قلنا للزُّبَيْرِ : يا أبا عبدِ اللَّهِ ، ما جاءَ بِكُم ضيَّعتُمُ الخليفةَ حتَّى قُتِلَ، ثمَّ جئتُمْ تطلُبونَ بدمِهِ ؟ قالَ الزُّبَيْرُ: إنَّا قرَأناها على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ وأبي بَكْرٍ، وعمرَ، وعثمانَ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً لم نَكُن نحسَبُ أنَّا أَهْلُها حتَّى وقَعَت منَّا حيثُ وقَعَت .
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (11206) بنحوه، وأحمد (1414) واللفظ له، والبزار (976) مختصرا باختلاف يسير
عن مُطَرِّفٍ، قال: قُلْنا للزُّبَيرِ رضِيَ اللهُ عنه: يا أبا عبدِ اللهِ، ما جاء بكُم؟! ضيَّعْتُم الخليفةَ حتَّى قُتِلَ، ثمَّ جِئْتُم تَطلُبون بدَمِه! قال الزُّبَيرُ رضِيَ اللهُ عنه: إنَّا قرَأْناها على عهْدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ رضِيَ اللهُ عنهم: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] ، لمْ نكُنْ نَحسِبُ أنَّا أهْلُها حتَّى وقَعَتْ مِنَّا حيثُ وقَعَتْ.
الراوي : غيلان بن جرير المحدث : أحمد شاكر المصدر : تخريج المسند لشاكر الصفحة أو الرقم: 3/9 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه البزار (976) بنحوه، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (18/405) باختلاف يسير، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (872) تَرتَّبَ على قَتلِ أميرِ المؤمِنينَ عُثْمانَ بنِ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه فِتْنةٌ عَظيمةٌ، تَسبَّبَت في حُدوثِ نِزاعاتٍ وحُروبٍ بيْنَ المُسلِمينَ طَوالَ خِلافةِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِي اللهُ عنه.
وفي هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ مُطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ أنَّه هو وأصْحابُه قالوا للزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رَضيَ اللهُ عنه: «يا أبا عبدِ اللهِ، ما جاء بكم» للقِتالِ يومَ الجَملِ معَ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها، وقدْ ضيَّعْتمُ الخَليفةَ عُثمانَ بنَ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه، وترَكْتُموه للخَوارِجِ حتَّى قَتَلوه، ثمَّ جِئْتم تُطالِبونَ بدَمِه، وتُقاتِلونَ عَليًّا ومَن معه؛ لأنَّهم لم يَأخُذوا بالقِصاصِ ممَّن قتَلَه؟! وهذا تَصوُّرُ مُطرِّفٍ ورَأيُه، وليْس الحَقيقةَ الواقِعيَّةَ؛ لأنَّه كان يَرى أنَّه كان يَجِبُ على المُتَواجِدينَ مع عُثمانَ رَضيَ اللهُ عنه أنْ يُدافِعوا عنه مهْما كلَّفَهمُ الأمرُ.
فأوضَحَ له الزُّبَيرُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ الأمرَ مُلتَبِسٌ، وأنَّهم يَنطَبِقُ عليهم قولُ اللهِ تعالَى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] ، والمَعنى: احْذَروا فِتْنةً إنْ نزَلَت بكمْ لم تَقتَصِرْ على الظَّالِمِ خاصَّةً؛ بلْ تَتعَدَّى إليكم جَميعًا، وتَصِلُ إلى الصَّالِحِ والطَّالِحِ، وأرادَ بالفِتْنةِ الابْتِلاءَ والاخْتِبارَ.
وقدْ أمَرَ اللهُ المؤمِنينَ ألَّا يُقِرُّوا المُنكَرَ بيْنَ أظْهُرِهم فيَعُمَّهمُ العَذابُ، وهذا يُشيرُ إلى أنَّ الآيةَ ليْست خاصَّةً بالصَّحابةِ؛ بل هي عامَّةٌ لجَميعِ الأُمَّةِ في كلِّ زمانٍ.
وقدْ نزَلَت هذه الآيةُ في أهلِ بَدرٍ خاصَّةً، فأصابَتْهم يومَ الجَملِ؛ ولذلك أخبَرَ الزُّبَيرُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم قَرَؤوا هذه الآيةَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأبي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ رَضيَ اللهُ عنهم، فقَرَؤوها زَمانًا طَويلًا، ولكنَّهم لم يَكونوا يَحسَبونَ أنْفُسَهم مِن أهْلِ هذه الفِتْنةِ الَّتي يُمكِنُ أنْ تُصيبَهم، حتَّى وقَعَت فيهم فِتْنةُ مَقتَلِ عُثمانَ رَضيَ اللهُ عنه، ووَقَعوا فيها حيث وقَعَت.
ولعلَّ مَعنى كَلامِ الزُّبَيرِ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ فِتْنةَ مَقتَلِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه لمَّا وقَعَت -وكان البَعضُ قادِرًا على النَّهيِ عنِ الخُروجِ عليه- وقدْ قام كَثيرٌ منَ الصَّحابةِ بهذه المُهمَّةِ، وبَيَّنوا للخارِجينَ الأمرَ، ووضَّحوا عَدمَ جَوازِ الخُروجِ على عُثمانَ رَضيَ اللهُ عنه، وأنَّ الخارجينَ مُخطِئونَ في ذلك، ولكنْ لمَّا لم يَسمَعِ الخارِجونَ لهذا الكَلامِ، وكثُر عَدَدُهم فغَلَبوا على عُثمانَ ومَن معَه، فوقَعَتِ الفِتنةُ والظُّلمُ عليه، ثمَّ بعْدَ ذلك عمَّتِ الفِتنةُ على جَميعِ المُسلِمينَ الصَّالِحِ منهم والطَّالِحِ، فحَقَّ عليهم مَعنى الآيةِ الكَريمةِ، وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَنبَغي لأحدٍ مهْما بلَغَ مِن الإيمانِ والتَّقْوى أنْ يَأمَنَ على نَفْسِه مِن أنْ يُصيبَه بَلاءٌ لا دَخْلَ له فيه، وذلك إذا كثُر الفَسادُ والظُّلمُ ولم يَنْهَ أحدٌ عنه؛ فهذا مَظِنَّةُ البَلاءِ العامِّ، والمُصيبةِ العامَّةِ.
[السنن الكبرى - للنسائي] (6/ 351) 11206- أنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرحمن بن مهدي نا جرير بن حازم قال سمعت الحسن عن الزبير بن العوام قال: لما نزلت هذه الآية { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } الآية قال ونحن يومئذ متوافرون قال فجعلت أتعجب من هذه الآية أي فتنة تصيبنا ما هذه الفتنة حتى رأيناها.
[مسند أحمد] ـ الرسالة] (3/ 31) 1414- حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد يعني ابن سعيد، حدثنا غيلان بن جرير، عن مطرف، قال: قلنا للزبير : يا أبا عبد الله، ما جاء بكم ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير: (( إنا قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم} [الأنفال: 25] خاصة لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت)).
[مسند البزار - البحر الزخار] (3/ 190) 976- حدثنا محمد بن عبد الرحيم السابري، قال: نا الحجاج بن نصير، قال: نا شداد بن سعيد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف، عن الزبير بن العوام ، في قول الله تبارك وتعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] قال كنا نتحدث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم نحسب أنا أهلها حتى نزلت فينا.
ولا نعلم روى مطرف عن الزبير إلا هذا الحديث.