نادَى رَجلٌ منَ الغالِينَ عليًّا وهو في الصَّلاةِ صَلاةِ الفَجرِ، فقالَ: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} [الزمر: 65]، فأجابَه عَليٌّ وهو في الصَّلاةِ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60].
لما وقع التَّحكيمُ ورجع عليٌّ من صِفِّينَ رجعوا مبايِنين له فلما انتهوا إلى النهرِ أقاموا به فدخل عليٌّ في الناسِ الكوفةَ ونزلوا بحروراءَ فبعث إليهم عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ فرجع ولم يصنعْ شيئًا فخرج إليهم عليٌّ فكلَّمهم حتى وقع الرِّضا بينه وبينهم فدخلوا الكوفةَ فأتاه رجلٌ فقال إنَّ الناسَ قد تحدَّثوا أنك رجعتَ لهم عن كفرِك فخطب الناسَ في صلاةِ الظهرِ فذكر أمرَهم فعابه فوثَبوا من نواحي المسجدِ يقولون لا حُكمَ إلا للهِ واستقبله رجلٌ منهم واضعٌ إصبعَيه في أُذُنَيه فقال وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ فقال عليٌّ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ الراوي : مسعود بن مالك الأسدي أبو رزين المحدث : الألباني المصدر : إرواء الغليل الصفحة أو الرقم: 8/119 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير أبي رزين التخريج : أخرجه الطبري في ((تاريخ الرسل والملوك)) (5/ 73) بلفظه، والحاكم (4704)، والبيهقي (3371) كلاهما بنحوه مختصرا دون ذكر التحكيم .
مِنَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ التي أخبَرَ عَنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذَكَرَ بَعضَ صِفاتِهم، وحَذَّرَ مِنهم: فِرقةُ الخَوارِجِ، الذينَ يُكَفِّرونَ أهلَ الإسلامِ بالمَعاصي ويَستَحِلُّونَ دِماءَهم، ويَخرُجونَ على أئِمَّةِ المُسلِمينَ ويُقاتِلونَهم، وقد خَرَجوا في عَهدِ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقاتَلَهم عليٌّ في مَعرَكةِ النَّهروانِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو رَزينٍ الأسَديُّ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه لمَّا وقَعَ التَّحكيمُ، أي: التَّحكيمُ بَينَ عليٍّ ومُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنهما، ورَجَعَ عليٌّ مِن صِفِّينَ، أي: مَوقِعةِ صِفِّينَ سَنةَ سَبعٍ وثَلاثينَ، وكانت بَينَه وبَينَ مُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنه، رَجَعوا، أي: الخَوارِجُ، مُبايِنينَ له، أي: مُبتَعِدينَ ومُنفصِلينَ عن جَيشِ عليٍّ ومُنحازينَ وَحدَهم؛ لكَونِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قَبِلَ التَّحكيمَ، وكانوا قَبلَ التَّحكيمِ مَعَ عليٍّ، فلمَّا قَبِل عليٌّ التَّحكيمَ انفصَلوا عنه، فلمَّا انتَهَوا، أي: وصَلوا، إلى النَّهرِ، أي: النَّهروانِ، أقاموا به، أي: نَزَلوا هناكَ، فدَخَل عليٌّ في النَّاسِ الكوفةَ، أي: رَجَعَ عليٌّ بمَن مَعَه مِنَ النَّاسِ إلى الكوفةِ مَقَرِّ إقامَتِه، ونَزَل الخَوارِجُ بحَروراءَ، وهيَ البَلدةُ التي تَجمَّع فيها الخَوارِجُ، فيُقالُ لهم حَروريَّةٌ، ثُمَّ بَعَثَ عليٌّ إليهم عَبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما حتَّى يَنظُرَ ما عِندَهم مِنَ الإشكالِ والشُّبَهِ ويُجيبَهم، فرَجَعَ ابنُ عبَّاسٍ ولم يَصنَعْ شَيئًا، أي: لم يُقنِعْهم في هذه المَرَّةِ، فخَرَجَ إليهم عليٌّ فكَلَّمَهم حتَّى وقَعَ الرِّضا بَينَه وبَينَهم، أي: اقتَنَعوا بما أخبَرَهم به وبما فعَل مِن قَضيَّةِ التَّحكيمِ، فدَخَلوا الكوفةَ، أي: دَخَل الخَوارِجُ الكوفةَ بَعدَ كَلامِ عليٍّ لهم، فجاءَ رَجُلٌ إلى عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، فقال له: إنَّ النَّاسَ قد تَحَدَّثوا أنَّك رَجَعتَ لهم عن كُفرِك، أي: عن تَكفيرِهم لك، وذلك أنَّ الخَوارِجَ كانوا يَرَونَ كُفرَ عليٍّ بقَبولِه بالتَّحكيمِ، فخَطَبَ عليٌّ في النَّاسِ في صَلاةِ الظُّهرِ ثُمَّ ذَكَرَ أمرَ الخَوارِجِ وما وقَعوا فيه وعابَ رَأيَهم، فوثَبَ، أي: قامَ الخَوارِجُ مِن نَواحي المَسجِدِ وهم يَقولونَ: لا حُكمَ إلَّا للَّهِ، واستَقبَل عليٌّ رَجُلًا مِنَ الخَوارِجِ واضِعًا إصبَعَيه في أُذُنَيه، أي: يُريدُ بذلك -واللَّه أعلمُ- ألَّا يَسمَعَ لكَلامِ عليٍّ، ثُمَّ قال: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] ، أي: يُريدُ بذلك أنَّك يا عليُّ بقَبولِك التَّحكيمَ قد حَبِطَ عَمَلُك.
فقال عليٌّ: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] ، أي: لم يُعاقِبْهم ولم يُعَزِّرْهم، بَل صَبر عليهم حتَّى كان مِنهمُ البَدءُ في القِتالِ، فقاتَلَهم.
وفي الحَديثِ بَيانُ مَبدَأِ خُروجِ الخَوارِجِ على عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه مَشروعيَّةُ بَعثِ الإمامِ لأهلِ البُغاةِ مَن يَنظُرُ ما عِندَهم مِنَ الشُّبَهِ.
وفيه مَشروعيَّةُ مُناقَشةِ الإمامِ للبُغاةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الخُطبةِ في الأُمورِ المُهمَّةِ التي قد يَكونُ فيها إشكالٌ للنَّاسِ.
وفيه قِلَّةُ فِقهِ الخَوارِجِ.
وفيه صَبرُ الإمامِ على البُغاةِ وعَدَمُ تَعزيرِهم .