لمَّا انطلقَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأبو بكرٍ يستخفِيانِ نزلا بأبي معبدٍ فقالَ واللَّهِ ما لنا شاةٌ وإنَّ شاءَنا لحواملُ فما بقيَ لنا لبنٌ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أحسبُهُ فما تلكَ الشَّاةُ فأتي بها فدعا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بالبركةِ عليها ثمَّ حلبَ عُسًّا فسقاهُ ثمَّ شربوا فقالَ أنتَ الَّذي يزعمُ قريشٌ إنَّكَ صابئٌ قالَ إنَّهم ليقولونَ قالَ أشهدُ أنَّ ما جئتَ بهِ حقٌّ ثمَّ قالَ أتَّبعُكَ قالَ لا حتَّى تسمعَ أنَّا قد ظهرنا فاتَّبِعنا بعدُ
أخرجه الحاكم (4273)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (5691)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (2/ 497) واللفظ لهم جميعا.
لما انطَلَق النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بكرٍ مُستَخفِيانِ في الغارِ مرَّا بعبدٍ يَرعى غنمًا فاستَسقاه منَ اللبنِ فقال: ما لي شاةٌ تُحلَبُ غيرَ أنَّ هاهنا عَناقًا حملَتْ أوانَ الشتاءِ فما بَقي لها لبنٌ وقدِ أخدجت فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ائتِنا بها فدَعا عليها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالبركةِ ثم حلَب عسا فسَقى أبا بكرٍ ثم حلَب آخرَ فسَقى الراعيَ ثم حلَب فشرِب فقال العبدُ: باللهِ مَن أنتَ ؟ ما رأيتُ مِثلَكَ قَطُّ ؟ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أو تراكَ إن أخبَرتُكَ تَكتُمُ عليَّ ؟ قال: نعَم قال: فإني محمدٌ رسولُ اللهِ قال: أنتَ الذي تزعُمُ قريشٌ أنكَ صابئٌ قال: فإنهم لَيقولونَ ذلك قال: فإني أشهَدُ أنكَ لرسولِ اللهِ وأن ما جِئتَ به حقٌّ وأنه ليس يفعلُ ما فعَلتَ إلا نبيٌّ ثم قال: أتبعُكَ ؟ قال: لا حتى تَسمَعَ أنا قد ظهَرْنا فإذا بلَغَكَ ذلك فاخرُجْ فتبِعَه بعد ما خرَج منَ الغارِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الراوي : قيس بن النعمان المحدث : البوصيري المصدر : إتحاف الخيرة المهرة الصفحة أو الرقم: 7/97 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه الحاكم (4273)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (5691)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (2/ 497) واللفظ لهم جميعا.
أيَّدَ اللهُ أنبياءَه بمُعجِزاتٍ ظاهرةٍ تَدُلُّ على صِدقِ دَعوتِهم ونُبوَّتِهم، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أكثَرِ الأنبياءِ مُعجِزاتٍ، فله مِنَ المُعجِزاتِ والآياتِ الدَّالةِ على صِدقِه الشَّيءُ الكَثيرُ، ومِن ذلك مُعجِزتُه في إخراجِ اللَّبَنِ مِنَ الشَّاةِ التي قد جَفَّ ضَرعُها وأصبَحَت بدونِ لبَنٍ، فيَقولُ قَيسُ بنُ النُّعمانِ رَضِيَ اللهُ عنه: لمَّا انطَلقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بَكرٍ، أي: في هجرَتِهما مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، مُستَخفيَينِ، أي: مُختَبِئَينِ في الغارِ، وقد جاءَ أنَّهما مَكَثا في الغارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، فلمَّا خَرَجا مِنَ الغارِ وواصَلا سَيرَهما إلى المَدينةِ مَرَّا بعَبدٍ يَرعى غَنَمًا فاستَسقياه مِنَ اللَّبَنِ، أي: طَلبا مِنه أن يَسقيَهما مِن لبَنِ الغَنَمِ، فقال العَبدُ: ما لي شاةٌ تُحلَبُ، أي: كُلُّ الغَنَمِ التي مَعي ليسَ فيها حَليبٌ، غَيرَ أنَّ هاهنا عَناقًا.
هيَ الأُنثى مِن أولاد المَعزِ ما لم يَتِمَّ له سَنةٌ، حَمَلت أوانَ الشِّتاءِ، فما بَقيَ لها لبَنٌ، أي: أنَّ هذه العَناقَ كانت قد حَمَلت في أوَّلِ فَصلِ الشِّتاءِ ولم يَبقَ فيها لَبَنٌ، وقد أخدَجَت، أي: جاءَت بوَلَدِها ناقِصَ الخَلقِ، والخِداجُ: النُّقصانُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ائتِنا بها، أي: أحضِرْ هذه العَناقَ إلينا، فلمَّا جاءَهما بالشَّاةِ دَعا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على هذه الشَّاةِ بالبَرَكةِ، أي: بأن يُبارِكَ اللهُ في ضَرعِها، ثُمَّ حَلبَ عُسًّا، أي: قدَحًا كَبيرًا، فسَقى أبا بَكرٍ، أي: شَرِبَ أبو بَكرٍ مِنَ اللَّبَنِ، ثُمَّ حَلبَ آخَرَ فسَقى الرَّاعيَ، ثُمَّ حَلبَ مَرَّةً ثالثةً فشَرِبَ هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا رَأى العَبدُ هذا الأمرَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَعجَّب واستَغرَبَ، كَيف حَصَل له ذلك؟! فقال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: باللهِ مَن أنتَ؟ أي: أخبِرْني مَن تَكونُ حتَّى حَصَل مَعَك مِثلُ هذا، فإنِّي ما رَأيتُ مِثلَك قَطُّ؟ أي: لم أرَ شَخصًا مِثلَك مِن قَبلُ.
فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أوَ تُراك إن أخبَرتُك تَكتُمُ علَيَّ؟ أي: هَل إن أخبَرتُك مَن أكونُ تَكتُمُ الخَبَرَ ولا تُخبرُ به أحَدًا مِمَّن يَقدَمُ عليك؟ فقال العَبدُ: نَعَم، أي: أفعَلُ ذلك.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإنِّي مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ.
فقال العَبدُ: أنتَ الذي تَزعُمُ قُرَيشٌ أنَّك صابئٌ! أي: أنتَ الرَّجُلُ الذي تَبحَثُ عنه قُرَيشٌ وتَقولُ: إنَّك صابئٌ، وكانتِ العَرَبُ تُسَمِّي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّابئَ؛ لأنَّه خَرَجَ مِن دينِ قُرَيشٍ إلى دينِ الإسلامِ.
ويُسَمُّونَ المُسلِمينَ الصُّباةَ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإنَّهم ليَقولونَ ذلك، أي: هذا قَولُهم عنِّي، وأنا لستُ كذلك، وهذا مِن فِطنَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحَكيمِ جَوابِه للرَّجُلِ، فلم يُقِرَّه على التَّسميةِ بالصَّابئِ، وإنَّما أخبَرَ أنَّ هذا قَولُهم وإن لم أكُنْ كذلك.
فعِندَ ذلك أسلم العَبدُ وقال: فإنِّي أشهَدُ أنَّك رَسولُ اللهِ، وأنَّ ما جِئتَ به حَقٌّ، أي: مِن هذا الدِّينِ والوَحيِ، وأنَّه ليسَ يَفعَلُ ما فعَلتَ، أي: مِن حَلبِ الشَّاةِ وليسَ فيها لبَنٌ، إلَّا نَبيٌّ، أي: أنَّ هذا مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ الأنبياءِ، ثُمَّ قال العَبدُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أتبَعُك؟ أي: أُريدُ أن أذهَبَ مَعَك يا رَسولَ اللهِ.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، أي: لا تَتبَعْنا الآنَ، حتَّى تَسمعَ أنَّا قد ظَهَرنا، أي: غَلَبنا وخَرَجنا مِن مَكَّةَ واستَقَرَّ أمرُنا في المَدينةِ، فإذا بَلغَك ذلك فاخرُجْ، أي: فعِندَ ذلك الْحَقْ بنا، ثُمَّ إنَّ العَبدَ تَبعَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ما رَأى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد خَرَجَ مِنَ الغارِ.
وفي الحَديثِ مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه أنَّ أبا بَكرٍ كان صاحِبَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الهِجرةِ.
وفيه اختِفاءُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ الهجرةِ في الغارِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الشُّربِ مِن لبَنِ الغَنَمِ بدونِ إذنِ السَّيِّدِ.
وفيه أنَّ مِن أدَبِ الشُّربِ أنَّ ساقيَ القَومِ آخِرُهم شُربًا.
وفيه مَشروعيَّةُ أخذِ الحيطةِ والحَذَرِ قَبلَ تَعريفِ الشَّخصِ بنَفسِه للآخَرينَ .
المستدرك على الصحيحين (3/ 9) :
4273 - حدثنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا أبو الوليد، ثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، ثنا إياد بن لقيط، عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مرا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن ها هنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن، فقال: ادع بها فدعا بها، فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، قال: وجاء أبو بكر رضي الله عنه بمجن فحلب أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت فوالله ما رأيت مثلك قط، قال: أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإني محمد رسول الله فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ، قال: إنهم ليقولون ذلك قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "
معرفة الصحابة لأبي نعيم (4/ 2307) :
5691 - حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا عمر بن حفص السدوسي، ثنا عاصم بن علي، ح وحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، ثنا محمد بن محمد التمار، ثنا أبو الوليد الطيالسي، قالا: ثنا عبيد الله بن إياد، قال: سمعت إيادا، يحدث، عن قيس بن النعمان السكوني ، قال: لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر يستخفيان بالغار، مرا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه من اللبن، فقال: والله مالي شاة تحلب غيرها، هذا عناق حملت أول الشتاء فما لها لبن، وقد اهتجنت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتنا بها ، فدعا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة، ثم حلب عسا فسقى أبا بكر، ثم حلب آخر فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال له: تالله ما رأيت مثلك، من أنت؟ قال: إن أخبرتك تكتم علي؟ ، قال: نعم، قال: أنا محمد رسول الله ، قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: إنهم يقولون ذلك ، قال: فإني أشهد أنك رسول الله، وأنه لا يقدر على ما فعلت إلا رسول، ثم قال له: أتبعك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما اليوم فلا، ولكن إذا سمعت أنا قد ظهرنا فأتنا ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما ظهر بالمدينة
دلائل النبوة للبيهقي (2/ 497) :
باب اجتيازه مع صاحبه بعبد يرعى غنما وما ظهر عند ذلك من آثار النبوة
حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيوب، قال: أنبأنا محمد بن غالب، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن قيس بن النعمان ، قال: لما انطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو بكر مستخفين مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخرجت وما بقي لها لبن، فقال ادع بها، فاعتقلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، قال: وجاء أبو بكر بمجن فحلب وسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب فقال الراعي: بالله من أنت؟ فو الله ما رأيت مثلك قط.
قال: أو تراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإني محمد رسول الله، فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبي وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك قال إنك لن نستطيع ذلك يومك فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا .