أتيتُ أبا وائلٍ وهوَ في مسجِدِ حيِّهِ فاعتزَلْنا في ناحيةِ المسجدِ فقلتُ : ألا تخبِرُني عَن هؤلاءِ القومِ الذينَ قتلَهُمْ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ [ فيمَ ] فارَقوهُ ، و [ فيمَ ] استَجابوا لهُ حينَ دعاهُم وحينَ فارَقوهُ فاستَحلَّ قتالَهم ؟ قال : لمَّا كنَّا بصفِّينَ استحَرَّ القتلُ في أهلِ الشَّامِ .

.

فذكرَ قصَّةً قال : فرجعَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ إلى الكوفَةِ ، وقال فيهِ الخوارجُ ما قالوا ، ونزلوا حَروراءَ وهم بِضعةَ عشرَ [ ألفًا ] ، فأرسلَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ إليهم يناشدُهمُ اللهَ تعالى ارجِعوا إلى خليفَتِكمْ ، فبمَ نَقمْتُمْ عليهِ ؟ أفي قِسمةٍ أو قَضاءٍ ؟ قالوا : نخافُ أن ندخُلَ في فتنتِهِ ، قال : فلا تُعجِّلوا ضلالةَ العامِ مَخافةَ فِتنةِ عامٍ قابلٍ ، قال : فرجَعوا فقالوا : نكونُ على ناحِيَتنا ، فإن قَبِلَ القضيَّةَ قاتلناهُ على ما قاتَلنا عليهِ أهلَ الشَّامِ بصفِّينَ ، وإن نقضَها قاتَلْنا معَه ، فساروا حتَّى قطَعُوا نَهْروانَ ، و [ افترَقَتْ ] منهمْ فرقةٌ يقتُلونَ النَّاسَ ، فقال أصحابُهم : ما على هذا فارَقْنا عليًا ، فلمَّا بلغ عليًّا رضيَ اللهُ عنهُ صنيعُهُم قام فقال : أتَسيرونَ إلى عَدُوِّكمْ ، أو ترجِعونَ إلى هؤلاءِ الذينَ خَلَفوكُمْ في ديارِكُمْ ؟ قالوا : بل نرجعُ إليهِم ، قال : فحدَّثَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قال : إنَّ طائفةً تَخرجُ من قِبَلِ المشرِقِ عندَ اختلافِ النَّاسِ لا ترونَ جِهادَكمْ معَ جِهادهِمْ شيئًا ، ولا صلاتَكُمْ معَ صلاتِهم شيئًا ، ولا صيامَكُمْ معَ صيامِهِمْ شيئًا ، يَمرُقونَ من الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ ، علامَتُهم رجلٌ عَضُدُه كثَديِ المرأَةِ ، يَقتُلُهُمْ أقرَبُ الطائفتينِ مِن الحقِّ ، فسارَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ إليهم فاقتَتَلوا قتالًا شديدًا ، فجعلتْ خيلُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ تقومُ لهم فقالَ : يا أيُّها النَّاسُ ، إن كنتُم إنَّما تقاتلونَهُم فيَّ فواللهِ ما عِندِي ما أجزِيكُمْ بهِ ، وإن كنتُم تُقاتِلونَ للهِ تعالى فلا يكونَنَّ هذا قتالُكم ، فأَقبَلُوا عليهِم فقَتلوهمْ كلُّهمْ ، فقال : اتِّبِعوه ، فطلبوه فلم يُوجَدْ ، فركِبَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ دابَّتَه وانتهى إلى وهْدَةٍ من الأرضِ ، فإذا قَتْلَى بعضُهُمْ علَى بعضٍ ، فاستُخرِجَ مِن تحتِهِم ، فَجُرَّ برجْلِه يراهُ النَّاسُ ، قال عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ : لا أغزو العامَ ، فرجعَ إلى الكوفةِ فَقُتِلَ ، واستخلَفَ النَّاسُ الحسَنَ بنَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ فبعثَ الحسَنُ بالبيعةِ إلى مُعاويةَ رضيَ اللهُ عنهُ ، وكتبَ بذلك الحسنُ إلى قيسِ بنِ سعدٍ رضيَ اللهُ عنهُما فقامَ قيسُ بنُ سعدٍ في أصحابِه فقال : يا أيُّها النَّاسُ : ما هذا ؟ فقال : الحسَنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما قد أعطَى البيعةَ مُعاويةَ ، فرجعَ النَّاسُ فبايَعوا معاويةَ رضيَ اللهُ عنهُ ، ولم يكُن لمعاويةَ رضيَ اللهُ عنهُ هَمٌّ إلَّا الذينَ بالنَّهْرَوانِ ، فجعلوا يتَساقطونَ عليهِ فيُبَايعونَه حتَّى بقيَ منهُم ثَلاثُمِائَةٍ ونَيِّفٍ ، وهُمْ أصحابُ النُّخَيلةِ

الدلالات الموضوعية:# حدود - قتل الخوارج وأهل البغي# أشراط الساعة - إخبار النبي ما سيكون إلى يوم القيامة# فتن - ظهور الفتن# اعتصام بالسنة - الخوارج والمارقين# فتن - موقعة صفين
المصدر: المطالب العالية
الراوي: حبيب بن أبي ثابت
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه إسحاق بن راهويه كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (8/47)

الشرح والتوضيح

أتيتُ أبا وائلٍ وهو في مسجد حيه ر فاعتَزَلنا في ناحيةِ المسجدِ فقلتُ: ألا عن هؤلاءِ القومِ الذين قتَلهم عليٌّ فيمَ فارَقوه ؟ وفيما استَجابوا له حين دعاهم ؟ وحين فارَقوه واستحَلَّ قتالَهم ؟ قال: لما كنا بصِفِّينَ استَحَرَّ القتلُ في أهلِ الشامِ فذكَر قصةً قال: فرجَع عليٌّ إلى الكوفةِ وقال فيه الخوارجُ ما قالوا ونزَلوا بحروراءَ وهم بضعةَ عشرَ ألفًا فأرسَل عليٌّ إليهِم يناشدُهم اللهَ ارجِعوا إلى خليفتِكم فيم نقمتم عليه أفي قسمةٍ أو قضاءٍ قالوا: نخافُ أن تدخلَ في فتنةٍ قال: فلا تعجَلوا ضلالةَ العامِ مخافةَ فتنةِ عامٍ قابلٍ فرجَعوا فقالوا: نكونُ على ناحيتِنا فإن قيل القضيةُ قاتَلناه على ما قاتَلنا عليه أهلَ الشامِ بصِفِّينَ وإن نقَضها قاتَلنا معه فساروا حتى قطَعوا نهروانَ وافتَرَقَتْ منهم فرقةٌ يقتُلونَ الناسَ فقال أصحابُهم: ما على هذا فارَقْنا عليًّا فلما بلَغ عليًّا صنيعُهم قام فقال: أتسيرونَ إلى عدوِّكم أو تَرجِعونَ إلى هؤلاءِ الذين خلفوكم في ديارِكم ؟ قالوا: بل نرجعُ إليهم قال: فحدَّث عليٌّ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ طائفةً تخرجُ مِن قبلِ المشرقِ عندَ اختلافٍ منَ الناسِ لا ترونَ جهادَكم مع جهادِهم شيئًا ولا صلاتَكم مع صلاتِهم شيئًا ولا صيامَكم مع صيامِهم شيئًا يمرُقونَ منَ الدينِ كما يمرقُ السهمُ منَ الرميةِ علامتُهم رجلٌ عضدُه كثديِ المرأةِ يقتُلُهم أقربُ الطائفتينَ منَ الحقِّ فسار عليٌّ إليهِم فاقتَتَلوا قتالًا شديدًا فجعَلَتْ خيولُ عليٍّ لا تقومُ لهم فقال: يا أيُّها الناسُ إن كنتُم إنما تقاتِلونَ فيَّ فواللهِ ما عِندي ما أجزيكم به وإن كنتُم إنما تُقاتِلونَ للهِ فلا يكوننَّ هذا قتالَكم قال: فأقبَلوا عليهِم فقتَلوهم كلَّهم فقال: ابتَغوه فطلَبوه فلم يجِدوه فركِب عليٌّ دابتَه وانتَهى إلى وهدةٍ منَ الأرضِ فإذا قتلى بعضُهم على بعضٍ فاستُخرِج مِن تحتِهم فجُرَّ برجلِه يَراه الناسُ قال عليٌّ: لا أغزو العامَ فرجَع إلى الكوفةِ فقُتِل واستَخلَف الناسُ الحسنَ بنَ عليٍّ فبعَث الحسنُ بالبيعةِ إلى معاويةَ وكتَب بذلك الحسنُ إلى قيسِ بنِ سعدٍ فقام قيسُ بنُ سعدٍ في أصحابِه فقال: يا أيُّها الناسُ أتاكم أمرانِ لا بد لكم مِن أحدِهما: دخولٌ في فتنةٍ أو قتلٌ مع غيرِ إمامٍ فقال الناسُ: ما هذا ؟ فقال: الحسنُ بنُ عليٍّ قد أعطى البيعةَ معاويةَ فرجَع الناسُ فبايَعوا ولم يكُنْ لمعاويةَ هَمٌّ إلا الذين بالنهروانِ فجعَلوا يتساقَطونَ عليه فيُبايِعونَه حتى بقي منهم ثلاثُمئةٍ ونيفٌ وهم أصحابُ النخيلةِ الراوي : علي بن أبي طالب المحدث : البوصيري المصدر : إتحاف الخيرة المهرة الصفحة أو الرقم: 8/47 خلاصة حكم المحدث : سنده صحيح التخريج : أخرجه إسحاق بن راهويه كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (8/47) مِنَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ التي أخبَرَ عَنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذَكَرَ بَعضَ صِفاتِهم، وحَذَّرَ مِنهم: فِرقةُ الخَوارِجِ، الذينَ يُكَفِّرونَ أهلَ الإسلامِ بالمَعاصي ويَستَحِلُّونَ دِماءَهم، ويَخرُجونَ على أئِمَّةِ المُسلِمينَ ويُقاتِلونَهم، وقد خَرَجوا في عَهدِ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقاتَلَهم عليٌّ في مَعرَكةِ النَّهروانِ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: أتَيتُ أبا وائِلٍ، وهو شَقيقُ بنُ سَلَمةَ أحَدُ كِبارِ التَّابِعينَ، وهو في مَسجِدِ حَيِّه، أي: أنَّه جاءَ المَسجِدَ الذي يُصَلِّي فيه أبو وائِلٍ في الحَيِّ، فاعتَزَلنا في ناحيةِ المَسجِدِ، أي: اعتَزَلَ أبو وائِلٍ النَّاسَ في ناحيةٍ مِن نَواحي المَسجِدِ، فذَهَبَ إليه حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ، وقال له: ألَا تُخبِرُني عن هؤلاء القَومِ الذينَ قَتَلَهم عليٌّ، أي: يَقصِدُ الخَوارِجَ، فيمَ فارَقوه؟ وفيمَ استَجابوا له حينَ دَعاهم؟ وحينَ فارَقوه واستَحَلَّ قِتالَهم؟ أي: أخبِرْني عن حالِهم حينَ تَرَكوا عَليًّا وفارَقوه، وحينَ عادوا إليه وسَمِعوا له عِندَما دَعاهم، وكذلك حينَ فارَقوه مَرَّةً أُخرى واستَباحَ عليٌّ قِتالَهم وقَتَلَهم.

فقال أبو وائِلٍ: لمَّا كُنَّا بصِفِّينَ، وهو مَكانٌ بالقُربِ مِنَ الفُراتِ، شَرقيَّ بلادِ الشَّامِ، وقَعَت فيه مَعرَكةٌ بَينَ عَليٍّ ومُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنهما نِهايةَ سَنةِ 36 وبِدايةَ سَنةِ 37 للهجرةِ، استَحَرَّ، أي: اشتَدَّ وكَثُرَ القَتلُ في أهلِ الشَّامِ، أي: جَيشِ مُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنه.

فذَكَرَ قِصَّةً، أي: ذَكَرَ أبو وائِلٍ قِصَّةَ ما حَصَلَ في مَعرَكةِ صَفِّينَ وطَلَبِ مُعاويةَ للتَّحكيمِ، وأنَّ الخَوارِجَ لَم يُعجِبْهم ما فعَلَه عليٌّ؛ ففي رِوايةٍ مُبَيِّنةٍ جاءَ فيها: إنَّه لمَّا استَحَرَّ القَتلُ في أهلِ الشَّامِ بصِفِّينَ اعتَصَمَ مُعاويةُ وأصحابُه بجَبَلٍ، فقال عَمرُو بنُ العاصِ لمُعاويةَ: أرسِلْ إلى عليٍّ بالمُصحَفِ، فلا واللهِ لا يَرُدُّه عليك، فجاءَ به رَجُلٌ يَحمِلُه يُنادي: بَينَنا وبَينَكُم كِتابُ اللهِ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] ، فقال عليٌّ: نَعَمْ، بَينَنا وبَينَكُم كِتابُ اللهِ، أنا أَولى به مِنكُم، فجاءَتِ الخَوارِجُ بأسيافِهم على عَواتِقِهم فقالوا: يا أميرَ المُؤمِنينَ، لا نَمشي إلى هؤلاء القَومِ حتَّى يَحكُمَ اللهُ بَينَنا وبَينَهم، فقَبِلَ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه القَضيَّةَ ورَجَعَ إلى الكوفةِ، وقال فيه الخَوارِجُ ما قالوا، أي: مِن كَونِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه حَكَّمَ الرِّجالَ في كِتابِ اللهِ بما جَرى مِنه مِنَ الصُّلحِ بَينَه وبَينَ مُعاويةَ، ونَزَلوا بحَروراءَ، وهيَ قَريةٌ بقُربِ الكوفةِ تَجمَّع فيها الخَوارِجُ، وهم بضعةَ عَشَرَ ألفًا.

البِضعُ: ما بَين الثَّلاثِ إلى التِّسعِ، أي: أنَّ عَدَدَهم يَزيدُ على عَشَرةِ آلافِ رَجُلٍ، فأرسَلَ عليٌّ إليهم يُناشِدُهمُ اللَّهَ، أي: يَدعوهم ويُنادي فيهم أنِ ارجِعوا إلى خَليفتِكُم، أي: عليكُم بالرُّجوعِ إلى إمامِ المُسلِمينَ وجَماعةِ المُسلِمينَ ولا تَشُقُّوا عَصا الطَّاعةِ.

فيمَ نَقَمتُم عليه؟ أي: ماذا تَعيبونَ وتَعتِبونَ على خَليفتِكُم، يَعني نَفسَه؛ أفي قِسمةٍ، أي: هَل كان خُروجُكُم على الخَليفةِ بسَبَبِ أنَّه لَم يُعطِكُم مِنَ القِسمةِ والأموالِ، أو قَضاءٍ، أي: أم كان خُروجُكُم عليه بسَبَبِ حُكمٍ قَضى به.

فقال الخَوارِجُ: نَخافُ أن نَدخُلَ في فِتنةٍ، أي: أنَّنا خَرَجنا مِن عِندِك خَشيةَ أن نَدخُلَ في الفِتَنِ.

فقال عليٌّ: فلا تَعجَلوا ضَلالةَ العامِ مَخافةَ فِتنةِ عامٍ قابِلٍ، أي: لا تُقَدِّموا فِتنةَ وضَلالَ هذا العامِ خَوفًا مِن أن يُصيبَكُم فِتنةُ العامِ القادِمِ.

فلَمَّا قال لهم عليٌّ ذلك رَجَعوا إليه وقالوا: نَكونُ على ناحيَتِنا، أي: مُنحازينَ في جِهةٍ مُعيَّنةٍ عن بَقيَّةِ أصحابِ عليٍّ، فإن قَبِلَ القَضيَّةَ، وهيَ قَضيَّةُ التَّحكيمِ في كِتابِ اللهِ والصُّلحِ بَينَه وبَينَ مُعاويةَ، قاتَلناه على ما قاتَلنا عليه أهلَ الشَّامِ بصِفِّينَ، أي: إن قَبِل عليٌّ بقَضيَّةِ التَّحكيمِ فسَوف نُقاتِلُه كما قاتَلنا أصحابَ مُعاويةَ الذينَ في الشَّامِ في مَعرَكةِ صِفِّينَ، وإن نَقَضَها، أي: إن نَقَضَ عليٌّ الصُّلحَ والتَّحكيمَ الذي جَرى بَينَه وبَينَ مُعاويةَ، قاتَلنا مَعَه، أي: فسَوف نُقاتِلُ مَعَه حينَئِذٍ.

فسارَ الخَوارِجُ حتَّى قَطَعوا، أي: تَجاوَزوا نَهروانَ، وهيَ بَلدةٌ واسِعةٌ بَينَ بَغدادَ وواسِطٍ، ثُمَّ إنَّه افتَرَقَت مِنهم، أي: مِنَ الخَوارِجِ فِرقةٌ، وجَعَلوا يَقتُلونَ النَّاسَ.

فقال أصحابُهم: ما على هذا فارَقنا عَليًّا، أي: أنَّنا لَم نَترُكْ عَليًّا لأجلِ أن نَقتُلَ النَّاسَ، فلمَّا بَلَغَ عَليًّا صَنيعُهم، أي: وصَلَ إلى عليٍّ أنَّهم قد قَتَلوا النَّاسَ، قامَ فقال لمَن مَعَهم مِن أصحابِه: أتَسيرونَ إلى عَدوِّكُم، أي: أهلِ الشَّامِ، أو تَرجِعونَ إلى هؤلاء، أي: الخَوارِجِ الذينَ خَلَفوكُم، أي: بَقُوا وقَعَدوا في ديارِكُم، يَقتُلونَ النَّاسَ.

فقال أصحابُ عليٍّ: بَل نَرجِعُ إليهم، أي: سَوف نَرجِعُ إلى الخَوارِجِ ونُقاتِلُهم.

ثُمَّ حَدَّثَهم عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ طائِفةً، وهيَ الخَوارِجُ، تَخرُجُ مِن قِبَلِ المَشرِقِ، أي: مِن جِهةِ الشَّرقِ، عِندَ اختِلافٍ مِنَ النَّاسِ.

وذلك كان عِندَ اختِلافِ مُعاويةَ وعَليٍّ، لا تَرَونَ جِهادَكُم مَعَ جِهادِهم شَيئًا، أي: إذا قارَنتُم جِهادَكُم وتَضحيَتَكُم أمامَ جِهادِ وتَضحيةِ الخَوارِجِ فإنَّكُم سَوف تَحقِرونَ جِهادَكُم، وذلك لشِدَّةِ الخَوارِجِ، ولا صَلاتَكُم مَعَ صَلاتِهم شَيئًا، ولا صيامَكُم مَعَ صيامِهم شَيئًا، أي: حتَّى عِبادَتُكُم مِن صَلاةٍ وصيامٍ وغَيرِها مِنَ الأعمالِ ليست بشَيءٍ أمامَ اجتِهادِ وغُلوِّ الخَوارِجِ في عِبادَتِهم، يَمرُقونَ أي: يَخرُجونَ مِنَ الدِّينِ، أي: الإسلامِ، كما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّميَّةِ، أي: السَّهمُ الصَّغيرُ مِنَ الرَّميَّةِ.

وهو الصَّيدُ المَرميُّ، شَبَّه مُروقَهم مِنَ الدِّينِ بالسَّهمِ الذي يُصيبُ الصَّيدَ فيَدخُلُ فيه ويَخرُجُ مِنه، ومِن شِدَّةِ سُرعةِ خُروجِه لقوَّةِ الرَّامي لا يَعلَقُ مِن جَسَدِ الصَّيدِ شَيءٌ، عَلامَتُهم، أي: أوصافُهم: رَجُلٌ عَضُدُه -والعَضُدُ: ما بَينَ الكَتِفِ والمِرفَقِ- كَثَديِ المَرأةِ، أي: أنَّ عَضُدَ هذا الرَّجُلِ مِنهم يُشبِهُ ثَديَ المَرأةِ، يَقتُلُهم أقرَبُ الطَّائِفتَينِ مِنَ الحَقِّ، أي: طائِفةُ عليٍّ أو مُعاويةَ، فمَن سَيُقاتِلُ الخَوارِجَ فهو أقرَبُ الطَّائِفتَينِ للحَقِّ، فسارَ عليٌّ إليهم، أي: مَشى عليٌّ ومن مَعَه إلى الخَوارِجِ حتَّى يَقتُلَهم، فاقتَتَلوا قِتالًا شَديدًا، حتَّى إنَّ خُيولَ عليٍّ لا تَقومُ لهم، أي: لا تستَطيعُ مواصَلةَ القِتالِ والصَّبرَ على قِتالِ الخَوارِجِ؛ وذلك لشِدَّةِ الخَوارِجِ، فقال عليٌّ يُخاطِبُ أصحابَه: يا أيُّها النَّاسُ، إن كُنتُم إنَّما تُقاتِلونَ فيَّ، أي: مِن أجلي، فواللهِ ما عِندي ما أجزيكُم به، أي: فإنَّه ليس عِندي مِنَ المالِ ما أُعطيكُم، وإن كُنتُم إنَّما تُقاتِلونَ للهِ فلا يَكونَنَّ هذا قِتالَكُم، أي: وإن كُنتُم تُقاتِلونَ لأجلِ اللهِ تعالى فلا يَنبَغي أن يَكونَ هذا الضَّعفُ مِنكُم، بَلِ الأولى أن تَقوَوا على القِتالِ.

فأقبَلوا عليهم فقَتَلوهم كُلَّهم، أي: لمَّا سَمِعَ أصحابُ عليٍّ كَلامَه أقبَلوا على قِتالِ الخَوارِجِ قِتالًا شَديدًا حتَّى قَتَلوهم جَميعًا وانتَصَروا عليهم.

فقال عليٌّ: ابتَغُوه، أي: اطلُبوا وابحَثوا عنِ الرَّجُلِ الذي عَضُدُه مِثلُ ثَديِ المَرأةِ، فطَلَبوه فلَم يَجِدوه، أي: بَحَثوا عنه فلَم يَجِدوه في القَتلى.

فرَكِب عليٌّ دابَّتَه وانتَهى إلى وَهدةٍ، وهيَ المَكانُ المُنخَفِضُ مِنَ الأرضِ، فإذا قَتلى بَعضُهم على بَعضٍ، أي: فوجَدَ مَجموعةً مِنَ القَتلى فوقَ بَعضٍ، فاستَخرَجَ مِن تَحتِهم، أي: استَخرَجَ عليٌّ الرَّجُلَ الذي عَضُدُه مِثلَ ثَديِ المَرأةِ مِن هذا المَكانِ، فجَرَّ برِجلِه يَراه النَّاسُ، أي: جَعَلَ يَسحَبُه مِن رِجلِه حتَّى يَراه النَّاسُ ويُصَدِّقوا ما قاله رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أنَّ في الخَوارِجِ رَجُلًا بهذه الصِّفةِ.

ثُمَّ قال عليٌّ: لا أغزو العامَ، أي: سَأكتَفي هذا العامَ بقِتالِ الخَوارِجِ ولَن أغزوَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الكوفةِ وهيَ مِنَ العِراقِ، وكانت مَقَرَّ إقامَتِه وحُكمِه، فقُتِلَ، أي: قُتِل عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه عِندَما رَجَعَ إلى الكوفةِ، قَتَلَه الخَوارِجُ وهو يُصَلِّي صَلاةَ الفجرِ سَنةَ أربَعينَ مِنَ الهجرةِ، قَتَلَه عَبدُ الرَّحمنِ بنُ مُلجِمٍ، واستَخلَف النَّاسُ الحَسَنَ بنَ عَليٍّ، أي: نَصَبَ النَّاسُ خَليفةً بَعدَ عليٍّ ابنَه الحَسَنَ رَضِيَ اللهُ عنهما، فبَعَثَ الحَسَنُ بالبَيعةِ إلى مُعاويةَ، أي: أنَّ الحَسَنَ تَنازَلَ بالخِلافةِ والبَيعةِ لمُعاويةَ حَقنًا لدِماءِ المُسلِمينَ مِنَ الاقتِتالِ، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ذلك، فقال عنِ الحَسَنِ: إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، وسَيُصلِحُ اللهُ به بَينَ طائِفتَينِ مِنَ المُسلِمينَ.

وكَتَبَ بذلك الحَسَنُ إلى قَيسِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، أي: كَتَبَ إليه أنِّي قد تَنازَلتُ عن الخِلافةِ لمُعاويةَ، فقامَ قَيسُ بنُ سَعدٍ في أصحابِه، فقال لهم: يا أيُّها النَّاسُ، أتاكُم أمرانِ لا بُدَّ لَكُم مِن أحَدِهما، أي: لا بُدَّ أن تَختاروا أحَدَهما: دُخولٌ في فِتنةٍ، أي: لَعَلَّه يَقصِدُ بكَونِكُم تَبقَونَ بدونِ مُبايَعةِ أحَدٍ، أو قَتلٍ مَعَ غَيرِ إمامٍ، أي: بأن تَقتُلوا أصحابَ مُعاويةَ وليس مَعَكُم إمامٌ تَرجِعونَ إليه؛ لأنَّ الحَسَنَ قد تَنازَلَ لمُعاويةَ.

فقال النَّاسُ: ما هذا؟ أي: ما الخَبَرُ وما المَقصودُ.

فقال قَيسٌ: الحَسَنُ بنُ عَليٍّ قد أعطى البَيعةَ مُعاويةَ، أي: إنَّ الحَسَنَ قد بايَعَ مُعاويةَ.

فرَجَعَ النَّاسُ فبايَعوا، أي: عِندَ ذلك بايَعَ النَّاسُ مُعاويةَ عِندَما رَأوا أنَّ الحَسَنَ قد تَنازَلَ عن الخِلافةِ وبايَعَ مُعاويةَ.

ولَم يَكُنْ لمُعاويةَ همٌّ إلَّا الذينَ بالنَّهروانِ، أي: كان هَمُّه الخَوارِجَ الذينَ بالنَّهروانِ هَل سَيُبايِعونَه أو سَيُقاتِلونَه؛ وذلك لأنَّ جَميعَ البُلدانِ قد سَلَّمَت لمُعاويةَ بالحُكمِ.

فجَعَلوا يَتَساقَطونَ عليه فيُبايِعونَه، أي: ذَهَبَ أصحابُ النَّهروانِ إلى مُعاويةَ وبايَعوه، حتَّى بَقيَ مِنهم ثلاثُمائةٍ ونَيِّفٌ، وهم أصحابُ النُّخَيلةِ، أي: بَقيَ مِنهم هذا العَدَدُ فقَط، والنَّيِّفُ هو الزَّائِدُ على غَيرِه، والزَّائِدُ على العَقدِ مِن واحِدٍ إلى ثَلاثةٍ.

وفي الحَديثِ بَيانُ مَبدَأِ خُروجِ الخَوارِجِ على عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه فِقهُ وحِكمةُ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه في حِوارِه مَعَ الخَوارِجِ.

وفيه بَيانُ بَعضِ صِفاتِ الخَوارِجِ.

وفيه بَيانُ ضَلالِ الخَوارِجِ.

وفيه عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ.

وفيه بَيانُ أنَّ عَليًّا رَضِيَ اللهُ عنه وأصحابَه كانوا هم أقرَبَ الطَّائِفتَينِ للحَقِّ.

وفيه فَضلُ الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عنه في تَنازُلِه عنِ الخِلافةِ.

وفيه اتِّفاقُ النَّاسِ على مُبايَعةِ مُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنه .

أحاديث ذات صلة