قال عليٌّ : لا تقولوا في عثمانَ إلا خيرًا ، فواللهِ ما فعل الذي فعل في المصاحفِ إلا عن ملأٍ منا ، قال : ما تقولون في هذه القراءةِ ؟ فقد بلغني أنَّ بعضَهم يقولُ : إنَّ قراءتي خيرٌ من قراءتِك ، وهذا يكادُ أن يكون كفرًا ، قلنا : فما ترى ؟ قال : أرى أن نجمعَ الناسَ على مصحفٍ واحدٍ فلا تكون فُرقةٌ ولا اختلافٌ .
قلنا : فنعم ما رأيتَ
أخرجه ابن أبي داود في ((المصاحف)) (ص96) مطولا.
سمِعْتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ يقولُ: اتَّقُوا اللهَ أيُّها النَّاسُ، إيَّاكُمْ والغُلُوَّ في عُثمانَ، وقَولَكم: حَرَّاقُ المصاحِفِ؛ فواللهِ ما حرَّقَها إلَّا على مَلَأٍ مِنَّا أصحابِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جميعًا، فقالَ: ما تقولونَ في هذِهِ القراءةِ الَّتي اختلَفَ النَّاسُ فيها؟ يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فيقولُ: قِراءَتي خَيرٌ مِن قِراءَتِكَ، وقِراءَتي أفضَلُ مِن قِراءَتِكَ، وهذا شبيهٌ بالكفرِ، فقُلْنا: ما الرأيُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قالَ: فإنِّي أَرَى أنْ أجمَعَ النَّاسَ على مصحفٍ واحدٍ؛ فإنَّكُمْ إذا اختلَفْتُمُ اليومَ كانَ مَنْ بَعدَكم أشدَّ اختلافًا، فقُلْنا: نِعْمَ ما رأيتَ؛ فأرسَلَ إلى زَيْدِ بنِ ثابتٍ، وسعيدِ بنِ العاصِ، فقالَ: لِيَكْتُبْ أحدُكما، ويُمْلِ الآخَرُ، فإذا اختلَفْتُمْ في شيءٍ، فارفعاهُ إليَّ، فما اختَلَفْنا في شيءٍ مِن كتابِ اللهِ إلَّا في حرفٍ واحدٍ في سورةِ البقرةِ، قال سعيدٌ: {التَّابُوتُ} [البقرة: 248] ، وقالَ زَيدٌ: التَّابُوهُ، فرفعناهُ إلى عُثمانَ، فقالَ: اكتُبوهُ: {التَّابُوتُ} [البقرة: 248] .
قالَ عليٌّ: ولَوْ وَلِيتُ الَّذي وَلِيَ عُثمانُ لَصنَعْتُ مِثْلَ الَّذي صنَعَ.
الراوي : سويد بن غفلة المحدث : شعيب الأرناووط المصدر : تخريج شرح السنة الصفحة أو الرقم: 4/524 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (4/ 524) بلفظه معلقا، وأبو داود في ((المصاحف)) (96) بنحوه.
أكرَمَ اللَّهُ هذه الأُمَّةَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنزَل عليه أعظَمَ كِتابٍ وجَعَله مُعجِزتَه الخالِدةَ إلى قيامِ السَّاعةِ؛ فقد تَكَفَّل اللَّهُ تعالى بحِفظِ كِتابِه، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَما يَنزِلُ عليه الوَحيُ يَأمُرُ بَعضَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم بكِتابةِ ما نَزَل عليه، وظَلَّ القُرآنُ مَكتوبًا في صُحُفٍ مُفرَّقةٍ، ومَحفوظًا في صُدورِ الصَّحابةِ، حتَّى جَمَعه أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فقد تُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولم يَكُنِ القُرآنُ جُمِع في شَيءٍ، ثُمَّ جَمَعَه عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه الجَمعَ الثَّانيَ، ولكِنَّه جَعَله على حَرفٍ واحِدٍ؛ وذلك بسَبَبِ الاختِلافِ الذي نَشَأ في النَّاسِ في قِراءَتِهمُ القُرآنَ؛ فكُلٌّ يَقرَأُ بحَرفٍ غَيرِ حَرفِ الآخَرِ؛ مِمَّا كان يُؤَدِّي بهم إلى الاقتِتالِ، فرَأى عُثمانُ جَمعَهم على حَرفٍ واحِدٍ ووافقَه الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم على ذلك، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: اتَّقوا اللَّهَ أيُّها النَّاسُ، إيَّاكُم والغُلوَّ في عُثمانَ، أي: لا تَغلوا في ذَمِّه والقَدحِ فيه، وفي رِوايةٍ أُخرى: ولا تَقولوا له إلَّا خَيرًا، وقَولُكُم: حَرَّاقُ المَصاحِفِ، أي: أنَّه حَرقَ المَصاحِفَ المُختَلِفةَ، فواللهِ ما حَرقَها إلَّا على مَلأٍ مِنَّا أصحابَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَميعًا، أي: حَرقَها ونَحنُ شاهدونَ ذلك وحاضِرونَ وأقرَرنا فِعلَه ووافَقناه، ولو كان فِعلُه غَيرَ صحيحٍ لم نوافِقْه؛ فإنَّ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه جَمَعَ الصَّحابةَ لمَّا رَأى اختِلافَ النَّاسِ في القِراءةِ، فقال لهم: ما تَقولونَ في هذه القِراءةِ التي اختَلف النَّاسُ فيها؟ أي: كُلٌّ يَقرَأُ بقِراءةٍ وحَرفٍ غَيرِ قِراءةِ وحَرفِ صاحِبِه، يَلقى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فيَقولُ: قِراءَتي خَيرٌ مِن قِراءَتِك، وقِراءَتي أفضَلُ مِن قِراءَتِك، وهذا شَبيهٌ بالكُفرِ، أي: يُؤَدِّي بهم هذا التَّفاضُلُ إلى أن يُنكِرَ بَعضُهم ما عِندَ الآخَرِ مِنَ القُرآنِ، وإنكارُ بَعضٍ مِنَ القُرآنِ كُفرٌ، فقال الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم: ما الرَّأيُ يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ أي: فماذا تَرى أنتَ؟ فقال عُثمانُ: فإنِّي أرى أن أجمَعَ النَّاسَ على مُصحَفٍ واحِدٍ، أي: أجعَلَ النَّاسَ يَجتَمِعونَ على مُصحَفٍ وحَرفٍ واحِدٍ، ونَترُكُ بَقيَّةَ المَصاحِفِ؛ فإنَّكُم -يَقصِدُ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم- إذا اختَلفتُمُ اليَومَ كان مَن بَعدَكُم أشَدَّ اختِلافًا، أي: أنتُمُ الصَّحابةُ الآنَ إذا اختَلفتُم في القِراءةِ وأنتُم تَعلمونَ بكَيفيَّةِ نُزولِ القُرآنِ وقُربِكُم مِن عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّ مَن بَعدَكُم لا يَعلَمونَ شَيئًا مِن ذلك فسَيَكونُ اختِلافُهم شَديدًا في القُرآنِ.
فقال الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم لعُثمانَ: نِعمَ ما رَأيتَ، أي: رَأيُك هذا هو خَيرُ الآراءِ وأصوَبُها.
فعِندَ ذلك أرسَل عُثمانُ إلى زَيدِ بنِ ثابتٍ، وسَعيدِ بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما حتَّى يَكتُبا المُصحَفَ على حَرفٍ واحِدٍ، وقال لهما: ليَكتُبْ أحَدُكُما، ويُمْلِ الآخَرُ، أي: أحَدُكُما يَكتُبُ المُصحَفَ والآخَرُ يُملي عليه، وما اتَّفقتُما عليه كَتَبتُماه، وإذا اختَلفتُما في شَيءٍ مِنَ القُرآنِ على أيِّ حَرفٍ هو، فارفعاه إليَّ، أي: ارفَعا أمرَ ذلك إليَّ حتَّى أقضيَ فيه بما يُكتَبُ، فما اختَلفا في شَيءٍ مِن كِتابِ اللهِ إلَّا في حَرفٍ واحِدٍ في سورةِ البَقَرةِ، في قَولِه تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 248] ، قال سَعيدُ بنُ العاصِ: {التَّابُوتُ}، وقال زَيدُ بنُ ثابتٍ: التَّابُّوه، فرَفعاه إلى عُثمانَ، فقال عُثمانُ: اكتُبوه: {التَّابُوتُ}، ثُمَّ أرسَل عُثمانُ في الأمصارِ بهذا المُصحَفِ وأمرَهم أن يُحرِقوا كُلَّ مُصحَفٍ يُخالفُ المُصحَفَ الذي أُرسِل به.
ثُمَّ يَقولُ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه بَعدَ ذِكرِ تَفاصيلِ جَمعِ عُثمانَ للمُصحَفِ: ولو وَلِيتُ الذي وَلِيَ عُثمانُ لصَنَعتُ مِثلَ الذي صَنَعَ، أي: لو كُنتُ أنا مَكانَ عُثمانَ ورَأيتُ اختِلافَ النَّاسِ في القُرآنِ لفعَلتُ ما فَعَله بأن أجعَلَه على حَرفٍ واحِدٍ، وأُلغي بَقيَّتَها خَشيةَ اختِلافِ النَّاسِ وتَفرُّقِهم واقتِتالِهم.
وفي الحَديثِ بَيانُ كَيفيَّةِ جَمعِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه للمُصحَفِ.
وفيه بَيانُ أمرِ مَن تَولَّى كِتابةَ المُصحَفِ.
وفيه فَضلُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه وحِرصُه على جَمعِ كَلمةِ المُسلمينَ.
وفيه اتِّفاقُ وتَأييدُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم لِما فعَله عُثمانُ في جَمعِ المُصحَفِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَحريقِ الكُتُبِ التي فيها اسمُ اللهِ بالنَّارِ، وأنَّ ذلك إكرامٌ لها وصَونٌ عن وطئِها بالأقدامِ.
وفيه تَوفيقُ اللهِ لعُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه في جَمعِ المُصحَفِ .
المصاحف لابن أبي داود (ص96) :
حدثنا عبد الله قال حدثنا يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، عن علقمة بن مرثد الحضرمي، قال أبو داود: وحدثنا محمد بن أبان الجعفي، سمعه من علقمة بن مرثد [وحديث محمد أتم عن عقبة رواه أبو عبد الله محمد بن عيسى الأصبهاني المقرئ في كتاب المصاحف والهجاء، عن محمد بن الصلت الأسدي، عن محمد بن أبان وقال عن العيزار بن جرول الحضرمي ] قال: لما خرج المختار كنا هذا الحي من حضرموت أول من تسرع إليه، فأتانا سويد بن غفلة الجعفي فقال: إن لكم علي حقا وإن لكم جوارا [أو إن لكم قرابة] ، والله لا أحدثكم اليوم إلا شيئا سمعته من المختار، أقبلت من مكة وإني لأسير إذ غمزني غامز من خلفي، فإذا المختار فقال لي: يا شيخ ما بقي في قلبك من حب ذلك الرجل؟ يعني عليا، قلت: إني أشهد الله أني أحبه بسمعي وقلبي وبصري ولساني قال: ولكني أشهد الله أني أبغضه بقلبي وسمعي وبصري ولساني قال: قلت: أبيت والله إلا تثبيطا عن آل محمد، وترثيثا في إحراق المصاحف، [أو قال حراق، هو أحدهما يشك أبو داود] ، فقال سويد: والله لا أحدثكم إلا شيئا سمعته من علي بن أبي طالب رضي الله عنه سمعته يقول: " يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرا [أو قولوا له خيرا] في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت قال: فقيل: أي الناس أفصح، وأي الناس أقرأ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما ويمل الآخر ففعلا وجمع الناس على مصحف " قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل