ - إلى قولِهِ –مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ? [ 14 - 16 : الكهف ] ,قال : فهذا قولُ الفتيةِ, قال : ففُقدوا فجاء أهلُ هذا يطلبونَهُ لا يدرون أين ذهب, وجاء أهلُ هذا يطلبونَهُ لا يدرون أين ذهب, فطلبهم أهلوهم, لا يدرون أين ذهبوا, فرُفِعَ ذلك إلى الملكِ, فقال : ليكونَنَّ لهؤلاءِ شأنٌ بعد اليومِ, قومٌ خرجوا ولا يُدرى أين توجهوا في غيرِ جنايةٍ, ولا شيٌء يُعرفُ, فدعا بلوحٍ من رصاصٍ, فكتب فيهِ أسماءهم, وطرحَهُ في خزانتِهِ, فذلك قولُ اللهِ تباركَ وتعالى [ 9 : الكهف ] { إِنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوْا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا } والرقيمُ هو اللوحُ الذي كتبوا, قال : فانطلقوا حتى دخلوا الكهفَ, فضرب اللهُ على آذانهم, فناموا, قال : فقال ابنُ عباسٍ : واللهِ لو أنَّ الشمسَ تطلعُ عليهم لأحرقتهم, ولولا أنَّهم يُقلبونَ, لأكلتهمُ الأرضُ, فذلك قولُ اللهِ تباركَ وتعالى?وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ,وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ?يقولُ : بالفناءِ { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ?ثم إنَّ ذلك الملكَ ذهب وجاء ملكٌ آخرُ, فكسر تلك الأوثانَ وعبدَ اللهَ, وعدلَ في الناسِ, فبعثهم اللهُ لما يريدُ, فقال بعضهم لبعضٍ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } قال بعضهم : ?يَوْمًا } وقال بعضهم : ?بَعْضَ يَوْمٍ ?,وقال بعضهم : أكثرُ من ذلك, فقال كبيرهم : لا تختلفوا, فإنَّهُ لم يختلف قومٌ قطُّ إلا هَلكوا, قال : فقالوا : { فَابْعَثُوْا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكِمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ } يعني بأزكى : بأطهرَ, إنَّهم كانوا يذبحونَ الخنازيرَ, قال : فجاء إلى المدينةِ, فرأى شارةً أنكرها, وبنيانًا أنكرَهُ, ثم دنا إلى خبازٍ, فرمى إليهِ بدرهمٍ, فأنكرَ الخبازُ الدرهمَ, وكانت دراهمهم كخفافِ الربعِ يعني والربعِ الفصيلَ, قال : فأنكر الخبازُ, وقال : من أين لك هذا الدرهمَ ؟ لقد وجدتَ كنزًا لتَدُلَّني على هذا الكنزِ أو لأرفعنَّكَ إلى الأميرِ, قال : أَتُخَوِّفُنِي بالأميرِ , وإني لدهقانُ الأميرِ فقال : من أبوكَ ؟ قال : فلانٌ, فلم يعرفْهُ, فقال : من الملكُ ؟ فقال : فلانٌ, فلم يعرفْهُ, قال : فاجتمع الناسُ, ورفع إلى عاملهم, فسألَهُ, فأخبرَهُ, فقال : عليَّ باللوحِ, قال : فجيءَ بهِ, فسمَّى أصحابَهُ فلانٌ وفلانٌ, وهم في اللوحِ مكتوبونَ قال : فقال الناسُ : قد دلَّكمُ اللهُ على إخوانكم, قال : فانطلقوا, فركبوا حتى أتوْا الكهفَ, فقال الفتى : مكانكم أنتم, حتى أدخلَ على أصحابي, لا تهجموا عليهم, فيفزعوا منكم, وهم لا يعلمونَ, أنَّ اللهَ قد أقبل بكم, وتاب عليكم, فقالوا : آللهِ لتَخْرُجَنَّ إلينا, قال : إن شاء اللهُ, فلم يَدْرِ أين ذهب, وعميَ عليهم المكانُ قال : فطلبوا وحرصوا, فلم يَقدروا على الدخولِ عليهم, فقالوا : أَكْرِمُوا إخوانكم, قال : فنظروا في أمرهم, فقالوا : ?لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } فجعلوا يُصلُّونَ عليهم, ويستغفرونَ لهم, ويدعون لهم, فذلك قولُ اللهِ تعالى ?فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } يعني اليهودَ ?وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيٍء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [ 22 - 24 : الكهف ] فكان ابنُ عباسٍ, يقولُ : إذا قلتَ شيئًا فلم تقل : إن شاء اللهُ, فقل إذا ذكرتَ إن شاء اللهُ الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : ابن حجر العسقلاني المصدر : تغليق التعليق الصفحة أو الرقم: 4/244 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه الواحدي في ((التفسير الوسيط)) (563)، وابن أبي شيبة كما في ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/ 366) باختلاف يسير.

مِنَ القِصَصِ العَظيمةِ التي قَصَّها اللَّهُ تَعالى لَنا في القُرآنِ الكَريمِ قِصَّةُ أصحابِ الكَهفِ، وهم فِتيةٌ فرُّوا بدينِهم وإيمانِهم مِن بَطشِ المَلِكِ الظَّالمِ، فدَخَلوا كَهفًا وناموا فيه نَومةً طَويلةً، وكان مِن شَأنِهم ما قَصَّه اللَّهُ تَعالى في سورةِ الكَهفِ، وجَعَلَ اللهُ هذه القِصَّةَ عِظةً لِمَن جاءَ بعدَهم، وقد ذَكَرَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ قِصَّتهم لمُعاويةَ رَضيَ اللهُ عنهم؛ فعنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قال: غَزَونا مَعَ مُعاويةَ غَزوةَ المصيفِ، أي: الغَزوَ وقتَ فَصلِ الصَّيفِ، وذلك أنَّ مُعاويةَ رَضيَ اللهُ عنه كان يَغزو الرُّومَ كُلَّ عامٍ وقتَ الصَّيفِ، وقيلَ: إن هذه الغَزوةَ تُسَمَّى غَزوةَ المَضيقِ؛ فقد غَزا مُعاويةُ الرُّومَ سَنةَ اثنَتَينِ وثَلاثينَ للهجرةِ حَتَّى بَلَغَ المَضيقَ مَضيقَ القُسطَنطينيَّةِ، فمَرُّوا بالكَهفِ الذي فيه أصحابُ الكَهفِ، الذينَ ذَكَرَ اللَّهُ في القُرآنِ، فقال مُعاويةُ: لَو كُشِف لَنا عن هؤلاء، فنَظَرْنا إليهم! فقال ابنُ عَبَّاسٍ: ليس ذلك لك، أي: لَن نَستَطيعَ ذلك؛ فقد مَنَعَ اللهُ ذلك مَن هو خَيرٌ مِنك، أي: يَقصِدُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال تعالى مخاطبًا نَبيَّه: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكَهف: 18] قال مُعاويةُ: لا أنتَهي حَتَّى أعلَمَ عِلمَهم! أي: لَن أتَحَرَّكَ مِن هذا الكَهفِ حَتَّى أعلمَ خَبَرَهم.

ثُمَّ إنَّ مُعاويةَ بَعَثَ ناسًا إلى الكَهفِ، وقال: اذهَبوا فانظُروا، فلَمَّا دَخَلوا الكَهفَ بَعَثَ اللهُ عليهم ريحًا فأخرَجَتهم مِنَ الكَهفِ! فبَلَغَ ذلك ابنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما، فأنشَأ، أي: بَدَأ يُحَدِّثُهم عن أصحابِ الكَهفِ، فقال رَضيَ اللهُ عنه: إنَّ أصحابَ الكَهفِ كانوا في مَملَكةِ مَلِكٍ مِن هذه الجَبابرةِ، فجَعَلوا يَعبُدونَ حَتَّى عُبِدَتِ الأوثانُ، وهؤلاء الفِتيةُ بالمَدينةِ، فلَمَّا رَأوا عِبادةَ أصحابِ المَدينةِ للأوثانِ خَرَجوا مِن تلك المَدينةِ على غَيرِ ميعادٍ، أي: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم خَرَجَ بمُفرَدِه بدونِ تَرتيبٍ مَعَ صاحِبِه، فجَمَعَهمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ على غَيرِ ميعادٍ، فجَعَلَ بَعضُهم يَقولُ لبَعضٍ: أينَ تُريدونَ؟ أينَ تَذهَبونَ؟ فجَعَلَ بَعضُهم يُخفي مِن بَعضٍ؛ لأنَّه لا يَدري هذا على ما خَرَجَ هذا.

وكُلُّ هذا مِن بابِ الحَيطةِ والحَذَرِ، فأخَذَ بَعضُهم على بَعضٍ المَواثيقَ أن يُخبرَ بَعضُهم بَعضًا بسَبَبِ خُروجِه، فإنِ اجتَمَعوا على شَيءٍ، أي: إن كان سَبَبُ خُروجِهم واحِدًا اجتَمَعوا مَعَ بَعضٍ، وإن كان سَبَبُ خُروجِهم مُختَلفًا كَتم بَعضُهم على بَعضٍ، فاجتَمَعوا على كَلمةٍ واحِدةٍ، فقالوا: {رَبُّنا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف: 14] ، أي: جَورًا وكَذِبًا، والمَعنى: إن دَعَونا غَيرَ اللهِ لَقد قُلنا إذًا شَطَطًا، {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} [الكهف: 15- 16] ، قال ابنُ عَبَّاس: فهذا قَولُ الفِتيةِ، ثُمَّ إنَّهم فُقِدوا، أي: أنَّ أهلَ المَدينةِ فقدوهم، فجاءَ أهلُ هذا يَطلُبونَه لا يَدرونَ أينَ ذَهَبَ، وجاءَ أهلُ هذا يَطلُبونَه لا يَدرونَ أينَ ذَهَبَ، فطَلَبَهم أهلوهم، لا يَدرونَ أينَ ذَهَبوا، فرُفعَ ذلك إلى المَلِكِ، فقال المَلِكُ: ليَكونَنَّ لهؤلاء شَأنٌ بَعدَ اليَومِ، أي: شَعَرَ المَلِكُ أنَّ هؤلاء سيَكونُ لَهم أمرٌ عَظيمٌ خَطيرٌ؛ قَومٌ خَرَجوا ولا يُدرى أينَ تَوجَّهوا في غَيرِ جِنايةٍ، أي: مِن غَيرِ جُرمٍ ارتَكَبوه، ولا شَيءٍ يُعرَفُ! وذلك لأنَّ خُروجَهم بدونِ تُهمةٍ سَبَبٌ يَدعو للغَرابةِ، فدَعا المَلِكُ بلَوحٍ مِن رَصاصٍ، فكَتَبَ فيه أسماءَهم، وطَرَحَه في خِزانَتِه، فذلك قَولُ اللهِ تَبارَكَ وتعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف: 9] ، والرَّقيمُ: هو اللَّوحُ الذي كُتِبَت فيه أسماؤُهم.

فانطَلَقَ الفِتيةُ حَتَّى دَخَلوا الكَهفَ، فضَرَبَ اللهُ على آذانِهم، فناموا، قال ابنُ عَبَّاسٍ: واللهِ لَو أنَّ الشَّمسَ تَطلُعُ عليهم لَأحرَقَتْهم، ولَولا أنَّهم يُقلَبونَ لأكلَتهمُ الأرضُ، فذلك قَولُ اللهِ تَبارَكَ وتعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف: 17] {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18] ، أي: بالفِناءِ، {ونُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} [الكهف: 18] ثُمَّ إنَّ ذلك المَلِكَ ذَهَبَ، أي: هلَكَ، وجاءَ مَلكٌ آخَرُ وكان صالحًا عادلًا، فكَسَرَ تلك الأوثانَ وعَبدَ اللَّهَ، وعَدَلَ في النَّاسِ، فعِندَ ذلك بَعَثَ اللهُ أولَئِكَ الفِتيةَ وأيقَظَهم لِما يُريدُ، فقال بَعضُهم لبَعضٍ: {كَمْ لَبِثْتُمْ} [الكهف: 19] ؟ قال بَعضُهم: يَومًا.

وقال بَعضُهم: بَعضَ يَومٍ، وقال بَعضُهم: أكثَرَ مِن ذلك، فقال كَبيرُهم: لا تَختَلفوا؛ فإنَّه لم يَختَلِفْ قَومٌ قَطُّ إلَّا هلَكوا، فقالوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف: 19] يَعني بأزكى: بأطهَرَ، إنَّهم كانوا يَذبَحونَ الخَنازيرَ، فجاءَ أحَدُهم إلى المَدينةِ، فرَأى شارةً، أي: عَلاماتٍ أنكَرَها، وبُنيانًا أنكَرَه، أي: رَأى أحوالًا مُتَغَيِّرةً عَمَّا كانت عليه عِندَما خَرَجوا، ثُمَّ دَنا إلى خَبَّازٍ، فرَمى إليه بدِرهَمٍ، فأنكَرَ الخَبَّازُ الدِّرهَمَ، وكانت دَراهِمُهم كخِفافٍ - أي: قَدَمِ- الرَّبعِ، أي: الفَصيلِ، وهو ولَدُ النَّاقةِ.

والمَعنى: أنَّ دَراهمَه كانت كَبيرةً قديمةً باليةً كَقدَمِ الإبِلِ، فأنكَرَ الخَبَّازُ هذه الدَّراهمَ، وقال: من أينَ لَك هذا الدِّرهَمُ؟ لَقد وجَدتَ كَنزًا لتَدُلُّني على هذا الكَنزِ أو لأرفعَنَّك إلى الأميرِ، قال: أتُخَوِّفُني بالأميرِ، وإنِّي لدِهقانُ الأميرِ! والدِّهقانُ: هو رَئيسُ القَريةِ، فقال الخَبَّازُ للرَّجُلِ: مَن أبوك؟ فقال: فلانٌ، فلم يَعرِفْه الخَبَّازُ، ثُمَّ قال له: مَنِ المَلِكُ؟ فقال الرَّجُلُ: فلانٌ، فلم يَعرِفْه الخَبَّازُ أيضًا، فاجتَمَعَ النَّاسُ، ورُفِعَ إلى عامِلِهم، أي: أميرِ البَلدةِ، فسَألَه، فأخبَرَه، فقال: عليَّ باللَّوحِ، أي: الذي كُتِبَت فيه أسماؤُهم، فجيءَ به، فسَمَّى أصحابَه فُلانًا وفُلانًا، وهم في اللَّوحِ مكتوبون.

فقال النَّاسُ بَعضُهم لبَعضٍ: قد دَلَّكُمُ اللهُ على إخوانِكم، فانطَلِقوا، فرَكِبوا حَتَّى أتَوا الكَهفَ، فقال الفتى: مَكانَكم أنتُم، حَتَّى أدخُلَ على أصحابي، لا تَهجُموا عليهم، فيَفزَعوا مِنكم، وهم لا يَعلَمونَ أنَّ اللَّهَ قد أقبَلَ بكم وتابَ عليكم، فقالوا: اللهِ لتَخرُجَنَّ إلينا؟ طَلَبوا مِنه أن يَحلِفَ، فقال لَهم: إن شاءَ اللهُ، فلمَّا دَخَلَ الكَهفَ لم يُدرَ أينَ ذَهَبَ، وعُمِّي عليهمُ المَكانُ، فطَلَبوا وحَرَصوا، أي: بَحَثوا عن مَكانِهم فلم يَقدِروا على الدُّخولِ عليهم، فعِندَ ذلك قالوا: أكرِموا إخوانَكم، فنَظَروا في أمرِهم، فقالوا: {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] ، فجَعَلوا يُصَلُّونَ عليهم، ويَستَغفِرونَ لَهم، ويَدعونَ لَهم، فذلك قَولُ اللهِ تعالى: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 22] يَعني: اليَهودُ، {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 23، 24] ، فكان ابنُ عَبَّاسٍ يَقولُ: إذا قُلتَ شَيئًا فلم تَقُلْ: إن شاءَ اللهُ، فقُلْ إذا ذَكَرتَ: إن شاءَ اللهُ، أي: مَتى ما ذَكَرتَ فقُل: إن شاءَ اللهُ.

وفي الحَديثِ مَعرِفةُ الصَّحابةِ بكَهفِ أصحابِ الكَهفِ.

وفيه عِلمُ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما بقِصَّةِ أصحابِ الكَهفِ.

وفيه بَيانُ ما أوتيَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما مِن عِلمِ التَّفسيرِ.

وفيه ما في قِصَّةِ أصحابِ الكَهفِ مِنَ العِبَرِ والآياتِ العَظيمةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ قَولِ: إن شاءَ اللهُ، عِندَ التَّذَكُّرِ .

أحاديث ذات صلة