كنتُ جالسًا عند ابنِ عباسٍ فأتاه عروةُ فقال : يابنَ عباسٍ ! أرأيتَ حين تُفتي بالمتعَةِ وقد عرفتَ أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ كانا ينهيان عنها ويكرهانها ! فقال ابنُ عباسٍ : إنه كان آخرَ عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الذي فارق الناسَ عليه ، فقال عروةُ : واللهِ يابنَ عباسٍ ! لأبو بكرٍ وعمرُ كانا أعلمَ بسُنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منك .

فقال ابنُ عباسٍ : يا عُرَيَّةُ ! ما أرى العذابَ إلا سينزل عليكم ! أخبرك أنه كان آخرَ عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الذي فارق الناسَ عليه ، وتقول : كان أبو بكرٍ وعمرُ

الدلالات الموضوعية:# اعتصام بالسنة - الأمر بالتمسك بالكتاب والسنة# حج - التمتع بالحج# حج - التخيير بين التمتع والقران والإفراد وبيان أفضلها# اعتصام بالسنة - لزوم السنة# علم - الحث على الأخذ بالسنة
المصدر: البحر الزخار
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: البزار
الحكم:لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد

بيانات التخريج:

لم نقف عليه إلا عند البزار في البحر الزخار

الشرح والتوضيح

قال عروةُ لابنِ عباسٍ : ويحَك أضللتَ ؟ ! تأمرُ بالعمرةِ في العَشرِ ، وليس فيهنَّ عمرةٌ ، فقال : يا عُرَيُّ ، فسلْ أُمَّك ، قال : إنَّ أبا بكرٍ وعمرَ لم [ يقولا ] ذلك ، [ ولَهُمَا ] أعلمُ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وأتبعُ [ له ] منك ، فقال : من ههُنا ترمون ، نجيئُكم برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وتجيئون بأبي بكرٍ وعمرَ الراوي : عبدالله بن أبي مليكة المحدث : ابن حجر العسقلاني المصدر : المطالب العالية الصفحة أو الرقم: 2/58 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح، وبعضه فيما يتعلق بالعمرة في صحيح مسلم التخريج : أخرجه إسحاق بن راهويه كما في ((المطالب العالية)) (1287) بلفظه، وأحمد ()، وابن حزم في ((حجة الوداع)) (393) بنحوه.

أمرَ اللهُ تعالى باتِّباعِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وطاعَتِه فيما أمَرَ، وتَصديقِه فيما أخبَرَ، واجتِنابِ ما نَهى عنه وزَجَرَ، وطاعةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ مَوتِه بالتَّمَسُّكِ بسُنَّتِه وتَقديمِها على سُنَنِ غَيرِه مِن النَّاسِ، وطاعةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أسبابِ النَّجاةِ، ومُخالفتُه أو تَقديمُ غَيرِه عليه مِن أسبابِ العُقوبةِ.

وفي هذا الحَديثِ أنَّ عُروةَ بنَ الزُّبَيرِ قال لابنِ عبَّاسٍ: وَيحَك! وهيَ كَلِمةُ تَرَحُّمٍ وتَوجُّعٍ، تُقالُ لمَن وقَعَ في هَلكةٍ لا يَستَحِقُّها.

أضَلَلْتَ؟! أي: هَل وقَعتَ في الضَّلالِ والخَطَأِ؟ وفي رِوايةٍ أنَّه قال له: أضْلَلْتَ النَّاسَ، أي: أوقَعتَهم في الخَطَأِ، تَأمُرُ بالعُمرةِ في العَشرِ، أي: تُفتي النَّاسَ بالتَّمَتُّعِ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ، وليسَ فيهنَّ عُمرةٌ، أي: ليسَ في هذه الأيَّامِ عُمرةٌ.

ومَقصودُه أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخطَأ في إفتاءِ النَّاسِ بجَوازِ العُمرةِ في أشهرِ الحَجِّ.

فقال له ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: يا عُرَيُّ.

وهو تَصغيرُ عُروةَ، فسَلْ أُمَّك، أي: أسماءَ بنتَ أبي بَكرٍ، فهيَ كانت مِمَّن حَجَّ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَهم بالعُمرةِ؛ ولهذا في رِوايةٍ أُخرى: أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بَكرٍ قالت: صَدَقَ ابنُ عبَّاسٍ، خَرَجنا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُجَّاجًا، فأمَرنا فجَعَلناها عُمرةً، فحَلَّ لنا الحَلالُ.

فقال عُروةُ: إنَّ أبا بَكرٍ وعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما لم يَقولا ذلك، أي: احتَجَّ عُروةُ بفِعلِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ، وأنَّهما لم يَقولا بالعُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ، بَل جاءَ أنَّهما نَهَيا عنها، والظَّاهِرُ أنَّ أبا بَكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما كانا يَنهَيانِ عن العُمرةِ في الحَجِّ بقَصدِ التَّمَتُّعِ، لا لأنَّ ذلك حَرامٌ لا يَجوزُ فِعلُه، بَل لأنَّ الأكمَلَ أن يَأتيَ بالعُمرةِ في غَيرِ أشهرِ الحَجِّ؛ لتَكونَ عُمرةً مُستَقِلَّةً يَتَحَمَّلُ مَشَقَّتَها، فيَكونَ ثَوابُها أعظَمَ.

ولهما، أي: أبو بَكرٍ وعُمَرُ، أعلَمُ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأتبَعُ له مِنك، أي: أنَّ صُحبةَ أبي بَكرٍ وعُمَرَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أقدَمُ مَن صُحبَتِك يا بنَ عبَّاسٍ؛ فهما أعلمُ به مِنك، وهما مِن أشَدِّ النَّاسِ اتِّباعًا واقتِداءً برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنك، ولكِنَّ هذا ليسَ بلازِمٍ؛ فإنَّه قد يُصادِفُ الصَّغيرُ في الزَّمَنِ القَصيرِ ما لم يُصادِفِ الكَبيرُ في الزَّمَنِ الطَّويلِ.

والمَقصودُ أنَّ عُروةَ لم يَقتَنِعْ بكَلامِ ابنِ عبَّاسٍ؛ فلذلك احتَجَّ عليه بفِعلِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ.

فعِندَ ذلك قال ابنُ عبَّاسٍ لعُروةَ: مِن هَهنا تُرمَونَ! أي: مِن قَولِكُم مِثلَ هذا الكَلامِ أو مِن احتِجاجِكُم بكَلامِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ، وتَركِكُم سُنَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَوف تُرمَونَ بالحِجارةِ مِن السَّماءِ! نَجيئُكُم برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: بقَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وفِعلِه، وهو المُشَرِّعُ، والواجِبُ اتِّباعُه، وتجيئون بأبي بَكرٍ وعُمَرَ! أي: وأنتُم تَأتونَ لنا بكَلامِ مَن ليسَ قَولُه وحيًا، ولو كان مِن مِثلِ أبي بَكرٍ وعُمَرَ.

والمَعنى: أنَّه لا يَجوزُ أن تُترَكَ سُنَّةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لقَولِ أحَدٍ ورَأيِه؛ فقَولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُقدَّمٌ على قَولِ غَيرِه، وفِعلُه مُقدَّمٌ على فِعلِ غَيرِه، ولا تُعارَضُ سُنَّتُه بقَولِ أحَدٍ أو فِعلِه، كائِنًا مَن كان، وأبو بَكرٍ وعُمَرُ وإن كانا على ما وصَفَهما به عُروةُ إلَّا أنَّه لا يَنبَغي أن يُقَلَّدَ أحَدٌ في تَركِ ما ثَبَتَت به سُنَّةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ العُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ.

وفيه الرُّجوعُ لأهلِ الشَّأنِ فيما يَتَعَلَّقُ بهم، وكذلك مَن كان حاضِرًا للواقِعةِ؛ لتَقديمِ صورةٍ صحيحةٍ عن الشَّأنِ المُتَنازَعِ فيه.

وفيه أنَّ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَتى ثَبَتَت فهيَ مُقدَّمةٌ على أيِّ قَولٍ ورَأيٍ.

وفيه خُطورةُ تَقديمِ آراءِ الرِّجالِ على قَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه أنَّ تَقديمَ قَولِ مَن ليسَ قَولُه حُجَّةً على الوَحيِ مِن أسبابِ العُقوبةِ .

أحاديث ذات صلة