فرُدُّوه إلى عالِمِه [يعني حديث: لقد جلَسْتُ أنا وأخي مَجلسًا ما أحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعمِ، أقبَلْتُ أنا وأخي وإذا مَشيَخةٌ مِن صحابةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جُلوسٌ عندَ بابٍ مِن أبوابِه، فكرِهْنا أنْ نُفرِّقَ بينهم، فجلَسْنا حَجرَةً، إذ ذكَروا آيةً مِن القرآنِ، فتمارَوْا فيها، حتى ارتفَعَتْ أصواتُهم، فخرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُغضَبًا، قد احمَرَّ وَجهُه، يَرميهم بالتُّرابِ، ويقول: مَهلًا يا قَومِ، بهذا أُهلِكَتِ الأُممُ مِن قبلِكم، باختلافِهم على أنبيائِهم، وضربِهم الكتبَ بعضَها ببعضٍ، إنَّ القرآنَ لم ينزِلْ يكذِّبُ بعضُه بعضًا، بل يصدِّقُ بعضُه بعضًا، فما عرَفْتُم منه فاعمَلوا به، وما جهِلْتُم منه فرُدُّوه إلى عالمِه]
أخرجه أحمد (6702)، ومعمر بن راشد في ((الجامع)) (20367)، والآجري في ((الشريعة)) (1/ 467)، والبغوي في ((التفسير)) (7/ 138) واللفظ لهم.
نزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ ، والمِراءُ في القرآنِ كُفرٌ -قالها ثلاثًا - ما عرفتُمْ منهُ فاعملوا بِهِ ، وما جَهِلْتُم منهُ فردُّوهُ إلى عالمِهِ الراوي : أبو هريرة المحدث : أحمد شاكر المصدر : عمدة التفسير الصفحة أو الرقم: 1/355 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (4603)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8093) مختصراً، وأحمد (7989) باختلاف يسير.
من رحَمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ أنه أنزَل القرآنَ الكريمَ على أحرُفٍ وقِراءاتٍ تُوافِقُ لهجاتٍ عدةً، وكلُّها عربيَّةٌ؛ تَخفيفًا وتيسيرًا وتسهيلًا على المسلمين.
وفي هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "نزل القرآنُ على سبعةِ أحرُفٍ"، أي: نزَلَ بسَبعةِ أوجُهٍ، أو سَبْعِ لَهَجاتٍ، وقيل: سبْعُ قِراءاتٍ، وقِيل: سَبعةُ أحكامٍ، والمرادُ منها التَّسهيلُ والتيسيرُ.
وقيل: أُنزِلَ القرآنُ أولًا بلِسانِ قُريشٍ ومَن جاورَهم من العربِ الفُصحاءِ، ثُمَّ أُبيحَ للعربِ أنْ يَقرؤوه بلُغاتهم التي جرَتْ عادتُهم باستعمالها على اختِلافِهم في الألفاظِ والإعرابِ، ولم يُكلَّفْ أحدٌ منهم الانتقالَ من لُغتِه إلى لُغةٍ أخرى للمَشقَّةِ، ولِمَا كان فيهم مِن الحَمِيَّةِ، ولطلبِ تسهيلِ فَهْمِ المرادِ، وهذه الإباحةُ المذكورةُ لم تقَعْ بالتشهِّي بحيثُ يُغيِّرُ كلُّ أحدٍ الكلمةَ بمُرادفِها في لُغتِه، بل المُراعَى في ذلك السماعُ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
فأيُّ وجهٍ تقرأُ به الأُمَّةُ، وأيُّ لهجةٍ تيسَّرَت لها؛ فهي مقبولةٌ إن شاء الله؛ تيسيرًا وتخفيفًا، وليس المرادُ أن كلَّ كلمةٍ وكلَّ جملةٍ من القرآنِ تُقرَأُ على سَبعةِ أوجُهٍ، بل المرادُ أنَّ غايةَ ما انتَهى إليه عددُ القِراءاتِ في الكلمةِ الواحدةِ إلى سَبعةٍ، فإن قيل: فإنَّا نَجِدُ بعضَ الكلماتِ يُقرَأُ على أكثرَ من سَبعةِ أوجُهٍ، فالجوابُ: أنَّ غالِبَ ذلك إمَّا لا تَثبُتُ الزِّيادةُ، وإمَّا أن يكونَ من قَبيلِ الاختلافِ في كيفيَّةِ الأداءِ؛ كما في المدِّ والإمالةِ ونحوِهما، وقيل: ليس المرادُ بالسَّبعةِ حقيقةَ العددِ، بل المرادُ التَّسهيلُ والتَّيسيرُ.
ثم يحذِّرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فيقولُ: "المِراءُ"، أي: الجِدالُ، "في القُرآنِ كُفْرٌ"، وهو الجِدالُ الَّذي يُريدُ به صاحبُه تَكذيبَ القرآنِ، وقد أنزل سبحانه كتابَه على سبعةِ أحرُفٍ، فنهاهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن إنكارِ القراءةِ التي يَسمَع بعضُهم بعضًا يَقرؤُونها، وتوعَّدَهم بالكُفرِ عليها؛ لينتهوا عن المِراءِ فيه والتكذيبِ به، وقد كرَّر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الجملةَ ثلاثًا للتأكيدِ والإسماعِ، ثم قال: "ما عرفتم منه، فاعملوا به"، أي: اعمَلوا بما عَرَفْتم من الكتاب ما استطعتُم، "وما جَهِلتُم منه"، أي: خفِيَ عليكم من أحكامِهِ وغيرِها، "فرُدُّوه إلى عالِمِه"، أي: فتعلَّموه ممَّن هو أعلمُ منكم.
وفي الحديثِ: بيان خُطورةِ الجِدالِ في القُرآنِ( ).
مسند أحمد (11/ 304 ط الرسالة) :
6702 - حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة ، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا، قد احمر وجهه يرميهم بالتراب، ويقول: " مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه، فاعملوا به ، وما جهلتم منه، فردوه إلى عالمه "
الجامع - معمر بن راشد (11/ 216) :
20367 - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ، قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتدارءون في القرآن فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه
الشريعة للآجري (1/ 467) :
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال: حدثنا زهير بن محمد المروزي قال: أنا عبد الرزاق قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتدارءون في القرآن، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض وإنما كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه
تفسير البغوي - طيبة (7/ 138) :
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون في القرآن، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه"