أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: يا عُمَرُ، اجْمَعْ لي قَومَكَ.

فجَمَعَهم، ثمَّ دخَلَ عليهِ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، قدْ جمَعْتُهم، فيَدْخُلونَ عليْكَ أمْ تَخْرُجُ إليهم؟ فقال: بَلْ أخْرُجُ إليْهم، فسَمِعَتْ بذلكَ المُهاجِرونَ والأنصارُ فقالوا: لقَدْ جاءَ في قُرَيشٍ وَحْيٌ، فحَضَرَ النَّاظِرُ والمُسْتمِعُ ما يُقالُ لهُم، فقامَ بيْن أظْهُرِهم، فقال: هلْ فيكُم غَيْرُكم؟ قالوا: نعمْ؛ فِينا حُلَفاؤُنا وأبناءُ إخوانِنا ومَوالينا، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: حُلَفاؤُنا مِنَّا، ومَوالينا مِنَّا، ثمَّ قالَ: ألسْتُمْ تسْمَعونَ أوْلِيائي منْكُم المتَّقُونَ؟ فإنْ كُنْتُم أولئكَ فذلِكَ، وإلَّا فأبْصِرُوا، ثمَّ أبْصِرُوا، لا يَأتِيَنَّ النَّاسُ بالأعمالِ، وتأْتُونَ بالأَثْقالِ، فيُعْرَضَ عنكُم، ثمَّ نادى فرَفَعَ صَوْتَه، فقال: إنَّ قُرَيشًا أهْلُ أمانةٍ، مَن بَغاهُم العَواثِرَ كَبَّهُ اللهُ لِمِنْخَرِه.

قالَها ثَلاثًا.

الدلالات الموضوعية:# مناقب وفضائل - فضل قريش# رقائق وزهد - تقوى الله# رقائق وزهد - الإيجاز في الموعظة# رقائق وزهد - الترهيب من مساوئ الأعمال# صدقة - مولى القوم منهم ويعامل معاملتهم في الصدقات
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: رفاعة بن رافع الزرقي
المحدث: الحاكم
الحكم:صحيح الإسناد

الشرح والتوضيح

اجمعْ لي قومَك فجمعَهم ، فلما حضروا بابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه و سلَّمَ دخل عليه عمرُ فقال : قد جمعتُ لك قومي ، فسمع ذلك الأنصارُ ، فقالوا : قد نزل في قريش الوحيُ ، فجاء المستمعُ و الناظرُ ما يقال لهم ، فخرج فقام بين أظهُرِهم فقال : هل فيكم من غيرِكم ؟ قالوا : نعم ؛ فينا حليفُنا و ابنُ أختِنا و موالينا ، قال : حليفُنا منا ، و ابنُ أختِنا منا ، و موالينا منا ، و أنتم تسمعون : إنَّ أوليائي منكم المتقون ؛ فإن كنتُم فذاك ، و إلا فانظُروا ، لا يأتي الناسُ بالأعمالِ يومَ القيامةِ و تأتون بالأثقالِ ، فيُعرِضُ عنكم ثم نادى فقال : يا أيها الناسُ ! و رفع يدَه يضعُها على رؤوسِ قريشٍ أيها الناسُ ! إنَّ قريشًا أهلُ أمانةٍ ، من بغى بهم قال زهير : أظنه قال : العواثرُ كبَّه اللهُ لمنخَرَيه يقول ذلك ثلاثَ مراتٍ الراوي : رفاعة بن رافع المحدث : الألباني المصدر : صحيح الأدب المفرد الصفحة أو الرقم: 55 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (75) خَلَق اللهُ تعالى النَّاسَ وجَعَلَهم سَواسيةً، ولَم يَجعَلْ لأحَدِهم فضلًا على أحَدٍ بشَيءٍ، سَواءٌ بالمالِ أوِ المَنصِبِ أوِ الحَسَبِ والنَّسَبِ، وإنَّما جَعَلَ سُبحانَه مِعيارَ التَّفاضُلِ عِندَه هو الإيمانَ والتَّقوى والعَمَلَ الصَّالِحَ، وقد يَكونُ لبَعضِ القَبائِلِ فضائِلُ مُيِّزوا بها على غَيرِهم، لَكِن عليهم ألَّا يَركَنوا لذلك على حِسابِ العَمَلِ الصَّالِحِ؛ ولِهذا لمَّا كانت قُرَيشٌ مِن خيرةِ قَبائِلِ العَرَبِ أرادَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُبَيِّنَ لهم أنَّ ذلك لا يَنفعُهم بدونِ عَمَلٍ، ثُمَّ أخبَرَ بما لهم مِنَ الفضائِلِ، يَقولُ رِفاعةُ بنُ رافِعٍ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه: اجمَعْ لي قَومَك، أي: مِمَّن كان مِن قُرَيشٍ، فذَهَبَ عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه فجَمَعَهم، فلَمَّا حَضَروا بابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: اجتَمَعوا كُلُّهم عِندَ بابِ بَيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، دَخَل عُمَرُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال له: قد جَمَعتُ لَك قَومي، أي: أنَّهم يا رَسولَ اللهِ قدِ اجتَمَعوا، وهمُ الآنَ عِندَ البابِ.

فسَمِعَ ذلك الأنصارُ، أي: سَمِعوا أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَمَعَ قُرَيشًا.

فقالوا: قد نَزَلَ في قُرَيشٍ الوَحيُ، أي: ما جَمَعَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا لكَونِه نَزَل فيهم وَحيٌ مِنَ السَّماءِ، فجاءَ المُستَمِعُ والنَّاظِرُ ما يُقالُ لهم، أي: جاءَ بَعضُ الأنصارِ حتَّى يَنظُرَ ويَستَمِعَ ما نَزَل أو ما سَيَقولُه لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فقامَ بَين أظهُرِهم، أي: بَينَ القَومِ وأمامَهم، وقال لهم: هَل فيكم مِن غَيرِكُم؟ أي: هَل يوجَدُ أحَدٌ مِن غَيرِ قُرَيشٍ؟ فقالوا: نَعَم؛ فينا حَليفُنا.

أصلُ الحِلفِ: المُعاقَدةُ والمُعاهَدةُ، أي: مَن أصبَحَ مِنَّا بسَبَبِ مُعاهَدَتِه لَنا، وابنُ أختِنا، أي: أنَّ نَسَبَه لأبيه لَكِنَّ أمَّه مِن قُرَيشٍ، ومَوالينا، أي: عَبيدُنا الذينَ أعتَقناهم فأصبَحَ ولاؤُهم لَنا.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: حَليفُنا مِنَّا، أي: مَن حالَف قَومًا فهو مِنهم، وابنُ أختِنا مِنَّا، أي: ابنُ أختِ القَومِ يَكونُ مِنهم، ومَوالينا مِنَّا، أي: لكَونِ وَلائِهم لَنا.

ثُمَّ قال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يُخاطِبُهم: وأنتُم تَسمَعونَ، أي: أنتُمُ الآنَ تَسمَعونَ كَلامي فاعلَموا: إنَّ أوليائي، أي: نَصيري وقَريبي مِنكُمُ المُتَّقونَ، أي: مَن كان مِن أهلِ التَّقوى.

والمَعنى: أنِّي لا أوالي أحَدًا بالقَرابةِ، وإنَّما بالتَّقوى والعَمَلِ الصَّالِحِ، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} [الحجرات: 13] ، فإن كُنتُم فذاكَ، أي: إذا كُنتُم أنتُم مِن أهلِ التَّقوى فأنتُم أوليائي، وإلَّا فانظُروا، أي: وإذا لم تَكونوا مِن أهلِ التَّقوى فانظُروا العاقِبةَ ما تَكونُ، لا يَأتي النَّاسُ بالأعمالِ يَومَ القيامةِ وتَأتونَ بالأثقالِ، أي: يَأتي النَّاسُ يَومَ القيامةِ ومَعَهمُ الأعمالُ الصَّالِحةُ، وأنتُم رَكَنتُم على نَسَبِكُم مِنِّي وخُضتُم في الذُّنوبِ والمَعاصي حتَّى أتَيتُم يَومَ القيامةِ وأنتُم مُحَمَّلونَ بأثقالِ الذُّنوبِ، فيُعرَضُ عنكُم، أي: لا يُلتَفَتُ إلى نَسَبِكُم.

ثُمَّ نادى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فقال: يا أيُّها النَّاسُ، ورَفعَ يَده يَضَعُها على رؤوسِ قُرَيشٍ، أيُّها النَّاسُ.

وإنَّما فَعَل ذلك صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يُبَيِّنَ للنَّاسِ مَنزِلةَ ومَكانةَ قُرَيشٍ فلا يَعتَدوا عليهم، إنَّ قُرَيشًا أهلُ أمانةٍ، أي: أنَّهم يُؤتَمَنونَ للتَّقدُّمِ والإمامةِ، ويُحتَمَلُ أنَّه يُريدُ أنَّ تَوقيرَهم ومَحَبَّتَهم لمَكانِهم مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمانةٌ ائتُمِنَ عليها النَّاسُ، ويُحتَمَلُ أن يُريدَ وَصفَهم بقوَّةِ أمانَتِهم وكمالِها، مَن بَغى بهم.

بَغَيتُ الشَّيءَ أبغيه: إذا طَلَبتَه، أي: طَلَب لهم -قال زُهَيرٌ، وهو أحَدُ الرُّواةِ: أظُنُّه قال:- العَواثِرَ، أي: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: مَن بَغى بهمُ العَواثِرَ.

جمعُ عاثِرةٍ أي: خَصلةً مِن شَأنِها العُثورُ، وهو السُّقوطُ والوُقوعُ على الوَجهِ.

كَبَّه، أي: ألقاه، اللَّهُ لمِنخَرَيه.

المِنخَرُ: الأنفُ، أي: ألقاه على وَجهِه ورَماه مُتَلَقِّيًا وَجهَ الأرضِ بمِنخَرَيه، وتَخصيصُ المِنخَرَينِ جَريًا على قَولِهم: رَغِمَ أنفُه، أي: ألقاه في الرَّغامِ، وهو التُّرابُ؛ وذلك أنَّ الإنسانَ إذا سَقَطَ على وَجهِه فأوَّلُ ما يَلقى الأرضَ أنفُه.

والمَعنى: مَن تَطلَّبَ لقُرَيشٍ المَهالِكَ والمَخاطِرَ والمكائِدَ، نَقَلَها اللَّهُ إليه وجَعَلَها له، وعَكَس عليه غَرَضَه.

يَقولُ ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ، أي: كَرَّرَها ثَلاثَ مَرَّاتٍ في الدُّعاءِ على مَن بَغى على قُرَيشٍ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَخصيصِ بَعضِ النَّاسِ بالحَديثِ دونَ غَيرِهم.

وفيه تَأكُّدُ العالِمِ مِنَ الحاضِرينَ في مَجلِسِه وهَل تَغيَّب مِنهم أحَدٌ.

وفيه أنَّ حَليفَ القَومِ وابنَ أختِهم ومَولاهم يُعَدُّ مِنهم.

وفيه عَدَمُ اعتِبارِ الأحسابِ والأنسابِ مِقياسًا عِندَ اللهِ تعالى.

وفيه أنَّ المِعيارَ الحَقيقيَّ لتَفاضُلِ النَّاسِ هو تَقوى اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وفيه فَضلُ قُرَيشٍ.

وفيه الوعيدُ الشَّديدُ لمَن تَطَلَّبَ عَثَراتِ قُرَيشٍ .

أحاديث ذات صلة