كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مَسيرٍ له، فناموا عن صَلاةِ الفَجرِ، فاستَيقَظوا بحَرِّ الشَّمسِ، فارتفَعوا قَليلًا حتى استَقلَّتْ، ثم أمَرَ المؤَذِّنَ فأذَّنَ، ثم صَلَّى رَكعتَينِ قبلَ الفَجرِ، ثم أقامَ المؤَذِّنُ، فصَلَّى الفَجرَ.

الدلالات الموضوعية:# صلاة - السنن الرواتب# سفر - إذا ناموا في سفر عن صلاة الفجر# صلاة - من نام عن صلاة أو نسيها# اعتصام بالسنة - أوامر النبي ونواهيه وتقريراته# صلاة - صلاة الصبح
المصدر: تخريج سنن الدارقطني
الراوي: عمران بن الحصين
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الدارقطني (1437) واللفظ له، والبخاري (344)، ومسلم (682) بنحوه.

الشرح والتوضيح

خَطَبَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: إنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ المَاءَ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا، فَانْطَلَقَ النَّاسُ لا يَلْوِي أَحَدٌ علَى أَحَدٍ، قالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبيْنَما رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَسِيرُ حتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، وَأَنَا إلى جَنْبِهِ، قالَ: فَنَعَسَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَمَالَ عن رَاحِلَتِهِ، فأتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِن غيرِ أَنْ أُوقِظَهُ حتَّى اعْتَدَلَ علَى رَاحِلَتِهِ، قالَ: ثُمَّ سَارَ حتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ، مَالَ عن رَاحِلَتِهِ، قالَ: فَدَعَمْتُهُ مِن غيرِ أَنْ أُوقِظَهُ حتَّى اعْتَدَلَ علَى رَاحِلَتِهِ، قالَ: ثُمَّ سَارَ حتَّى إذَا كانَ مِن آخِرِ السَّحَرِ، مَالَ مَيْلَةً هي أَشَدُّ مِنَ المَيْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، حتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ، فأتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقالَ: مَن هذا؟ قُلتُ: أَبُو قَتَادَةَ، قالَ: مَتَى كانَ هذا مَسِيرَكَ مِنِّي؟ قُلتُ: ما زَالَ هذا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ، قالَ: حَفِظَكَ اللَّهُ بما حَفِظْتَ به نَبِيَّهُ، ثُمَّ قالَ: هلْ تَرَانَا نَخْفَى علَى النَّاسِ؟ ثُمَّ قالَ: هلْ تَرَى مِن أَحَدٍ؟ قُلتُ: هذا رَاكِبٌ، ثُمَّ قُلتُ: هذا رَاكِبٌ آخَرُ، حتَّى اجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ، قالَ: فَمَالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قالَ: احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا، فَكانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَالشَّمْسُ في ظَهْرِهِ، قالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قالَ: ارْكَبُوا، فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حتَّى إذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شيءٌ مِن مَاءٍ، قالَ: فَتَوَضَّأَ منها وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شيءٌ مَن مَاءٍ، ثُمَّ قالَ لأَبِي قَتَادَةَ: احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكونُ لَهَا نَبَأٌ، ثُمَّ أَذَّنَ بلَالٌ بالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الغَدَاةَ، فَصَنَعَ كما كانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَومٍ، قالَ: وَرَكِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَرَكِبْنَا معهُ، قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إلى بَعْضٍ ما كَفَّارَةُ ما صَنَعْنَا بتَفْرِيطِنَا في صَلَاتِنَا؟ ثُمَّ قالَ: أَما لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ، ثُمَّ قالَ: أَما إنَّه ليسَ فِيَّ النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْرِيطُ علَى مَن لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الأُخْرَى، فمَن فَعَلَ ذلكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كانَ الغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا، ثُمَّ قالَ: ما تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا؟ قالَ: ثُمَّ قالَ: أَصْبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ، فَقالَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ: رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بَعْدَكُمْ، لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ، وَقالَ النَّاسُ: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أَيْدِيكُمْ، فإنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَرْشُدُوا.

قالَ: فَانْتَهَيْنَا إلى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ، وَحَمِيَ كُلُّ شيءٍ، وَهُمْ يقولونَ: يا رَسولَ اللهِ، هَلَكْنَا، عَطِشْنَا، فَقالَ: لا هُلْكَ علَيْكُم، ثُمَّ قالَ: أَطْلِقُوا لي غُمَرِي قالَ: وَدَعَا بالمِيضَأَةِ، فَجَعَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً في المِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أَحْسِنُوا المَلأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى قالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حتَّى ما بَقِيَ غيرِي، وَغَيْرُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: ثُمَّ صَبَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ لِي: اشْرَبْ، فَقُلتُ: لا أَشْرَبُ حتَّى تَشْرَبَ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: إنَّ سَاقِيَ القَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا، قالَ: فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فأتَى النَّاسُ المَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً.

قالَ: فَقالَ عبدُ اللهِ بنُ رَبَاحٍ: إنِّي لأُحَدِّثُ هذا الحَدِيثَ في مَسْجِدِ الجَامِعِ، إذْ قالَ عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ انْظُرْ أَيُّهَا الفَتَى كيفَ تُحَدِّثُ، فإنِّي أَحَدُ الرَّكْبِ تِلكَ اللَّيْلَةَ، قالَ: قُلتُ: فأنْتَ أَعْلَمُ بالحَديثِ، فَقالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلتُ: مِنَ الأنْصَارِ، قالَ: حَدِّثْ، فأنتُمْ أَعْلَمُ بحَديثِكُمْ، قالَ: فَحَدَّثْتُ القَوْمَ، فَقالَ عِمْرَانُ: لقَدْ شَهِدْتُ تِلكَ اللَّيْلَةَ، وَما شَعَرْتُ أَنْ أَحَدًا حَفِظَهُ كما حَفِظْتُهُ.

الراوي : أبو قتادة الحارث بن ربعي المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 681 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (595) مختصراً باختلاف يسير الصَّلاةُ أعظَمُ أركانِ الإسْلامِ العَمليَّةِ، ولها أهمِّيَّتُها الخاصَّةُ في الشَّرعِ، وقدْ جعَلَ اللهُ تعالَى لها أوْقاتًا مَعلومةً تُؤدَّى فيها، ومَن فاتَه الوقتُ فعليه أنْ يَقْضيَها ولا يَترُكَها.

وفي هذا الحَديثِ يَرْوي أبو قَتادةَ الأنْصاريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خطَبَ في الجيشِ الَّذي خرَجَ فيه، وقال: «إنَّكم تَسيرونَ عَشيَّتَكم»، وهو منَ الظُّهرِ إلى المغرِبِ، أو هو آخِرُ النَّهارِ، «وليْلَتَكم»، والمَعنى: أنَّكم ستَخرُجونَ في طريقِ سَفرِكم في العَشيِّ، وتُكمِلونَ السَّيرَ اللَّيلَ كلَّه، «وَتَأْتُونَ المَاءَ -إنْ شَاءَ اللهُ- غَدًا»، أي: يصِلونَ إلى الماءِ في الصَّباحِ، وقولُه: «إنْ شَاءَ اللهُ» يُبيِّنُ امتثالَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأمرِ اللهِ تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23، 24] ، فيُقدِّمُ مَشيئةَ اللهِ في كلِّ أمرٍ مُستقبَليٍّ، فلمَّا سمِعَ النَّاسُ قولَه انْطَلَقوا مُسرعينَ في مَشيِهم «لا يَلْوي أحدٌ على أحدٍ»، أي: لا يَلتفِتُ إليه ولا يَعطِفُ عليه، بل يَمْشي كلُّ واحدٍ على حِدَتِه مِن غيْرِ أنْ يُراعيَ الصُّحبةَ؛ لاهْتمامِه بطَلَبِ الماءِ ووُصولِه إليه، «فبيْنَما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَسيرُ حتَّى ابْهَارَّ اللَّيلُ»، أي: انتصَفَ وتوسَّطَ وتَراكَمَتْ ظُلمتُه، أو ذهبَتْ عامَّتُه، أو بَقيَ نحوُ ثُلُثِه، وكانَ أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه بجِوارِه، فبَدَأ النُّعاسُ -وهو أوَّلُ النَّومِ- يَأْتي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يَسيرُ، فجَعَلَ يَميلُ حتَّى كادَ أنْ يَسقُطَ مِن على الدَّابَّةِ، فيُسنِدُه أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه حتَّى يَعتدِلَ، وحتَّى لا يقَعَ، وكلُّ ذلك دونَ أنْ يوقِظَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَكرَّرَ هذا الأمرُ منَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان ذلك في وقتِ «تَهوَّرَ اللَّيلُ»، أي ذهَبَ أكثَرُه، ويُسنِدُه أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه حتَّى لا يسقُطَ من على ركوبَتِه، وسارَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا كان آخِرُ السَّحَرِ -قُبيلَ طُلوعِ الفَجرِ- مالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَيلةً شَديدةً، حتَّى كادَ «يَنجفِلُ»، أي: يَنقلِبُ ويقَعُ، فأَتاهُ أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه ليُسنِدَه، فصار له كالدِّعامةِ تحْتَه، فاستَيقَظَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من نومِه ورفَعَ رأسَه، وسَألَ: مَن هذا الَّذي يُساعِدُني؟ فأجابَه أبو قَتادةَ بأنَّه الفاعلُ، فسأَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: منذُ متى؟ فأجابَ أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه ما زالَ يَحرُسُه ويَدعَمُه من أوَّلِ مرَّةٍ نامَ فيها هذه اللَّيلةَ، فدَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ له بأنْ يَحفَظَه اللهُ كما حَفِظَ رَسولَه، ثمَّ سأَلَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هلْ تَرانا نَخْفى على النَّاسِ؟»، أي: تأخَّرْنا عليهم في السَّيرِ وتَخلَّفْنا عنهم؛ وذلك أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يُدرِكْ بنُعاسِه كيف كان تأخُّرُه عنِ الجيشِ، وهو أيضًا إشارةٌ أنَّه لم يكُنْ معَه أحدٌ غيرُ أبي قَتادةَ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من عادَتِه أنَّه يَمْشي ويَسيرُ في مؤخِّرةِ الجيشِ لِيَرفُقَ بالجيشِ، ويَحمِلَ الضَّعيفَ، ويَحُثَّ المُتأخِّرَ، ثمَّ سأَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هل تَرى مِن أحدٍ؟» ليَستدِلَّ بذلك إنْ كان سيُسرِعُ بدابَّتِه أم يَسيرُ بها على ما هي عليه، فأجابَه أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه: هذا راكبٌ، وهذا راكبٌ آخرُ، أي: أنَّهم يَلحَقونَ بأفْرادِ الجيشِ واحدًا تلوَ الآخَرِ، فاجتَمَعوا حتَّى صاروا سَبعةً، فمالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنِ الطَّريقِ -تجنُّبًا أنْ يُصيبَهمُ الأذى ممَّا يطرُقُ الطَّريقَ منَ الهوامِّ وتحوَّلَ بمَن معَه لقَصدِ النَّومِ، فوَضَعَ رأسَه، وقد بيَّنتْ رِوايةُ البُخاريِّ أنَّ ميلَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان بطلَبٍ من بعضِ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم، فقال لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أخافُ أنْ تَناموا عنِ الصَّلاةِ، قال بلالٌ: أنا أوقِظُكم، فاضْطَجِعوا».

ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «احفَظوا علينا صَلاتَنا»، أي: وقتَها، وهي صلاةُ الصُّبحِ، فلا تُضيِّعوها بالنَّومِ عنها، فغلَبَ عليهمُ النَّومُ فرَقَدوا، واستغرَقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في النَّومِ، ولم يَستَيقِظوا لصَلاةِ الفَجرِ.

«فكان أوَّلَ مَنِ استَيْقَظَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والشَّمسُ في ظَهرِه»، وهو كنايةٌ عن أنَّ حرارتَها هي الَّتي أيْقظَتْه، قال أبو قَتادةَ: «فقُمْنا فَزِعينَ»، وسببُ فَزَعِهم ما أصابَهم من فواتِ صلاةِ الفجرِ بالنَّومِ، ثُمَّ أمَرَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَركَبوا دوابَّهم قبلَ أنْ يَقْضوا الفجرَ، وقد ذكَرَ في رِوايةٍ لمسلِمٍ من حديثِ أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه سببَ تحوُّلِهم منَ المكانِ قبلَ الصَّلاةِ، أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «فإنَّ هذا مَنزِلٌ حَضَرَنا فيه الشَّيْطَانُ»، فساروا حتَّى خرَجوا من ذلك المكانِ، وظَلُّوا سائرينَ حتَّى إذا ارتفَعتِ الشَّمسُ، وفي رِوايةٍ أُخْرى لمسلِمٍ من حديثِ عِمرانَ رَضيَ اللهُ عنه: «حتَّى إذا ابيَضَّتِ الشَّمسُ»، أي: ارتَفعَتْ وزالَتْ صُفرتُها أو حُمرتُها، والمرادُ به: مقدارُ ارتفاعِ الشَّمسِ الَّذي تَزولُ معَه كَراهةُ الصَّلاةِ بعدَ الشُّروقِ، نزَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن دابَّتِه، ثمَّ دَعا بمِيضأةٍ، وهي إناءٌ ومَطهَرةٌ كانت معَ أبي قَتادةَ، وكان فيها قَليلٌ مِنَ الماءِ، فتَوضَّأَ منها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «وُضوءًا دُونَ وُضوءٍ»، يَعني وُضوءًا وسَطًا؛ وذلك لقلَّةِ الماءِ، مُقتصِدًا في الإسْباغِ المُعتادِ، أو أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اقتصَرَ فيه على المرَّةِ الواحِدةِ، ولم يُكثِرْ صبَّ الماءِ؛ لأنَّه أرادَ أنْ يَفضُلَ منه فَضْلةٌ؛ لتَظهَرَ فيها بركتُه وكَرامتُه، ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأبي قَتادةَ: «احفَظْ علينا مِيضأتَكَ» بما فيها من ماءٍ، «فسَيَكونُ لها نَبأٌ»، أي: خبرٌ عَظيمٌ أو مُعجِزةٌ في المستَقبَلِ، من حصولِ البَرَكةِ للنَّاسِ.

ثمَّ أذَّنَ بلالٌ رَضيَ اللهُ عنه بالصَّلاةِ الفائتةِ، فصلَّى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أوَّلًا ركعَتَينِ سُنَّةَ الصُّبحِ، ثمَّ صلَّى فَرضَ الصُّبحِ قَضاءً، فكانت صلاتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمثلِ ما كان يُصلِّي كلَّ يوْمٍ أداءً، ولم يَختلِفِ القَضاءُ في شَيءٍ عنِ الأداءِ، وبعدَ انتهاءِ الصَّلاةِ ركِبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دابَّتَه، وركِبَ النَّاسُ دوابَّهم وخرَجوا سائرينَ في طَريقِهم، ولكنْ أخَذَ بعضُهم يَهمِسُ إلى بعضٍ سرًّا بصوتٍ مُنخفِضٍ: «ما كفَّارةُ ما صنَعْنا بتَفْريطِنا في صَلاتِنا؟» خافوا الإثْمَ والمؤاخَذةَ بذلك، فلمَّا سمِعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قولَهم، قال مُسلِّيًا لهم على ما أصابَهم منَ الحزنِ بسببِ فَواتِ الصُّبحِ: «أمَا لكم فيَّ أُسوةٌ؟!»، أي: اقْتداءٌ واتِّباعٌ، وظاهرُه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أفْهَمَهم أنَّ قَضاءَهم للصَّلاةِ هو كفَّارةٌ لتَركِها، ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ليس في النَّومِ تَفريطٌ» ولا تَقْصيرٌ في فوتِ الصَّلاةِ؛ لانْعِدامِ الاخْتيارِ منَ النَّائمِ، إنَّما يقَعُ التَّفريطُ وإثمُه على المُستَيقِظِ الَّذي لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتَّى يَجِيءَ وقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرى، فلم يُصلِّها عامدًا لتَرْكِها مُتهاوِنًا، ومُتكاسِلًا، «فمَن فعَلَ ذلك»، أي: نامَ عنِ الصَّلاةِ حتَّى خرَجَ وقتُها «فليُصلِّها حينَ يَنتبِهُ لها»، أي: بعْدَ أنْ يَستيقظَ، «فإذا كان الغدُ فليُصلِّها عندَ وقْتِها»، أي: لا يُؤخِّرُها عن وقتِها المعتادِ، وليس المَعنى: أنَّه يَقْضي الفائتةَ مرَّتَينِ: مرَّةً في الحالِ، ومرَّةً في الغدِ.

ثمَّ سأَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الحاضِرينَ معَه: «ما تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعوا؟» يقصِدُ مُقدِّمةَ الجيشِ ومَن سبَقَهم، فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتَساءلُ عن حالِهم وكونِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ متأخِّرًا عنهم على غيرِ العادةِ، ثُمَّ أجابَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن سؤالِه، وأخبَرَ مَن معَه أنَّ أبا بكرٍ وعُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما يَقولانِ في النَّاسِ: «رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْدَكم»، أي: خَلفَكم ومُتأخِّرٌ عنكم، ولم يأْتِ بعدُ؛ لأنَّه «لم يكُنْ ليُخلِّفَكم»، أي: يَسبِقَكم ويَترُكَكم، يَطلُبانِ منَ النَّاسِ أنْ يَنتظِروا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى يَلحَقَهم، وقال بعضُ النَّاسِ: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَبَقَنا وتَقدَّمَنا، يَطلُبونَ بذلك أنْ يَستَكمِلوا سَيرَهم، ولذلك قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فإنْ يُطيعوا أبا بكرٍ وعُمرَ يَرشُدوا»؛ لأنَّهما على الحقِّ والصَّوابِ؛ فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على الحالِ الَّتي أخبَرَ بها أبو بَكرٍ وعُمرُ رَضيَ اللهُ عنهما.

ثُمَّ أخبَرَ أبو قَتادةَ أنَّهم وَصَلوا إلى مقدِّمةِ الجيشِ الَّذي فيه أبو بكرٍ وعُمرُ رَضيَ اللهُ عنه، «حينَ امتَدَّ النَّهارُ»، أي: ارتفَعتْ شمسُه، «وحَمِيَ كلُّ شيءٍ»، أي: اشتَدَّتْ حَرارتُه، وكان النَّاسُ يَشكونَ التَّعبَ والمَشقَّةَ ويقولونَ: «يا رسولَ اللهِ، هلَكْنا»، أي: مِن حَرارةِ الهواءِ، و«عَطِشْنا» بسببِ عدمِ وجودِ الماءِ، فطَمْأنَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لا هَلاكَ يقَعُ عليهم، ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أَطْلِقُوا لي غُمَرِي»، أي فُكُّوا مَتاعي، وأخْرِجوا منه غُمَري وأْتوني به، والغُمَرُ: القَدحُ الصَّغيرُ، ودَعا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمِيضأةِ الَّتي كانت معَ أبي قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه، فشرَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بصَبِّ الماءَ في القَدحِ، وأبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه يَسْقيهم، فلمَّا رَأى النَّاسُ ماءً كثيرًا ينزِلُ مِنَ المِيضأةِ تجمَّعوا وتَزاحَموا على المِيضأةِ مباشرةً؛ ليَشرَبوا ويَمْلؤوا منه، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أحْسِنوا المَلأَ»، أي: الخُلُقَ والعِشرةَ فيما بينَكم عندَ الشُّربِ، وبشَّرَهم أنَّ كلَّهم سيَرْوى ويَشرَبُ مِن هذا الماءِ، فلا تَزْدَحموا، ولا تُسيؤوا أخْلاقَكم بالتَّدافُعِ، فامْتَثَلوا لأمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فجعَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يصُبُّ، ويَسْقيهم أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه، حتَّى إذا لم يبْقَ إلَّا أبو قَتادةَ ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، صبَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقال لأبي قَتادةَ: «اشرَبْ»، فقال أبو قَتادةَ رَضيَ اللهُ عنه تأدُّبًا: «لا أشرَبُ حتَّى تَشرَبَ يا رسولَ اللهِ»، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ ساقيَ القومِ آخِرُهم شُرْبًا»، فشَرِبَ أبو قَتادةَ، وشَرِبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آخِرَ النَّاسِ، وهذا أدبٌ من آدابِ شاربي الماءِ.

وبعدَ ذلك وصَلَ النَّاسُ إلى مكانِ الماءِ الَّذي أخبَرَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَما خطَبَهم في اليومِ الأوَّلِ، «جامِّينَ»، أي: مُستَريحينَ صَالِحي الأحْوالِ، «رِواءً» مُمْتَلئينَ مِنَ الماءِ.

وذكَرَ التَّابِعيُّ عبْدُ اللهِ بنُ رَباحٍ أنَّه كان يُحدِّثُ بهذا الحديثِ في المَسجِدِ الجامعِ، أي: بالبَصرةِ، فقال له عِمرانُ بنُ حُصَينٍ رَضيَ اللهُ عنه: «انظُرْ أيُّها الفَتى كيف تحدِّثُ!»، أي: أيَّ تَحديثٍ تُحدِّثُ، أو: على أيِّ حالٍ تُحدِّثُ، «فإنِّي أحدُ الرَّكبِ تلك اللَّيلةَ»، والمَعنى: انتَبِهْ أيُّها الفَتى، وحدِّثْ بدقَّةٍ؛ فإنِّي أحدُ مَن شهِدَ هذه الواقعةَ، وسأُقابلُ ما تُحدِّثُ به على ما شاهَدْتُه منها، فأجابَهُ: «أنتَ أعلَمُ بالحديثِ» ما دُمتَ كنتَ مِنَ الرَّكبِ وحضَرْتَ الواقعةَ، فقال له عِمرانُ رَضيَ اللهُ عنه: «ممَّن أنتَ؟» فقال: «مِنَ الأنْصارِ» وهم أهلُ المدينةِ، فأمَرَه عِمرانُ رَضيَ اللهُ عنه أنْ يحدِّثَ مُثنيًا على الأنْصارِ قال: «فأنتم أعلَمُ بحَديثِكم»، فلمَّا حدَّثَ عبدُ اللهِ، وانْتَهى من حديثِه، وكان موافقًا لمَا عندَ عِمْرانَ، قال له عِمْرانُ رَضيَ اللهُ عنه: «لقدْ شَهِدتُ تلك اللَّيلةَ، وما شَعَرتُ أنَّ أحدًا حَفِظَه كما حَفِظتُه» فهو ثناءٌ عليه بحفظِ الحَديثِ على وَجهِه، واستِغرابٌ لحفظِه هذا الحفظَ، معَ أنَّه لم يشهَدِ الواقعةَ.

وفي الحَديثِ: أنَّ ساقيَ القَومِ آخرُهم شُربًا.

وفيه: أنَّ مَن نامَ عنِ الصَّلاةِ فعليه قَضاءُ الصَّلاةِ الَّتي فاتَتْه.

وفيه: مُعجِزةٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في إنْبائِه ببعضِ الغَيبِ بإخْبارِ اللهِ له، والبَرَكةِ والزِّيادةِ في الماءِ القَليلِ.

وفيه: خِدمةُ الأفاضِلِ، ولا سيَّما في السَّفرِ.

وفيه: بيانُ بعضِ آدابِ الرَّاحةِ في السَّفرِ، وهو أنْ يتجنَّبَ الطَّريقَ.

وفيه: الدُّعاءُ لمَن أحسَنَ بالخِدمةِ؛ مُكافأةً على إحْسانِه.

وفيه: التَّأسُّفُ والتَّحزُّنُ على ما فات منَ الخيرِ، وإنْ كان لا تَفريطَ فيه.

وفيه: قَضاءُ النَّافلةِ.

وفيه: الحثُّ على تَحسينِ الخُلقِ بينَ النَّاسِ، ولا سيَّما في محلِّ المزاحَمةِ والمُضايَقةِ.

الأصول والأحكام

سنن الدارقطني (2/ 224) :

1437 - حدثنا محمد بن يحيى بن هارون الأسكافي ، ثنا إسحاق بن شاهين أبو بشر ، نا خالد بن عبد الله ، عن يونس ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فناموا عن صلاة الفجر فاستيقظوا بحر الشمس ‌فارتفعوا ‌قليلا ‌حتى ‌استقلت ‌ثم ‌أمر ‌المؤذن فأذن ، ثم صلى ركعتين قبل الفجر ثم أقام المؤذن فصلى الفجر

[صحيح البخاري] (1/ 76) :

344 - حدثنا مسدد قال: حدثني يحيى بن سعيد قال: حدثنا عوف قال: حدثنا أبو رجاء، عن عمران قال: كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، ‌وكان ‌أول ‌من ‌استيقظ ‌فلان، ‌ثم ‌فلان، ‌ثم فلان يسميهم أبو رجاء فنسي عوف ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلا جليدا، فكبر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير، حتى استيقظ بصوته النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: لا ضير، أو لا يضير، ارتحلوا.

فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟.

قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك.

ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف ودعا عليا فقال: اذهبا فابتغيا الماء.

فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين، أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوفا، قالا لها: انطلقي إذا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثاه الحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها.

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء، ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزالي، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء واستقى من شاء، وكان آخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه عليك.

وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايم الله لقد أقلع عنها، وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لها.

فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعاما فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا، ولكن الله هو الذي أسقانا.

فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء تعني: السماء والأرض أو إنه لرسول الله حقا.

فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يوما لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام.

[صحيح مسلم] (2/ 140) :

(682) وحدثني أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي ، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد ، حدثنا سلم بن زرير العطاردي قال: سمعت أبا رجاء العطاردي ، عن عمران بن حصين قال: كنت مع نبي الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فأدلجنا ليلتنا، حتى إذا كان في وجه الصبح عرسنا، فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس.

قال: فكان أول من استيقظ منا أبو بكر، وكنا لا نوقظ نبي الله صلى الله عليه وسلم من منامه إذا نام ‌حتى ‌يستيقظ، ‌ثم ‌استيقظ ‌عمر، ‌فقام عند نبي الله صلى الله عليه وسلم فجعل يكبر، ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال: ارتحلوا.

فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس، نزل فصلى بنا الغداة.

فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا.

فلما انصرف قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فلان، ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: يا نبي الله، أصابتني جنابة.

فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فتيمم بالصعيد فصلى، ثم عجلني في ركب بين يديه نطلب الماء، وقد عطشنا عطشا شديدا.

فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: أيهاه أيهاه، لا ماء لكم! قلنا: فكم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: مسيرة يوم وليلة، قلنا: انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها شيئا حتى انطلقنا بها، فاستقبلنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها فأخبرته مثل الذي أخبرتنا وأخبرته أنها موتمة لها صبيان أيتام، فأمر براويتها فأنيخت فمج في العزلاوين العلياوين.

ثم بعث براويتها فشربنا ونحن أربعون رجلا عطاش حتى روينا، وملأنا كل قربة معنا وإداوة وغسلنا صاحبنا، غير أنا لم نسق بعيرا وهي تكاد تنضرج من الماء - يعني المزادتين -.

ثم قال: هاتوا ما كان عندكم، فجمعنا لها من كسر وتمر وصر لها صرة، فقال لها: اذهبي، فأطعمي هذا عيالك.

واعلمي أنا لم نرزأ من مائك.

فلما أتت أهلها قالت: لقد لقيت أسحر البشر، أو إنه لنبي كما زعم كان من أمره ذيت وذيت، فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا .

أحاديث ذات صلة