أنَّ يهوديًّا جاءَ إلى عمرَ بنِ الخطابِ وهو بالشام ِ يستعدِي على عوفِ بنِ مالكٍ الأشجعيِّ أنهُ ضربَهُ وشجَّهُ فسألَ عوفًا عن ذلكَ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ رأيتُهُ يسوقُ بامرأةٍ مسلِمةٍ فنخَسَ الحمارَ ليصرَعَها فلم تُصرَع ثمَّ دفعها فخرَّت عن الحمارِ فغشِيَها ففَعلتُ ما ترى فذهبَ إليها عوفٌ فأخبرها بما قالَ لِعمرَ فذهبتْ لتَجِيءَ معهُ فانطلقَ أبوها وزوجُها فأخبرا عمرَ بذلكَ فقالَ عمرُ لليهوديِّ واللَّهِ ما على هذا عاهدناكُمْ فأمرَ به فصُلبَ ثمَّ قالَ يا أيُّها الناسُ فُوا بذمَّةِ محمدٍ فمن فعلَ منهم هذا فلا ذمَّةَ لهُ قالَ سويدٌ فإنَّهُ لأوَّلُ مصلوبٍ رأيتُهُ
أخرجه ابن وهب كما في ((مسند الفاروق)) لابن كثير (681) بلفظه، وفي ((الموطأ الصغير)) (179)، وابن زنجويه في ((الأموال)) (708)، والبيهقي (18746) جميعا بنحوه، وابن أبي شيبة (29435) مختصرا.
كنا مع عمرَ بنِ الخطابِ أميرِ الْمُؤمنِينَ بالشامِ فأتاه نَبَطِيٌّ مَضْرُوبٌ مُشَجَّجٌ مُسْتَعْدٍ ، فغضِب غضبًا شديدًا فقال لصُهَيبٍ : انظُر مَن صاحِبُ هذا ، فانطلقَ فإذا هو عوفُ بنُ مالكٍ الأشجعيُّ ، قال له : إنَّ أميرَ الْمُؤمنِينَ قد غضِب غضبًا شديدًا ، فلو أتيتَ معاذَ بن جبلٍ يمشي معك إلى أميرِ الْمُؤمنِينَ فإني أخافُ عليك بادِرَتَه ، فجاء معه معاذٌ فلما انصرف عمرُ من الصلاةِ قال : أين صهيبٌ ؟ فقال : ها أنا ذا يا أميرَ الْمُؤمنِينَ .
قال : أجئتَ بالرجلِ الذي ضربَه ؟ قال : نعم ، فقام إليه معاذُ بنُ جبلٍ فقال : يا أميرَ الْمُؤمنِينَ إنَّه عوفُ بنُ مالكٍ فاسمعْ منه ولا تعجَلْ عليه ، فقال له عمرُ : ما لكَ ولهذا ؟ قال : يا أميرَ الْمُؤمنِينَ رأيتُه يسوقُ بامرأةٍ مسلمةٍ فنخَس الحمارَ لِيصرعَها فلم تُصرعْ ، ثم دفعها فخرَّتْ عنِ الحمارِ فغشِيها ففعلتُ ما ترى .
قال : ائتِني بالمرأةِ لِتُصَدِّقَكَ ، فأتى عوفٌ المرأةَ فقال ما قاله عمرُ ، قال أبوها وزوجُها : ما أردتَ بصاحبتِنا فضحتَها ؟ فقالتِ المرأةُ : واللهِ لأذهبنَّ معه إلى أميرِ الْمُؤمنِينَ ، فلما أجمعتْ على ذلك قال أبوها وزوجُها : نحن نُبَلِّغُ عنك أميرَ الْمُؤمنينَ ، فأتيا فصدَّقا عوفَ بنَ مالكٍ بما قال ، قال : فقال عمرُ لليهوديِّ : واللهِ ما عاهَدناكُم على هذا ، فأمر به فصُلِبَ ثم قال : يا أيها الناسُ فُوا بذمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فمن فعل منهم هذا فلا ذِمَّةَ لهُ ، قال سُويدٌ : إنهُ لَأولُ مصلوبٍ رأيتُهُ الراوي : سويد بن غفلة المحدث : ابن الملقن المصدر : البدر المنير الصفحة أو الرقم: 9/217 خلاصة حكم المحدث : معروف التخريج : أخرجه البيهقي (18746)، وابن وهب في ((جامعه)) (507)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (47/ 40) واللفظ لهم، وأبو عبيد في ((الأموال)) (486) بنحوه.
لإمامِ المُسلمينَ أن يَشتَرِطَ على الكُفَّارِ شُروطًا حتَّى يَبقَوا على دينِهم في بلادِ المُسلمينَ ولا يَتَعَرَّضَ لهم أحَدٌ بسوءٍ، ما داموا مُلتَزِمينَ بالشُّروطِ، فإذا نَقَضوا الشُّروطَ جازَ للإمامِ إقامةُ حُكمِ اللهِ فيهم.
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ سُوَيدُ بنُ غَفَلةَ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- أنَّهم كانوا عِندَ أميرِ المُؤمِنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، بالشَّامِ، وهيَ تَشمَلُ الآنَ سوريا والأُردُنَّ ولُبنانَ وفِلَسطينَ، فجاءَ إلى عُمَرَ نَبَطيٌّ، وهو الشَّخصُ الذي يَعمَلُ بالزِّراعةِ، مَضروبٌ مُشَجَّجٌ، أي: قد ضُرِبَ وشُجَّ رَأسُه، مُستَعدٍ، أي: يَطلُبُ مِن عُمَرَ أن يُنصِفَه مِمَّنِ اعتَدى عليه، فلمَّا رَأى عُمَرُ الرَّجُلَ بهذا المَنظَرِ غَضِبَ غَضَبًا شَديدًا، وقال لصُهَيبٍ: انظُرْ مَن صاحِبُ هذا، أي: مَنِ الشَّخصُ الذي اعتَدى عليه وضَرَبَه.
فانطَلقَ صُهَيب فوجَدَ أنَّ الرَّجُلَ الذي ضَرَبَه هو عَوفُ بنُ مالِكٍ الأشجَعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه.
فقال صُهَيبٌ لعَوفٍ: إنَّ أميرَ المُؤمِنينَ قد غَضِبَ غَضَبًا شَديدًا، أي: لكَونِك ضَرَبتَ الرَّجُلَ، فلو أتَيتَ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه يَمشي مَعَك إلى أميرِ المُؤمِنينَ؛ فإنِّي أخافُ عليك بادِرَتَه! أي: حِدَّتَه وغَضَبَه، والمَعنى: أقتَرِحُ عليك أن تَأخُذَ مَعَك مُعاذَ بنَ جَبَلٍ في ذَهابِك إلى عُمَرَ حتَّى يُخَفِّفَ مِن غَضَبِه ويَكونَ بَينَك وبَينَ عُمَرَ في سُرعةِ الانتِقامِ للرَّجُلِ مِنك.
فذَهَبَ مُعاذٌ مَعَ عَوفٍ إلى عُمَرَ، فلمَّا انصَرَف عُمَرُ مِنَ الصَّلاةِ قال: أينَ صُهَيبٌ؟ فقال صُهَيبٌ: ها أنا ذا يا أميرَ المُؤمِنينَ.
فقال له عُمَرُ: أجِئتَ بالرَّجُلِ الذي ضَرَبَه؟ أي: هَل وجَدتَ الرَّجُلَ الذي ضَرَبَ هذا الرَّجُلَ النَّبَطيَّ.
فقال صُهَيبٌ: نَعَم.
فقامَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ إلى عُمَرَ وقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّه عَوفُ بنُ مالكٍ فاسمَعْ مِنه ولا تَعجَلْ عليه، أي: قَبلَ أن تَحكُمَ عليه بحُكمٍ مُعَيَّنٍ تَرَيَّثْ واسمَعْ مِنه سَبَبَ ضَربِه للنَّبَطيِّ.
فقال عُمَرُ لمُعاذٍ: ما لك ولهذا؟! ثُمَّ بَيَّنَ عَوفٌ سَبَبَ ضَربِه للنَّبَطيِّ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ رَأيتُه، أي: النَّبَطيَّ، يَسوقُ بامرَأةٍ مُسلِمةٍ، أي: يَقودُ امرَأةً وهيَ راكِبةٌ على حِمارٍ، فنَخَسَ النَّبَطيُّ الحِمارَ، أي: ضَرَبَ ودَفعَ الحِمارَ؛ ليَصرَعَها، أي: حتَّى يَضطَرِبَ الحِمارُ ويَقلِبَ المَرأةَ على الأرضِ، فلم تُصرَعْ، أي: فلم تَنقَلِبِ المَرأةُ، ثُمَّ دَفعَها، أي: دَفعَ النَّبَطيُّ المَرأةَ بيَدِه حتَّى خَرَّت عنِ الحِمارِ، أي: حتَّى سَقَطَت مِن فوقِ الحِمارِ، فغَشِيَها، أي: جامَعَها ووقَعَ بها، وفي رِوايةٍ: فغَشيَها، وأكَبَّ عليها، ففعَلتُ ما تَرى، أي: فعِندَ ذلك قُمتُ بضَربه وشَجِّ رَأسِه.
فقال عُمَرُ لعَوفٍ: ائتِني بالمَرأةِ لتُصَدِّقَك، أي: أحضِرِ المَرأةَ حتَّى تُصَدِّقَ على كَلامِك.
فذَهَبَ عَوفٌ إلى المَرأةِ فقال لها: ما قاله عُمَرُ، أي: أن تَأتيَ مَعَه حتَّى تُصَدِّقَ كَلامَه.
فقال أبو المَرأةِ وزَوجُها: ما أرَدتَ بصاحِبَتِنا؟! فضَحتَها! أي: أنَّك يا عَوفُ فضَحتَ المَرأةَ بقَولِك عنها هذا الكَلامَ، وهو لا داعيَ له، ولعَلَّهم كانوا لا يَعرِفونَ ما حَصَل للمَرأةِ، أو أرادوا السَّترَ على المَرأةِ وعَدَمَ إشاعةِ الكَلامِ عنها.
فقالتِ المَرأةُ: واللهِ لأذهَبَنَّ مَعَه إلى أميرِ المُؤمِنينَ، أي: سَأذهَبُ مَعَه حتَّى أُصَدِّقَ كَلامَه.
فلمَّا أجمَعَت على ذلك، أي: أصَرَّت وعَزَمَتِ المَرأةُ على الذَّهابِ إلى عُمَرَ، قال أبوها وزَوجُها: نَحنُ نُبَلِّغُ عنكِ أميرَ المُؤمِنينَ، أي: إذا كُنتِ مُصِرَّةً على ذلك فلا داعيَ لذَهابِك؛ فنَحنُ نَأتي عُمَرَ ونُبَلِّغُه.
فذَهَبَ الأبُ والزَّوجُ إلى عُمَرَ وصَدَّقا عَوفَ بنَ مالكٍ بما قال، فقال عُمَرُ لليَهوديِّ وهو النَّبَطيُّ: واللهِ ما عاهَدناكُم على هذا، أي: لم نَعقِدْ لكُمُ الصُّلحَ والأمانَ على أن تَزنوا بالمُسلِماتِ، والمَعنى: أنَّنا عَقَّدنا لكُمُ الصُّلحَ والأمانَ على ألَّا تُؤذوا مُسلِمًا ولا تَزنوا بمُسلِمةٍ.
ثُمَّ أمَرَ عُمَرُ بهذا الرَّجُلِ فصُلبَ، أي: وُضِعَ مَربوطًا فوقَ خَشَبةٍ كالصَّليبِ ثُمَّ قُتِل، ثُمَّ قال عُمَرُ: يا أيُّها النَّاسُ، فُوا بذِمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: عليكُم بإيفاءِ عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَ مَن عاهَدَهم ولا تَنقُضوا ذِمَّته وعَهدَه، فمَن فَعَل مِنهم، أي: مِن أهلِ الذِّمَّةِ، هذا، أي: الزِّنا بمُسلِمةٍ، فلا ذِمَّةَ له، أي: فليسَ له عَهدٌ بسَبَبِ فِعلِه.
قال سُوَيدٌ: إنَّه لأوَّلُ مَصلوبٍ رَأيتُه، أي: هذا الرَّجُلُ كان أوَّلَ رَجُلٍ صُلِبَ في عَهدِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ شَكوى أهلِ الذِّمَّةِ للإمامِ مِمَّن يَعتَدي عليهم مِنَ المُسلمينَ.
وفيه شِدَّةُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه وهيبةُ الصَّحابةِ له.
وفيه سَماعُ الحاكِمِ مِنَ الخُصومِ قَبلَ إقامةِ الحُكمِ عليهم.
وفيه مَشروعيَّةُ طَلَبِ مَن يُؤَكِّدُ كَلامَ الخَصمِ.
وفيه أنَّ أهلَ الذِّمَّةِ إذا زنا أحَدُهم بمُسلِمةٍ فإنَّه يَنتَقِضُ عَهدُه ويُشرَعُ قَتلُه .