قال رَجُلٌ لابنِ عبَّاسٍ: إنَّهُ لَيَقَعُ في نَفْسي ما أنْ أخِرَّ مِنَ السَّماءِ أحَبُّ إليَّ مِن أنْ أتكَلَّمَ به.

فقال ابنُ عبَّاسٍ: مِنَ الشَّكِّ يَعني؟ قال: فقال: نَعم.

فقال: وهل يَسلَمُ مِن ذلك أحدٌ؟! وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ لِنَبيِّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} [يونس: 94].

الدلالات الموضوعية:# إيمان - الوسوسة في الإيمان وما يقول من وجدها# تفسير آيات - سورة يونس# إيمان - أمور الإيمان# أدعية وأذكار - الذكر عند من بلي بالوسوسة# إيمان - تجاوز الله عن حديث النفس
المصدر: تخريج مشكل الآثار
الراوي: أبو زميل
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (5015) واللفظ له، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (1663) بنحوه.

الشرح والتوضيح

سألتُ ابنَ عباسٍ ! فقلتُ : ما شيءٌ أجدُه في صدري ؟ قال : ما هو ؟ قلتُ : واللهِ ما أتكلمُ به ! قال : فقال لي : أشيءٌ من شكٍّ ؟ قال : وضحِك، قال : ما نجا من ذلك أحدٌ، قال : حتى أنزل اللهُ عز وجل { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِك} الآية، قال : فقال لي : إذا وجدتَ في نفسِك شيئًا فقلْ : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الراوي : سماك بن الوليد أبو زميل المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 5110 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه أبو داود (5110) واللفظ له، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (13/7) مختصراً بنحوه، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) (613) باختلاف يسير الإيمانُ باللهِ سُبْحانَه يَتطلَّبُ قلبًا واعيًا، وتَسليمًا وانقِيادًا كامِلًا للهِ تعالى؛ لأنَّ كثيرًا مِنَ الأمورِ الغَيبيَّةِ وغيرِها لا يُمكِنُ للعَقْلِ أنْ يَتصوَّرَها، وربَّما يَتشَكَّكُ الإنسانُ ويَعْتريه الفِكْرُ السَّقيمُ، وهنا لا بُدَّ للمؤمِنِ أنْ يَرْجِعَ سَريعًا إلى إيمانِه باللهِ عزَّ وجلَّ.

وفي هذا الحَديثِ يَقولُ أبو زُمَيلٍ سِماكُ بنُ الوليدِ: سأَلتُ ابنَ عبَّاسٍ، فقُلتُ: "ما شيءٌ أَجِدُه في صَدْري؟"، أي: هناك شيءٌ يأتي في صَدْري مِنَ الفِكْرِ وما أَشْبَهَه، فقال عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: "ما هو؟" قلتُ: واللهِ ما أَتكلَّمُ بِه"، أي: لا أَسْتطيعُ أَنْ أَنْطِقَ به؛ لِما فيه ممَّا يَتعلَّقُ بالعقيدةِ، وهي ظنونٌ تَحصُل من الشَّيطانِ يُشوِّش بها على المؤمِن، والمؤمنُ يَردُّها ويَدفعُها ويَكرهُها ويُبغضها، فقال ابنُ عبَّاسٍ: "أشيءٌ مِنْ شَكٍّ؟" قال أبو زُمَيلٍ: "وضَحِكَ"، أي: ابنُ عبَّاسٍ؛ وذلك لأنه فَهِم أنها شكوكٌ وأوهامٌ من إلقاءِ الشَّيطانِ عليه.

ثمَّ قال له ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: "ما نجا مِنْ ذلك أَحَدٌ"، أي: اسْتَشْعَرَ ابنُ عبَّاسٍ ما يَدورُ في عَقْلِه وقَلْبِه من الشَّكِّ، فضَحِكَ، وبيَّنَ له أنَّ مِثْلَ تِلْكَ الأشياءِ وارِدةٌ في حَقِّ العَقْلِ البَشريِّ، وأنَّه ما نَجَا مِن هذا الفِكرِ أحدٌ، "حتَّى أَنْزَلَ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [يونس: 94] "، والمُرادُ: أنَّ اللهَ سُبْحانَه قال لنبيِّه: إنْ كُنْتَ في شَكٍّ من الوَحْي وما أَنْزَلَه اللهُ عليكَ، فاسْأَلْ أَهْلَ الكتابِ مِنَ اليهودِ والنَّصارى الَّذين أَرْسَلَ اللهُ إليهِم رُسلًا وأنبياءَ، ولم يَكُنِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شَكٍّ مِنْ أَمْرِه، ولكنَّه افْتِراضٌ للبيانِ والتَّوضيحِ، ولم يَكُن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليَشُكَّ في اللهِ ثُمَّ يسأَلَ أَهْلَ الكتابِ ويُصدِّقَهُم، وقيل: هذا خِطابٌ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمُرادُ بِه غيرُه على عادةِ العَرَبِ؛ فإنَّهم يُخاطِبونَ الرَّجُلَ ويُريدونَ بِه غيرَه، وقيل: كان النَّاسُ على عَهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بين مُصدِّقٍ ومُكذِّبٍ وشاكٍّ، فهذا الخطابُ مع أَهْلِ الشَّكِّ، ومَعْناه: إنْ كُنتَ أيُّها الإنسانُ في شَكٍّ ممَّا أَنْزَلنا إليكَ مِنَ الهُدى على لِسانِ رَسولِنا مُحمَّدٍ.

ثم قال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما لأبي زُمَيلٍ: "إذا وَجَدتَ في نَفْسِك شيئًا"، أي: بمِثْلِ ما أشَرتَ إليه مِنَ التَّفكُّرِ والشُّكوكِ، فَقُلْ: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] ، أي: اقرأْ هذه الآيةِ؛ ففيها شِفاءٌ للشُّكوكِ التي في نفْسِك، والذي يَنقدِحُ في الذِّهنِ ويُلقِيه الشيطانُ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ، يُدْفَع بهذِه الأسماءِ الحُسنَى للهِ سبحانه وما تَضمَّنَتْه من الصفات العُلَا؛ فإنَّه الأوَّلُ الذي ليس قَبْلَه شيءٌ، وهو الآخِرُ ليس بَعدَه شيءٌ، كما أنَّه الظَّاهِرُ الذي ليس فوقَه شيءٌ، والباطِن المحيطُ بكلِّ شيءٍ، ولا يكونُ دونه شيءٌ، ولو كان قَبْلَه شَيءٌ يكون مؤثرًا فيه لكان ذلك هو الربَّ الخَلَّاق، ولا بدَّ أن يَنتهيَ الأمرُ إلى خالقٍ غيرِ مخلوقٍ، وقائمٍ بنَفْسِه غنيٍّ عن غيرِه، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليه.

وفي الحَديثِ: إشارةٌ إلى أنَّ الشَّيطانَ يُوسوسُ في صُدورِ المؤمنِينَ؛ ليُلقي فيها الشَّكَّ، وأنَّه على المؤمِنِ اللُّجوءُ إلى اللهِ تعالى والأخْذُ بأسبابِ السَّلامةِ مِن هذِه الوساوسِ والشُّكوكِ.

وفيه: بيانُ العِلاجِ للمُؤمنِ إذا وَجَدَ في نَفْسِه شكًّا في العَقيدةِ

الأصول والأحكام

شرح مشكل الآثار (13/ 7) [[5015]] حدثنا أحمد بن أبي عمران قال: حدثنا الجراح بن مخلد البصري قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثني عكرمة بن عمار قال: حدثني أبو زميل قال: قال رجل لابن عباس : إنه ليقع في نفسي ما أن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، فقال ابن عباس: " من الشك يعني؟ "، قال: فقال: نعم، فقال: " وهل يسلم من ذلك أحد، وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} [[يونس: 94]] ولا نعلمه روي عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في المراد بهذه الآية، غير هذا الحديث الذي رويناه في ذلك عن ابن عباس وأما التابعون، فروي عنهم في ذلك

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/ 990) 1663 - أنا عبيد الله بن محمد، أنا عبد الصمد بن علي، أنا الحسين بن إسحاق، قال: نا أبو الطاهر بن السرح، قال: نا خالد بن نزار، قال: نا ياسين أبو خلف المكي، عن هود بن عطاء، عن سماك بن زميل، قال: أتيت ابن عباس فقلت: يا ابن عباس أجد في نفسي شيئا لأن أخر من السماء، أو يخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحب إلي من أن أتكلم به فقال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ذاك محض الإيمان فلو انفلت منه أحد انفلت منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن نبي الله دخله، فأنزل الله عز وجل: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} "

أحاديث ذات صلة