- جاء رجلٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ، فقال: يا ابنَ عبَّاسٍ، أرأيتَ رجُلًا قتَل مؤمنًا؟ قال: فقال ابنُ عبَّاسٍ: {جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] إلى آخِرِ الآيةِ، قال: فقال: يا ابنَ عبَّاسٍ، أرأيتَ إنْ تاب وآمَنَ وعمِل صالحًا؟ قال: ثكِلَتْه أُمُّه ، وأنَّى له التوبةُ؟ وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ المقتولَ يجيءُ يومَ القيامةِ مُتعلِّقًا رأسَه بيمينِه -أو قال: بشِمالِه- آخِذًا صاحبَه بيدِه الأخرى، تشخُبُ أَوْداجُه دمًا، في قُبُلِ عرشِ الرحمنِ، فيقولُ: ربِّ، سَلْ هذا: فيمَ قتَلني؟.
أخرجه الترمذي (3029) بنحوه، والنسائي (3999) مختصراً، وابن ماجه (2621) باختلاف يسير، وأحمد (2683) واللفظ له
يجيئُ المقتولُ بالقاتلِ يومَ القيامةِ ناصيتُهُ ، ورأسُهُ في يدِهِ ، وأوداجُهُ تشخُبُ دمًا يقولُ : يا ربِّ قتلَني ، حتَّى يُدنيهِ من العرشِ ، قال : فذكروا لابنِ عبَّاسٍ التَّوبةَ ؟ فتَلا هذه الآيةَ : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } ، قال : ما نُسِختْ منذ نزلَتْ ، وأنَّى له التَّوبةُ ؟ ! الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : الألباني المصدر : صحيح النسائي الصفحة أو الرقم: 4016 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه الترمذي (3029)، والنسائي (4005) واللفظ له.
حرَّمَ اللهُ سُبحانَه سفْكَ الدِّماءِ المعصومةِ بغيرِ حَقٍّ، وتوعَّدَ مَن سفَكَها عمْدًا بالعذابِ الأليمِ، والخُلودِ في دارِ الجَحيمِ، والله عزَّ وجلَّ حَكَمٌ عدَلٌ لا تَضيعُ عِندَه الحقوقُ، بل يُوفِّيها لأصحابِها يومَ القِيامةِ، ومِن ذلك تَوفيةُ حقِّ مَن قُتِلَ ظُلمًا ممَّن ظَلَمَه.
وفي هذا الحديثِ يُخْبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قال: "يَجِيءُ المقتولُ بالقاتلِ يومَ القِيامةِ ناصيتُه"، أي: أعلى مُقدِّمِ رأْسِه، "ورأْسُه"، أي: وباقي رأْسِه، "في يَدِه"، أي: مُمسِكٌ المقتولُ برأْسِ القاتلِ، "وأوداجُه" جمعُ ودَجٍ، وهي ما أحاط بالعُنقِ من العُروقِ الَّتي يقطَعُها الذَّابحُ، وهما: عِرْقانِ على جانبيِ العُنقِ، والضَّميرُ يعودُ على المقتولِ، "تَشخُبُ دَمًا"، أي: يَسيلُ منها الدَّمُ، "يقولُ: يا رَبِّ قَتَلني، حتَّى يُدْنِيَه"، أي: يُقرِّبَه، "من العرشِ"، وفي روايةٍ: "رَبِّ، سَلْ هذا: لِمَ قَتَلني؟"، وهذا تأكيدٌ لمُحاسبةِ القاتلِ، وأنَّه يأتي بين يَدَيِ اللهِ يومَ القِيامةِ.
قال عمرُو بنُ دِينارٍ: "فذَكَروا لابنِ عبَّاسٍ التَّوبةَ"، أي: سأَلُوه عن تَوبةِ القاتلِ: هلْ تنفَعُه يَومئذٍ؟ فتلَا ابنُ عبَّاسٍ هذه الآيةَ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] ، ثُمَّ قال ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: ما نُسِخَت منذُ نُزِلَت، وأنَّى له التَّوبةُ؟!"، وظاهرُ كلامِ ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه لا تَوبةَ لقاتلِ النَّفسِ المُؤمنةِ عمْدًا.
وقيل: إنَّ قولَ ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما بعدَمِ النَّسخِ في تلك الآيةِ، هذا تَغليظٌ منه، كيف والمُشرِكُ تُقبَلُ تَوبتُه؟ وقد قال تعالى فيه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، وكان يتمسَّكُ بظاهرِ قولِه تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] الآيةَ، ويُجيبُ عن قولِه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الفرقان: 68] تارةً بالنَّسخِ، وتارةً بأنَّ ذاك إذا قتَلَ وهو كافرٌ، ثمَّ أسلَمَ، لكنْ قال العُلماءُ: إنَّ قولَه تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} مُقيَّدٌ بالموتِ بلا تَوبةٍ، ويُؤوِّلونَ ذلك بأنَّ المُرادَ بالخُلودِ طُولُ المُكْثِ، وبأنَّ هذا بيانُ ما يَستحِقُّه بعمَلِه، كما يُشيرُ إليه قولُه: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}، ثمَّ أمْرُه إلى اللهِ تعالى؛ إنْ شاء عذَّبَه، وإنْ شاءَ عَفا عنه.
وفي الحديثِ: عِظَمُ أمْرِ الدَّمِ والقتْلِ.
[سنن الترمذي] (5/ 240) 3029- حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما، يقول: يا رب، قتلني هذا، حتى يدنيه من العرش)) قال: فذكروا لابن عباس، التوبة، فتلا هذه الآية: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93]، قال: ((ما نسخت هذه الآية، ولا بدلت، وأنى له التوبة)): هذا حديث حسن.
وقد روى بعضهم هذا الحديث، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، نحوه ولم يرفعه
[سنن النسائي] (7/ 159) ((3999- أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد أن ابن عباس سئل عمن قتل مؤمنا متعمدا، ثم تاب، وآمن، وعمل صالحا، ثم اهتدى، فقال ابن عباس: وأنى له التوبة، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ((يجيء المقتول متعلقا بالقاتل تشخب أوداجه دما، فيقول: أي رب، سل هذا فيم قتلني؟!)) ثم قال: والله لقد أنزلها الله، ثم ما نسخها))
[سنن ابن ماجه] (2/ 874 ) ((2621- حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل ابن عباس عمن قتل مؤمنا متعمدا ثم تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، قال: ويحه، وأنى له الهدى؟ سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: (( يجيء القاتل والمقتول يوم القيامة متعلق برأس صاحبه يقول: رب سل هذا لم قتلني؟)) والله لقد أنزلها الله عز وجل على نبيكم، ثم ما نسخها بعدما أنزلها))
[مسند أحمد] (4/ 420 ط الرسالة) ((2683- حدثنا يونس، حدثنا عبد الواحد، حدثنا يحيى بن عبد الله، قال: حدثنا سالم بن أبي الجعد، قال: جاء رجل إلى ابن عباس ، فقال: يا ابن عباس، أرأيت رجلا قتل مؤمنا؟ قال: فقال ابن عباس: {جزاؤه جهنم خالدا فيها} إلى آخر الآية [النساء: 93]، قال: فقال: يا ابن عباس: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا؟ قال: ثكلته أمه، وأنى له التوبة؟! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن المقتول يجيء يوم القيامة متعلقا رأسه بيمينه- أو قال: بشماله- آخذا صاحبه بيده الأخرى، تشخب أوداجه دما، في قبل عرش الرحمن، فيقول: رب، سل هذا فيم قتلني؟))