أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال وهو في بعضِ أسفارِه، -وقد تَفاوَتَ بيْنَ أصحابِه السَّيرُ- رَفَعَ بهاتَينِ الآيتَينِ صَوتَه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ} [الحج: 1 - 2] حتى بَلَغَ آخِرَ الآيتَينِ، قال: فلمَّا سَمِعَ أصحابُه بذلك حَثُّوا المَطيَّ، وعَرَفوا أنَّه عندَ قَولٍ يقولُه، فلمَّا تَأشَّبوا حَولَه، قال: أتَدرونَ أيُّ يومٍ ذاك؟ قال: ذاك يومٌ يُنادى آدَمُ؛ فيُناديه ربُّه فيَقولُ: يا آدَمُ، ابعَثْ بَعْثًا إلى النَّارِ، فيَقولُ: يا ربِّ، وما بَعْثُ النَّارِ؟ قال: مِن كلِّ ألْفٍ تِسعَ مِئةٍ وتِسعةً وتِسعينَ في النَّارِ، وواحدٌ في الجنَّةِ، قال: فأبلَسَ أصحابُه حتى ما أَوضَحوا بضاحكةٍ، فلمَّا رأى ذلك قال: اعمَلوا وأبشِروا، فوالذي نَفْسُ محمَّدٍ بيَدِه إنَّكم لمع خَليقتَينِ ما كانتَا مع شيءٍ قَطُّ إلَّا كَثَّرَتاه: يأجوجَ ومَأجوجَ، ومَن هَلَكَ مِن بَني آدَمَ وبَني إبليسَ، قال: فأُسريَ عنهم، ثُمَّ قال: اعمَلوا وأبشِروا، فوالذي نَفْسُ محمَّدٍ بيَدِه ما أنتم في النَّاسِ إلَّا كالشَّامةِ في جَنبِ البَعيرِ -أو: الرَّقْمةِ في ذِراعِ الدَّابَّةِ.

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة الحج# مناقب وفضائل - أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم# جهنم - من أكثر أهل النار# قيامة - أهوال يوم القيامة# أشراط الساعة - يأجوج ومأجوج
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: عمران بن الحصين
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الترمذي (3168)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11340)، وأحمد (19901) واللفظ له

الشرح والتوضيح

نزلَتْ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} حتَّى إلى : {عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} .

.

.

الآيةُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في مَسيرٍ ، فرجَّعَ بها صوتَهُ حتَّى ثابَ إليه أصحابُهُ ، فقال : أتدرونَ أيُّ يومٍ هذا ؟ هذا يومٌ يقولُ اللهُ لآدمَ : يا آدمُ ! قمْ ، فابعَثْ بعثَ النَّارِ من كلِّ ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةٍ وتسعين ! فكبُرَ ذلك على المسلمينَ ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : سدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا ! فوالَّذي نفسي بيدِهِ ما أنتم في النَّاسِ إلَّا كالشَّامةِ في جنبِ البعيرِ ، أو كالرُّقمةِ في ذراعِ الدَّابَّةِ ، وإنَّ معكم لخليقتَينِ ما كانتا في شيءٍ قطُّ إلَّا كثَّرتاهُ : يأجوجُ ومأجوجُ ، ومن هلكَ من كفَرةِ الجنِّ والإنسِ الراوي : أنس بن مالك المحدث : ابن جرير الطبري المصدر : تفسير الطبري الصفحة أو الرقم: 10/1/145 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو يعلى (3122)، والطبري في ((التفسير)) (18/561) واللفظ له، وابن حبان (7354) يَومُ القِيامَةِ هَولُه على النَّاسِ شَديدٌ؛ فمنهم شَقيٌّ وسَعيدٌ، والسَّعيدُ هو مَن وفَّقَه المَولى الجَليلُ لِلجَنَّةِ، وحجَبَ عنه لهَبَ النَّارِ وحَريقَها، وفي هذا الحَديثِ صُورةٌ من هذا الهَولِ الذي يكونُ يَومَ القِيامَةِ، لا سِيَّما وهو يُظهِرُ نِسبَةَ أهلِ الجَنَّةِ مُقارَنَةً بأهلِ النَّارِ.

وفيه يَقولُ أنسُ بنُ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه: "نَزَلتْ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1، 2] على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو في مَسيرٍ"، أي: أنَّ أوَّلَ آيتَينِ من سورة الحَجِّ نَزَلتْ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو في سَفَرٍ بَعيدٍ عن بَيتِه وأهْلِه، "فرجَّعَ بها صَوتَه"، أي: فظَلَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُردِّدُها "حتى ثابَ إليه أصحابُه"، أي: حتى رجَعَ وانتَبَهَ أصحابُه إلى تَرديدِه الآيةَ، "فقال: أتَدرونَ أيَّ يَومٍ هذا؟" لَمَّا رَأى منهم ذلك، سأَلَهم أتَدرونَ أيَّ الأيَّامِ تتعلَّقُ به هذه الآياتُ وتَقصِدُه، فسَكَتَ أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكانتْ تلك عادَتَهم تَأدُّبًا وتَوقيرًا معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "هذا يَومُ يَقولُ اللهُ لآدَمَ: يا آدَمُ، قُمْ فابعَثْ بَعْثَ النَّارِ"، أي: هذا يَومُ القِيامَةِ، وبَعْثُ النَّارِ: الذين كُتِبَ عليهم دُخولُها من ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ومعنى أَخرِجْ بَعْثَ النَّارِ: مَيِّزْ أهلَ النَّارِ من غَيرِهم، "مِن كُلِّ أَلْفٍ تِسعَ مِئَةٍ وتِسعَةً وتِسعينَ" وهو بيانٌ لِمَا عليه أكثَرُ وَلَدِ آدَمَ؛ "فكَبُرَ ذلك على المُسلِمينَ"، أي: لَمَّا سَمِعَ أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك شَقَّ عليهم وعَظُمَ، فلمَّا رَأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الأمْرَ هالَهم أرادَ أنْ يُطَمئِنَهم ويُخفِّفَ عنهم، فقال: "سَدِّدوا وقارِبوا وأَبشِروا!"، أي: لا يَهولَنَّكم الأمْرُ كثيرًا، ولكن اعْمَلوا، ومعنى: سدِّدوا، أي: اطْلُبوا بنِيَّاتِكم السَّدادَ، وهو القَصدُ المُستقيمُ الذي لا مَيلَ فيه، ومعنى: قارِبوا تأكيدٌ للتَّسديدِ من حيثُ المعنى، أي: افْعَلوا ما بوُسعِكم، واطْلُبوا الطَّريقَ المُستقيمَ، ثم أرادَ أنْ يُبشِّرَهم، فقال لهم: "فوالذي نَفْسي بيَدِه"، أي: قاسِمًا باللهِ عزَّ وجلَّ؛ وذلك لأنَّ اللهَ هو الذي يَملِكُ الأنْفُسَ، وكَثيرًا ما كان يُقسِمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بهذا القَسَمِ، "ما أنتم في النَّاسِ إلَّا كالشَّامَةِ في جَنبِ البَعيرِ"، والشَّامَةُ: عَلامةٌ ذاتُ لَونٍ تَظهَرُ في البَدَنِ، يُخالِفُ لَونُها لَونَ سائِرِ البَدَنِ، ويكونُ حَجمُها ضَئيلًا مُقارَنَةً بلَونِ الأصلِ، "أو كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدَّابَّةِ"، والرَّقْمَةُ: النَّاتِئُ الذي يكونُ في الذِّراعِ، وقيل: الدَّائرةُ التي تكونُ عليه، ثم أرادَ أنْ يَزيدَ في تَبشيرِهم وليُعلِمَهم ممَّن سيكونُ التِّسعَ مِئةِ والتِّسعينَ، فقال: "وإنَّ معكم لخَليقَتينِ ما كانَتا في شَيءٍ قَطُّ إلَّا كثَّرَتاه: يَأجوجَ ومَأجوجَ، ومَن هَلَكَ مِن كَفَرةِ الجِنِّ والإنسِ"، أي: لا تَخافوا؛ فبَعثُ النَّارِ الذي يُخرِجُه آدَمُ عليه السَّلامُ سيكونُ فيما سيُغَلَّبُ منه: قَومُ يَأجوجَ ومَأجوجَ، وكذلك كَفَرةُ الجِنِّ والإنسِ.

وفي الحديثِ: الحثُّ على الطَّاعةِ، وأنْ يكونَ المُسلِمُ حَريصًا عليها؛ تَحسُّبًا لهذا اليَومِ العَظيمِ.

وفيه: بيانُ مَزيدٍ من خَصائِصِ هذه الأُمَّةِ المُحمَّديَّةِ بتَفضُّلِ اللهِ عليها ورَحمَتِه إيَّاها( ).

أحاديث ذات صلة