تركتُكم على الواضحةِ ، ليلُها كنهارِها ، لا يَزيغُ عنها إلَّا جاحدٌ
أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42) جميعهم بنحوه.
أرسَل اللهُ نَبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للنَّاسِ كافَّةً لدَعوتِهم إلى عِبادةِ اللهِ وتَبليغِهم دينَ اللهِ، وإرشادِهم إلى الطَّريقِ القَويمِ، وتَحذيرِهم مِنَ الانحِرافِ وسُلوكِ سُبُلِ الشَّيطانِ، فبَلَّغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أُمِرَ به أتَمَّ البَلاغِ وأكمَلَه وأوضَحَه، وشَهدَ له بذلك أصحابُه في أعظَمِ جَمعٍ في حَجَّةِ الوداعِ.
وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تَرَكَتُكُم، أي: أيُّها المُخاطَبونَ مِن أُمَّةِ الإجابةِ، على الواضِحةِ، أي: المِلَّةِ والحُجَّةِ البَيِّنةِ الظَّاهِرةِ، وفي رِوايةٍ: البَيضاءِ، أي: الصَّافيةِ النَّقيَّةِ الواضِحةِ التي لا تَقبَلُ الشُّبَهَ أصلًا، لَيلُها في إشراقِه كَنَهارِها، أي: صارَ ليلُها حالَ إيرادِ الشُّبَهِ عليها كنَهارِها حالَ كَشفِ الشُّبَهِ عنها ودَفعِها عنها، فلا يَنقُصُ وُضوحُها بإيرادِ الشُّبَهِ عليها، والمُرادُ أنَّه لا لَبسَ فيها ولا رَيبَ، بَل قدِ اتَّضَحَت اتِّضاحَ النَّهارِ، ومِنه يُعلَمُ أنَّه لا لَبسَ في دينِ اللهِ ولا يَحتاجُ إلى تكَلُّفاتِ المُتَكَلِّفينَ وغَيرِهم، لا يَزيغُ، أي: لا يَميلُ ولا يَضِلُّ عنها، أي: عن تلك المِلَّةِ الواضِحةِ إلى غَيرِها، إلَّا جاحِدٌ، أي: إلَّا شَخصٌ جاحِدٌ مُعرِضٌ عنِ الحَقِّ مائِلٌ عنه ضالٌّ، وفي رِوايةٍ: إلَّا هالِكٌ، أي: قد سَبَقَ عليه الهَلاكُ والحِرمانُ في عِلمِ اللهِ.
وفي الحَديثِ تَبيينُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأُمَّتِه الدِّينَ أتَمَّ البَيانِ.
وفيه بَيانُ أنَّ مَنِ انحَرَف عنِ الطَّريقِ الذي جاءَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فهو جاحِدٌ.
وفيه أنَّ الدِّينَ كامِلٌ ليسَ فيه نَقصٌ ولا يَحتاجُ إلى زيادةٍ .