أنَّهُ خرجَ وقد أصابَهم وعَكٌ وهم يُصلُّونَ قُعودًا
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ العاصِ أنه قال : لما قدِمْنا المدينةَ نالنا وباءٌ من وعَكِها الشديدِ فخرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وهم يصلُّون في سُبحتِهم قعودًا فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : صلاةُ القاعدِ مثلُ نصفِ صلاةِ القائمِ الراوي : عبدالله بن عمرو المحدث : ابن عبدالبر المصدر : التمهيد الصفحة أو الرقم: 12/45 خلاصة حكم المحدث : مرسل بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الصَّلاةِ بقَولِه وفِعلِه، وقال: صَلُّوا كَما رَأيتُموني أُصَلِّي.
وقد رَوى كَثيرٌ مِنَ الصَّحابةِ صِفةَ صَلاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبَيَّنوا تَفاصيلَها كامِلةً مِنَ التَّكبيرِ حتَّى التَّسليمِ، ومِن أركانِ الصَّلاةِ القيامُ؛ فهو رُكنٌ في صَلاةِ الفريضةِ، أمَّا صَلاةُ النَّافِلةِ فللمُصَلِّي أن يُصَلِّيَ جالسًا، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّهم لمَّا قَدِموا المَدينةَ، أي: مِن مَكَّةَ، نالهم وباءٌ، وهو سُرعةُ المَوتِ وكَثرَتُه في النَّاسِ مِن وَعكِها الشَّديدِ.
والوَعكُ: شِدَّةُ الحَرِّ مِنَ المَرَضِ، ولا يَكونُ إلَّا مِنَ الحُمَّى دونَ سائِرِ الأمراضِ، أي: حَصَل لهم مَرَضٌ بسَبَبِ الوباءِ الذي كان في المَدينةِ، أو أنَّ الجَوَّ تَغَيَّرَ عليهم، فلم يَكونوا يَستَطيعونَ الصَّلاةَ قيامًا، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليهم وهم يُصَلُّونَ في سُبحَتِهم -السُّبحةُ: النَّافِلةُ، أي: صَلاة النَّافِلةِ- قُعودًا.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: صَلاةُ القاعِدِ مِثلُ نِصفِ صَلاةِ القائِمِ، أي: أنَّ مَن صَلَّى في النَّافِلةِ وهو قاعِدٌ فأجرُه يَكونُ على النِّصفِ مِن أجرِ مَن صَلَّى قائمًا، وإنَّما قال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك تَنشيطًا لهم على القيامِ ونَدبًا لهم إلى فَضلِه وتَذكيرًا لهم لئَلَّا يجتَزِئوا بالقُعودِ مَعَ القُدرةِ على القيامِ لِما فيهم مِن ألمِ الوَعكِ وشِدَّةِ المَرَضِ، وهذا الأمرُ إنَّما يَكونُ في صَلاةِ النَّافِلةِ، أمَّا الفريضةُ فلم يَختَلفِ العُلماءُ أنَّه لا يَجوزُ لأحَدٍ -مُنفرِدًا أو إمامًا- أن يُصَلِّيَ قاعِدًا في فريضَتِه التي كَتَبَها اللهُ عليه، وهو قادِرٌ على القيامِ فيها، وأنَّ مَن فَعَل ذلك فليسَ له صَلاةٌ، وعليه إعادةُ ما صَلَّى جالسًا.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ صَلاةِ النَّافِلةِ قاعدًا.
وفيه أنَّ ثَوابَ مَن صَلَّى قاعِدًا على نِصفِ ثَوابِ وأجرِ مَن صَلَّى قائمًا .