انطلقتُ معَ أبي وأنا غُلامٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ فقالَ أبي إنِّي رجلٌ طبيبٌ فأرني هذهِ السَّلْعةَ الَّتي بظهرِكَ قالَ وما تصنَعُ بها قالَ أقطعُها قالَ لستَ بطبيبٍ ولكنَّكَ رفيقٌ طبيبُها الَّذي وضعَها وقالَ غيرُهُ الَّذي خلقَها

الدلالات الموضوعية:# آداب الكلام - ما يجتنب من الكلام# طب - إباحة التداوي وتركه# رقائق وزهد - التوكل واليقين
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: أبو رمثة
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح ، رجاله رجال الصحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (7110)، وابن أبي شيبة (23889) باختلاف يسير، وابن الأعرابي في ((معجمه)) (819) بنحوه.

الشرح والتوضيح

انطَلَقتُ مع أبي نحوَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فلمَّا رأَيتُه قال لي أبي: هل تَدْري مَن هذا؟ قلتُ: لا.

فقال لي أبي: هذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فاقشَعْرَرتُ حينَ قال ذاكَ، وكنتُ أظُنُّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ شيئًا لا يُشبِهُ الناسَ، فإذا بشَرٌ له وَفْرةٌ -قال عَفَّانُ في حديثِه: ذو وَفْرةٍ- وبها رَدْعٌ مِن حِنَّاءٍ، عليه ثَوْبانِ أَخْضرانِ، فسلَّمَ عليه أبي، ثمَّ جلَسْنا وتحدَّثْنا ساعةً.

ثمَّ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ قال لأبي: ابنُكَ هذا؟ قال: إي وربِّ الكَعْبةِ، فتبَسَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ ضاحكًا مِن ثبَتِ شَبَهي بأبي، ومِن حلِفِ أبي عليَّ، ثمَّ قال: أمَا إنَّه لا يَجْني عليكَ، ولا تَجْني عليه.

قال: وقرَأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 6] ، ثمَّ نظَرَ إلى مِثلِ السِّلْعةِ بينَ كَتِفَيْه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي لأَطَبُّ الرِّجالِ، ألَا أُعالِجُها لكَ؟ قال: لا، طَبيبُها الذي خلَقَها.

الراوي : أبو رمثة المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 1226 خلاصة حكم المحدث : صحيح ، رجاله رجال الصحيح التخريج : أخرجه أبو داود (4495)، وأحمد (7019)، والدارمي (2434) واللفظ لهم.

كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وأحسَنَهم تَعامُلًا مَعَ أصحابِه، وكان لا يَتَمَيَّزُ عليهم بمَظهَرِه أبَدًا، بَل كان واحِدًا مِنهم، حتَّى إنَّ الغَريبَ إذا قَدِمَ إلى المَدينةِ لم يكنْ يَعرِفُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بَينِ أصحابِه؛ لتَواضُعِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكَونِه واحِدًا مِنهم، وكان بَعضُ النَّاسِ يَظُنُّ أنَّ رَسولَ اللهِ مُختَلِفٌ عَن بَقيَّةِ البَشَرِ.

وفي هذا الحَديثِ يَقولُ أبو رِمثةَ رَضِيَ اللهُ عنه: انطَلقتُ مَعَ أبي نَحوَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: خَرَجنا قاصِدَينِ السَّفَرَ واللِّقاءَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا رَأيتُه، أي: لمَّا رَأى أبو رِمثةَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال له أبوه: هَل تَدري مَن هذا؟ أي: أتعرِفُ مَن هذا الرَّجُلُ؟ فقال أبو رِمثةَ: لا.

فقال له أبوه: هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

يَقولُ أبو رِمثةَ: فاقشَعْرَرتُ حينَ قال ذاكَ! أي: شَعَرتُ برَعشةٍ واضطِرابٍ لمَّا عَلِمتُ أنَّ هذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمَعنى: أنَّه أخَذَته الرِّعدةُ هَيبةً لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَما صَرَّحَ بذلك في رِوايةٍ أُخرى.

وكُنتُ أظُنُّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيئًا لا يُشبِهُ النَّاسَ! أي: كان يَتَصَوَّرُ أنَّ الرَّسولَ ليسَ مِن جِنسِ البَشَرِ، وإنَّما هو مُختَلِفٌ عَنهم، فإذا بَشَرٌ، أي: إنسانٌ مِن جِنسِ بَني آدَمَ، له وَفرةٌ.

وهيَ شَعرُ الرَّأسِ إذا وصَل إلى شَحمةِ الأُذُنِ، أي: كان لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَعرٌ كَثيفٌ يَصِلُ إلى أُذُنَيه، قال عَفَّانُ -وهو أحَدُ رواةِ الحَديثِ- في حَديثِه، أي: في رِوايَتِه لهذا الحَديثِ: ذو وَفرةٍ، أي: بَدَلَ: له وَفرةٌ، وبها رَدْعٌ مِن حِنَّاء، أي: مُلطَّخةٌ ومَصبوغةٌ بقَليلٍ مِنَ الحِنَّاءِ، عليه ثَوبانِ أخضَرانِ، أي: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَلبَسُ ثَوبَينِ -رِداءٌ وإزارٌ- لونُهما أخضَرُ، فسَلَّمَ عليه أبي، أي: سَلَّم والِدُ أبي رِمثةَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحَيَّاه بتَحيَّةِ الإسلامِ.

ثُمَّ جَلَسنا وتَحَدَّثنا ساعةً، أي: جَلسا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ يَتَحَدَّثانِ، ثُمَّ إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لأبي: ابنُك هذا؟ أي: هَل هذا الوَلَدُ وَلَدُك؟ يَقصِدُ به أبا رِمثةَ.

فقال أبي: إي ورَبِّ الكَعبةِ! أي: نَعَم، هو ابني، وأقسَمَ على ذلك للتَّأكيدِ.

فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضاحِكًا، أي: شارِعًا في الضَّحِكِ، مِن ثَبَتِ شَبَهي بأبي، أي: مِن شِدَّةِ الشَّبَهِ بَيني وبَينَ أبي، ومِن حَلِفِ أبي عَلَيَّ، أي: ومِن حَلِفِ أبي على أنِّي ابنُه.

والمَقصودُ أنَّ شَبَهَه بأبيه كان واضِحًا، فلا يَحتاجُ ذلك للقَسَمِ، ومَعَ ذلك أقسَمَ والِدُه؛ فلذلك تَبَسَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لوالدِ أبي رِمثةَ: أمَا إنَّه لا يَجني عليك، أي: لا تُؤخَذُ بجِنايَتِه وتُعاقَبُ بذَنبِه، ولا تَجني عليه، أي: لا يُؤخَذُ بجِنايَتِك ولا يُعاقَبُ بذَنبِك، فلا يُعاقَبُ أحَدٌ بذَنبِ وجَريمةِ غَيرِه؛ فإنَّ عُقوبةَ كُلِّ جِنايةٍ ومَظلَمةٍ على مُرتَكِبها، لا يَحمِلُها عَنه غَيرُه.

ثُمَّ قَرَأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: تَلا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الآيةَ استِشهادًا، قَولَه تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ، أي: لا تَحمِلُ نَفسٌ ذَنبَ وإثمَ نَفسٍ أُخرى.

يَقولُ أبو رِمثةَ: ثُمَّ نَظَرَ أبي إلى مِثلِ السِّلعةِ -وهيَ غُدَّةٌ تَظهَرُ بَينَ الجِلدِ واللَّحمِ، إذا غُمِزَت باليَدِ تَحَرَّكَت، تَكونُ مِثلَ بَيضةِ الحَمامةِ، وقيل: زيادةٌ تَحدُثُ في الجَسَدِ كالغُدَّةِ، تَكونُ مِن قَدرِ الحِمَّصةِ إلى قَدرِ البِطِّيخةِ- بَينَ كَتِفَيه، أي: كَتِفَي رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فظَنَّ أنَّ خاتَمَ النُّبوَّةِ الذي بظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتَعَلِّقًا بمَرَضٍ.

فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي لأطَبُّ الرِّجالِ، أي: عارِفٌ بالطِّبِّ ومُعالجةِ الأمراضِ.

ألَا أُعالِجُها لك؟ أي: فهَل أُعالجُ هذه السِّلعةَ التي فيك حتَّى تَذهَبَ.

فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، أي: دَعْها كَما هيَ، طَبيبُها الذي خَلَقَها، أي: يُعالجُها الذي خَلقَها، وهو اللهُ تعالى؛ فهو الشَّافي والمُعافي سُبحانَه.

وفي الحَديثِ ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ التَّواضُعِ.

وفيه بَيانُ صِفةِ شَعرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه مَشروعيَّةُ صَبغِ الشَّعرِ بالحِنَّاءِ.

وفيه مَشروعيَّةُ لُبسِ الثَّوبِ الأخضَرِ.

وفيه مَشروعيَّةُ التَّبَسُّمِ والضَّحِكِ عِندَ حُصولِ ما يَدعو لذلك.

وفيه مَشروعيَّةُ الحَلِفِ مِن غَيرِ استِحلافٍ.

وفيه مَشروعيَّةُ الحَلِفِ بقَولِ: ورَبِّ الكَعبةِ.

وفيه أنَّ الشَّخصَ لا يَتَحَمَّلُ وِزرَ وذَنبَ غَيرِه.

وفيه مَشروعيَّةُ تَأكيدِ الأحاديثِ بآياتِ القُرآنِ.

وفيه أنَّ الشِّفاءَ بيَدِ اللهِ تعالى .

الأصول والأحكام

مسند أحمد (11/ 681) 7110 - قال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن ابن أبجر، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة ، قال: انطلقت مع أبي وأنا غلام، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: فقال له أبي: إني رجل طبيب، فأرني هذه السلعة التي بظهرك، قال: وما تصنع بها؟ قال: أقطعها، قال: لست بطبيب، ولكنك رفيق، طبيبها الذي وضعها وقال غيره: خلقها

مصنف ابن أبي شيبة ت عوامة ط القبلة (12/ 27) 23889- حدثنا حسين بن علي ، عن ابن أبجر ، عن إياد بن لقيط ، عن أبي رمثة ، قال : انطلقت مع أبي وأنا غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فقال له أبي : إني رجل طبيب ، فأرني هذه السلعة التي بظهرك ، قال : ما تصنع بها ؟ قال : أقطعها ، قال : لست بطبيب ولكنك رفيق ، طبيبها الذي وضعها ، وقال غيره : الذي خلقها.

معجم ابن الأعرابي (2/ 419) 819 - نا أحمد، نا حسين الجعفي، عن ابن أبجر، عن إياد بن لقيط السدوسي عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي وأنا غلام، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رجل جالس، وبلمته ردع من حنا، فقال لأبي: من هذا معك؟ قال ابني ورب الكعبة قال: إني أراه ابنك، أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه، فقال أبي: إني رجل طبيب فأرني هذه السلعة التي بظهرك فأقطعها قال: لست بطبيب ولكنك رفيق طبيبها الذي وضعها

أحاديث ذات صلة