لأَعْلَمَنَّ ما بقاءُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فينا، فقال: يا رسولَ اللهِ، لو اتَّخَذْتَ شيئًا تَجلِسُ عليه يَدْفَعُ عنك الغُبارَ، ويَرُدُّ عنك الخَصْمَ، فقال: واللهِ لأَدَعَنَّهُم يُنازِعُوني رِدائي، ويَطَؤُون عَقِبي، ويَغْشاني غُبارُهُم، حتَّى يكونَ اللهُ الَّذي يُريحُني منهم.

قال: فعَلِمْتُ أنَّ بقاءَه فينا قليلٌ.

قال: فلمَّا تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال عُمَرُ: واللهِ إنِّي لأَرجو أنْ يعيشَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يُقَطِّعَ أيدِيَ رجالٍ وألسنَتَهُم مِنَ المُنافِقين، يقولون: قد ماتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فقال العبَّاسُ: أيُّها النَّاسُ، هل عندَ أحدٍ منكم عَهْدٌ أو عَقْدٌ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ فقالوا: لا، قال: فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَمُتْ حتَّى قَطَعَ الحِبَالَ ووَصَلَ، وحارَبَ وسالَمَ، ونَكَحَ النِّساءَ وطَلَّقَ، وتَرَكَكُم على مَحَجَّةٍ بيِّنَةٍ، وطريقٍ ناهِجَةٍ، وإنْ كان كما قال عُمَرُ لم يَعجَزِ اللهُ أنْ يَحْثُوَ عنه فيُخرِجَه إلينا، فخَلِّ بيْننا وبيْنه فلنُذهِبَنَّه، فإنَّه يَأْسَنُ كما يَأسِنُ النَّاسُ.

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - ما يكفي من الدنيا# رقائق وزهد - الزهد في الدنيا# رقائق وزهد - مخالطة الناس، والصبر على أذاهم# رقائق وزهد - معيشة النبي صلى الله عليه وسلم# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - مرض النبي وموته
المصدر: إتحاف الخيرة المهرة
الراوي: العباس بن عبدالمطلب
المحدث: البوصيري
الحكم:رجاله ثقات إلا أنه منقطع، [وروي بإسناد متصل صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه الدارمي (75) مختصراً، وعبدالرزاق في ((المصنف)) (5/433)، وإسحق بن راهويه كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (2/527) واللفظ له

الشرح والتوضيح

لَأَعْلَمَنَّ ما بَقَاءُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فينا ، فقال : يا رسولَ اللهِ ، لَوِ اتَّخَذْتَ شيئًا تَجلِسُ عليهِ ، يَدْفَعُ عَنْكَ الغُبارَ ، ويردُّ عَنْكَ الخَصْمَ ، فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : واللهِ لَأَدَعَنَّهُمْ يُنازِعُونَنِي رِدَائِي ، ويَطِئُونَ عَقِبي ، ويَغْشَانِي غُبارُهُمْ ، حتى يَكُونَ اللهُ – تعالى – هو الذي يُرِيحُنِي مِنْهُمْ ، قال : فَعَلِمْتُ أنَّ بَقَاءَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فينا قَلِيلٌ ، قال : فلمَّا تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : واللهِ إنِّي لَأرْجو أنْ يَعِيشَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى يَقْطَعَ أَيْدِي رِجَالٍ وأَلْسِنَتَهُمْ مِنَ المُنافِقِينَ ، يقولونَ : قد ماتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ : يا أيُّها الناسُ ، هل عندَ أَحَدٍ مِنكمْ عهدٌ أوْ عَقْدٌ من رَسُولٍ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟ فَقَالوا : لا ، قال : فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يَمُتْ حتى قَطَعَ الحِبالَ ووَصَلَ ، وحارَبَ وسالَمَ ، ونكحَ النِّساءَ وطَلَّقَ ، وتركَكُمْ على مَحَجَّةٍ بَيِّنَةٍ ، وطَرِيقٍ ناهِجَةٍ ، ولَئِنْ كان كما قال عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ لمْ يُعْجِزِ اللهَ – تعالى –أنْ يَحْثُوَ عنهُ فَيُخْرِجَهُ إِلَيْنا ، فَخَلِّ بينَنا وبينَهُ ، فَلْنَدْفِنَهُ فإنَّهُ يَأْسُنُ كما يَأْسُنُ الناسُ الراوي : العباس بن عبدالمطلب المحدث : ابن حجر العسقلاني المصدر : المطالب العالية الصفحة أو الرقم: 4/428 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه الدارمي (75) مختصراً، وعبدالرزاق في ((المصنف)) (5/433)، وإسحق بن راهويه كما في ((المطالب العالية)) لابن حجر (4/361) واللفظ له لمَّا بَلَّغَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رِسالةَ رَبِّه إلى النَّاسِ كافَّةً وأتَمَّ البَلاغَ، تَوفَّاه اللهُ تعالى كَما تَوفَّى غَيرَه مِنَ الأنبياءِ السَّابقينَ؛ فالمَوتُ حَقٌّ على جَميعِ الخَلقِ، ولمَّا توُفِّيَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صُدِمَ الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم بهذا الأمرِ، حتَّى إنَّ بَعضَهم -كَعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه- لم يُصَدِّقْ ذلك، وتَهَدَّد وتوعَّد مَن قال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد ماتَ، ومِمَّا جاءَ في قِصَّةِ وفاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ العَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: لأعلَمَنَّ ما بَقاءُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فينا، أي: سَوف أنظُرُ كَم سَيَبقى مِنَ الزَّمَنِ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بَينَنا، فذَهَبَ وقال: يا رَسولَ اللهِ، لوِ اتَّخَذتَ شَيئًا تَجلِسُ عليه، أي: تَتَّخِذُ كُرسيًّا أو فِراشًا للجُلوسِ عليه، حتَّى يَدفَعَ عنك الغُبارَ، أي: تُرابَ الأرضِ، ويَرُدُّ عنك الخَصمَ، أي: ويَقيك مُزاحَمةَ الخُصومِ لك في المَجلسِ إذا كُنتَ مُرتَفِعًا على شَيءٍ.

وفي رِوايةٍ: لوِ اتَّخَذتَ عَريشًا فكَلَّمتَ النَّاسَ، أي: مَكانًا تَحتَجِبُ فيه عنِ النَّاسِ؛ فإنَّهم قد آذَوك.

فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: واللهِ لأدعَنَّهم يُنازِعونَني رِدائي، أي: لن أتَّخِذَ شَيئًا بَل سَأظَلُّ هَكَذا حتَّى يُجاذِبَني النَّاسُ الرِّداءَ ويطؤون عَقِبي، أي: مُؤَخَّرةَ رِجلي، ويَغشاني غُبارُهم، أي: يُغَطِّيني غُبارُ النَّاسِ والخُصومِ، حتَّى يَكونَ اللهُ تعالى هو الذي يُريحُني مِنهم، أي: حتَّى يُريحَني اللهُ مِنَ النَّاسِ بأن يَقبِضَني إليه.

يَقولُ العَبَّاسُ: فعَلِمتُ أنَّ بَقاءَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فينا قَليلٌ، أي: تَبَيَّنَ له بهذا أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لن يَظَلَّ فيهم طَويلًا، وأنَّ اللَّهَ سَوف يَتَوفَّاه.

يَقولُ العَبَّاسُ: فلمَّا توُفِّيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: واللهِ إنِّي لأرجو أن يَعيشَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَقطَعَ أيديَ رِجالٍ وألسِنَتَهم مِنَ المُنافِقينَ، يَقولونَ: قد ماتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! المَعنى: أنَّ عُمَرَ لم يُصَدِّقْ وفاةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان يَظُنُّ أنَّ الرَّسولَ باقٍ فيهم، وأنَّه لم يَمُتْ بَل سَوف يَعودُ حتَّى يُقيمَ الحَدَّ بقَطعِ أيدي رِجال وألسِنَتِهم مِنَ المُنافِقينَ الذينَ يَزعُمونَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد ماتَ؛ ففي رِوايةٍ أُخرى أنَّ عُمَرَ قال: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَمُتْ، ولكِن صَعِقَ كَما صَعِقَ موسى، واللهِ إنِّي لأرجو أن يَعيشَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَقطَعَ أيديَ رِجالٍ وألسِنَتَهم مِنَ المُنافِقينَ، يَقولونَ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد ماتَ! فعِندَ ذلك قامَ العَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ عنه، وقال: يا أيُّها النَّاسُ، هَل عِندَ أحَدٍ مِنكُم عَهدٌ أو عَقدٌ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أي: هَل عَهِدَ رَسولُ اللهِ لأحَدِكُم بعَهدٍ أو بعَقدٍ أنَّه باقٍ وأنَّه لم يَمُتْ؟ فقالوا: لا.

فقال العَبَّاسُ: فإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَمُتْ حتَّى قَطَعَ الحِبالَ ووَصَل، أي: قَطَعَ الحِبالَ بمَن بَقيَ كافِرًا مِن أقرِبائِه وأهلِه وعَشيرَتِه، ووصَل مَن أسلَمَ مِنَ النَّاسِ مِن بَقيَّةِ القَبائِلِ، وحارَبَ وسالمَ، أي: حارَبَ أقوامًا وصالَحَ أقوامًا، ونَكَحَ النِّساءَ وطَلَّقَ، أي: وهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد عاشَ كَبَقيَّةِ النَّاسِ، فتَزَوَّجَ النِّساءَ وطَلَّقَ بَعضَهنَّ، وتَركَكُم على مَحَجَّةٍ بَيِّنةٍ.

المَحَجَّةُ: هيَ جادَّةُ الطَّريقِ، أي: تَرَكَكُم على طَريقٍ واضِحٍ بَيِّنٍ، وطَريقٍ ناهجةٍ، أي: واضِحةُ بَيِّنةٍ، والنَّهجِ: الطَّريقُ المُستَقيمُ، بَيَّن فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعالمَ الدِّينِ وشَرائِعَه، ولم يَمُتْ حتَّى أتَمَّ اللهُ به الدِّينَ وأكمَله، كَما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] .

ولئِن كان كَما قال عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه، أي: إذا كان الأمرُ كَما قاله عُمَرُ مِن أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَيَعيشُ حتَّى يَقطَعَ أيديَ رِجالٍ وألسِنَتَهم، لم يُعجِزِ اللَّهَ تعالى أن يَحثوَ عنه فيُخرِجَه إلينا، أي: أنَّ اللَّهَ قادِرٌ على أن يُزيلَ التُّرابَ عن رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يُخرِجَه إلينا ويُعيدَه حَيًّا، فخَلِّ بَينَنا وبَينَه فلنَدفِنْه! وكَأنَّ العَبَّاسَ يَقصِدُ بذلك عُمَرَ أن يُخَلِّيَ بَينَهم وبَينَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَدفِنوه؛ وذلك أنَّ عُمَرَ تَهَدَّد بسَيفِه النَّاسَ ومَنَعَهم مِن دَفنِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإنَّه يَأسِنُ كَما يَأسِنُ النَّاسُ، أي: إنَّه إذا لم يُقبَرْ فإنَّه سَوف تَتَغَيَّرُ رائِحَتُه بطولِ مُكثِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَينَ أظهُرِنا كَما تَتَغَيَّرُ رائِحةُ سائِرِ النَّاسِ إذا ماتوا.

وفي الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَشَرٌ مِثلُ سائِرِ البَشَرِ يَجري عليه المَوتُ.

وفيه ما وقَعَ لعُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه مِنَ الصَّدمةِ بمَوتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه ثَباتُ وشَجاعةُ مَوقِفِ العَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عنه عِندَ مَوتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَمُتْ حتَّى أتَمَّ البَلاغَ وبَيَّنَ للنَّاسِ مَعالمَ الدِّينِ ووضَّحَها لهم .

أحاديث ذات صلة