انطَلَقتُ على عَهدِ عُثمانَ إلى المَدينةِ، فإذا قَومٌ مِنَ المُسلِمينَ جُلوسٌ، فقَرَأ أحَدُهم هذه الآيةَ: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]، فقال أكثَرُهم: لم يَجئْ تَأويلُ هذه الآيةِ اليَومَ.

الدلالات الموضوعية:# بيعة - خلافة عثمان# تفسير آيات - سورة المائدة# قرآن - كيف يفسر القرآن
المصدر: عمدة التفسير
الراوي: أبو مازن الأزدي
المحدث: أحمد شاكر
الحكم:إسناده صحيح

الشرح والتوضيح

قيلَ لابنِ عمرَ : لو جلَستَ في هذِهِ الأيَّامِ فلم تأمُرْ ولم تنهَ ، فإنَّ اللَّهَ قالَ : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ؟ فقالَ ابنُ عمرَ : إنَّها ليسَت لي ولا لأصحابي لأنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ : ألا فليبلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ .

فَكُنَّا نحنُ الشُّهودُ وأنتُمُ الغُيَّبُ ، ولَكِنَّ هذِهِ الآيةَ لأقوامٍ يَجيؤونَ من بعدِنا ، إن قالوا لم يُقبَلْ منهم الراوي : عبدالله بن عمر المحدث : أحمد شاكر المصدر : عمدة التفسير الصفحة أو الرقم: 1/749 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه الطبري في ((تفسيره)) (9/ 44)، والثعلبي في ((تفسيره)) (4/ 116) معلقًا، وابن مردويه كما في ((الدر المنثور)) (5/ 567) واللفظ لهم.

الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عنِ المُنكَرِ شَعيرةٌ من شَعائِرِ هذا الدِّينِ التي أمَرَ اللهُ تعالى بها، فقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] ، بل أثنى اللهُ تعالى على هذه الأمَّةِ لأمرِها بالمَعروفِ ونَهيِها عنِ المُنكَرِ، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] .

وفي هذا الحَديثِ أنَّه قيل لابنِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما: لو جَلستَ في هذه الأيَّامِ، أي: أيَّامَ زَمانِه التي هو فيها، ولعَلَّها كانت أيَّامَ الفِتَنِ أو نَحوَ ذلك، فلم تَأمُرْ ولم تَنهَ، أي: فتَترُكُ الأمرَ بالمَعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ، وتَقتَصِرُ على نَفسِك فقَط؛ فإنَّ اللَّهَ قال: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] ، أي: الزَموا إصلاحَ أنفُسِكُم، ولا يَضُرُّكُم ضَلالُ مَن ضَلَّ إذا كُنتُم مُهتَدينَ.

فقال لهمُ ابنُ عُمَرَ: إنَّها ليسَت لي ولا لأصحابي، أي: هذه الآيةُ ليسَ مقصودًا بها أنا وأصحابي؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ألا فليُبلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، أي: مَن كان حاضِرًا فسَمِعَ الذِّكرَ والأحاديثَ فعليه بتَبليغِه لمَن غابَ ومَن سَيَأتي مِن بَعدُ.

فكُنَّا نَحنُ الشُّهودَ، أي: كُنَّا نَحنُ الذينَ حَضَرنا عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنتُمُ الغُيَّب، أي: التَّابعونَ كُانوا الغائِبينَ، فنَحنُ نُبَلِّغُكُم ما سَمِعنا، ولكِنَّ هذه الآيةَ -أي: قَولَه تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] - هيَ لأقوامٍ يجيئون مِن بَعدِنا، أي: بَعدَ زَمانِنا، إن قالوا لم يُقبَلْ مِنهم، أي: إن أمَروا بالمَعروفِ أو نَهَوا عنِ المُنكَرِ لم يَسمَعْ أو يَستَجِبْ لهم أحَدٌ، فعِندَ ذلك فعليهم بأنفُسِهم ولا يَضُرُّهم ضَلالُ مَن ضَلَّ بَعدَ ذلك.

والمَقصودُ أنَّ الأمرَ بالمَعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ واجِبانِ ما قُبِلا، فإن رُدَّا في مِثلِ ذلك الزَّمَنِ فهذا هو وقتُ قَولِ: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}.

وفي الحَديثِ بَيانُ زَمَنِ مَن يَنطَبقُ عليه قَولُه تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} .

أحاديث ذات صلة