عنِ المُخارِقِ، قال: خرَجْنا حُجَّاجًا، فلمَّا بلَغْنا الرَّبَذةَ قُلْتُ لأصْحابي: تَقدَّموا، وتَخلَّفْتُ، فأتَيْتُ أبا ذَرٍّ، وهو يُصلِّي، فرَأيْتُه يُطيلُ القيامَ، ويُكثِرُ الركوعَ والسجودَ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: ما ألَوْتُ أنْ أُحسِنَ، إنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن ركَعَ رَكعةً، أو سجَدَ سَجدةً؛ رُفِعَ بها دَرجةً، وحُطَّتْ عنه بها خَطيئةٌ.
أخرجه أحمد (21308) واللفظ له، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (2730)، والبيهقي (4883)
أنشأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم غزوةً فأتيتُه فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ادْعُ اللهَ لي بالشَّهادةِ ، فقال : اللَّهمَّ سلِّمْهم وغنِّمْهم قال : فسلَّمنا وغنَّمنا .
قال : ثمَّ أنشأ غزوًا ثالثًا فأتيتُه ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ إنِّي أتيتُك مرَّتَيْن قبلَ مرَّتي هذه فسألتُك أن تدعوَ اللهَ لي بالشَّهادةِ فدعوتَ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُسلِّمَنا ويُغنِّمَنا ، فسلَّمنا وغنَّمنا يا رسولَ اللهِ فادْعُ اللهَ لي بالشَّهادةِ .
فقال : اللَّهمَّ سلِّمْهم وغنِّمْهم ، قال : فسلَّمنا وغنَّمنا .
ثمَّ أتيتُه فقلتُ : يا رسولَ اللهِ مُرْني بعملٍ .
قال : عليك بالصَّومِ فإنَّه لا مثلَ له .
قال : فما رُئي أبو أمامةَ ولا امرأتُه ولا خادمُه إلَّا صِيامًا .
قال : فكان إذا رُئِي في دارِهم دُخانٌ بالنَّهارِ قيل اعتراهم ضَيْفٌ ، نزل بهم نازلٌ .
قال : فلبِث بذلك ما شاء اللهُ ، ثمَّ أتيتُه فقلتُ : يا رسولَ اللهِ أمرتَنا بالصِّيامِ فأرجو أن يكونَ قد بارك اللهُ لنا فيه ، يا رسولَ اللهِ فمُرْني بعملٍ آخرَ .
قال : اعلَمْ أنَّك لن تسجُدَ للهِ سجدةً إلَّا رفع اللهُ لك بها درجةً وحطَّ عنك بها خطيئةً الراوي : أبو أمامة الباهلي المحدث : الوادعي المصدر : صحيح دلائل النبوة الصفحة أو الرقم: 273 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أحمد (22140)، وعبد الرزاق (7899)، وابن حبان (146)، والطبراني (8/ 91) (7463) واللفظ لهم.
كان الصَّحابةُ رضِي اللهُ عنهم -لحِرصِهم على الطَّاعاتِ وما يُقرِّبُ مِن رِضا اللهِ عزَّ وجلَّ- كثيرًا ما يَسأَلون النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن أفضلِ الأعمالِ، وأكثرِها قُربةً إلى اللهِ تعالى؛ فكانتْ إجاباتُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تختلِفُ باختلافِ أشخاصِهم وأحوالِهِمْ، وما هو أكثرُ نفعًا لكلِّ واحدٍ منهم.
وفي هذا الحَدِيثِ يقولُ أبو أُمَامَةَ رضِي اللهُ عنه: "أَنْشَأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم غزْوةً" يعني: جهَّز الجيشَ لِيَغْزُوَ في سبيلِ اللهِ، وكان أبو أُمَامَةَ من الخَارِجِينَ في هذا الغَزْو، قال: "فَأَتَيْتُهُ"، أي: جئْتُ إليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "فقُلْت: يا رسولَ الله، ادْعُ اللهَ لي بالشَّهَادة"، أي: أنْ يَرْزُقَني اللهُ الموْتَ شهيدًا في سَبيلِهِ؛ وطَلَبَ ذلك لأنَّ الشَّهيدَ له مَنْزِلَةٌ عاليةٌ عند ربِّه، ودعْوَتُهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُجابةٌ، فقال النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "اللَّهُمَّ سلِّمْهم وغَنِّمْهم"، أيْ: دَعَا لهم أنْ يَعودوا سَالِمين فلا يُصابوا بسُوءٍ، وغَانِمين، أيْ: فَائِزين مُنْتصِرين ومعهم غنائِمُ الحَرْب، فاستجابَ الله لنبِيِّه فَعَادوا سَالِمين غَانِمين.
ثم تَكرَّر الغزوُ والخروجُ في سبيل اللهِ ثانيةً وثالثةً، وفي كلِّ مرَّةٍ يَسألُ أبو أُمَامَةَ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الدُّعاءَ له بالشَّهَادة، وكان دُعاءُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمِثْل دُعَائِهِ في الخروجِ الأوَّلِ، وهو أن يَعودوا سَالِمين غَانِمين، كما قال أَبو أُمَامَة: "فقُلْت: يا رسولَ الله، إنِّي أتيْتُك مرَّتينِ قبل مَرَّتي هذه، فسألْتُك أنْ تدعُوَ اللهَ لي بالشَّهَادة فدعوْتَ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُسلِّمَنا ويُغنِّمَنا، فسلَّمَنا وغنَّمَنا يا رسولَ الله؛ فادْعُ اللهَ لي بالشَّهَادة" وهذا مِن حِرْصِ أبي أُمَامةَ على الاستشهادِ في سبيلِ الله "فقال: اللَّهمَّ سَلِّمْهم وغَنِّمْهم"، ولعلَّ هذه الإجابةَ من النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لأنَّه يعلَمُ الخيرَ له، وأنَّ العملَ الصالحَ مع النِّيَّة الصَّادقةِ لله يرفَعُ درجةَ العَبْدِ عندَ الله، "قال : فَسلَّمَنا وغنَّمَنا"، أي: سَلِمَ في جَسَده ورَجَعَ بأَجْرِ الجِهَادِ مع غَنيمةِ الحَرْبِ، قال أبو أُمَامَةَ رضِي اللهُ عنه "ثم أَتَيْتُهُ فقُلْت: يا رسولَ الله: مُرْني بعَمَل"، أي: أَوْصِني بعِبَادةٍ تُناسِب حالي أَنالُ به أجرًا عند ربِّي وأتقرَّبُ بها إليه، فأوْصَاه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: "عليك بالصَّوْمِ"، أي: الْزَمِ الصَّوْمَ، وأَكْثِرْ منه؛ "فَإنَّه لا مِثْلَ له"، أي: لا نَظِيرَ له في كَثْرة الأَجْر والثَّواب.
قال التابعِيُّ رَجَاءُ بن حَيْوَةَ -راوي الحَدِيث عن أبي أُمَامَة-: "فَمَا رُئِيَ أبو أُمَامةَ ولا امرأتُهُ ولا خادِمُهُ إلَّا صِيَامًا"، أيْ: فما كان من أبي أُمَامةَ رضِي اللهُ عنه إلَّا أنَّه استجابَ لوَصِيَّة رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأمْرِه، وسارَع إلى ذلك؛ فكان هو وامرأتُهُ وخادِمُهُ يُكثِرون من صِيامِ التطوُّعِ، "فكان إذا رُئِيَ في دَارِهم دُخَانٌ بالنَّهَارِ"، وهذا كِنَايةٌ عن تَحْضيرِ الطَّعامِ وأنَّهم ليسوا صَائِمِين، "قيل: اعْتَرَاهُمْ ضَيْفٌ"، أي: جَاءَهُمْ ضَيْفٌ، "نزَلَ بهم نَازِلٌ"، أي: إذا نَزَلَ بهم أَحَدٌ أَفْطروا ليأكْلوا معه وليُشَاركوه إكرامًا للضَّيْف.
قال رَجَاءٌ: "فَلَبِثَ بذلك ما شَاءَ الله"، أي: ظلُّوا على هذا العملِ مُدَاوِمين عليه، قال أبو أُمامةَ رضِي اللهُ عنه: "ثم أَتَيْتُهُ، فقُلْت: يا رسولَ الله، أَمَرْتَنَا بالصِّيامِ؛ فأرجو أنْ يكونَ قد بَارَكَ اللهُ لنا فيه"، أي: وفَّقَنا اللهُ لهذا الخيرِ والثوابِ في هذا العمَلِ ورَزَقَنا المُداوَمةَ عليه، قال: "فَمُرنِي بعَمَل آخَرَ"، أي: يكونُ ثوابُهُ عظيمًا إضافةً إلى الصَّوْم؛ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "اعلمْ أنَّك لن تَسْجُدَ لله سَجْدةً إلَّا رَفَعَ اللهُ لك بها دَرَجَةً، وحطَّ عنك بها خَطِيئةً"، أي: إنَّ كُلَّ سَجدةٍ تَسْجُدُها لله، تكون سببًا لغُفْران الذُّنُوب، ورَفْعِ الدَّرَجاتِ وزِيادةِ الحَسَناتِ؛ فيكونُ ذلك سببًا في دُخُولِك الجَنَّةَ، والمُرَادُ هنا الحَضُّ على كَثْرةِ الصَّلاةِ؛ فعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالسُّجُود؛ لأنَّه من أَعْظَمِ أركانِها؛ لأنَّ السُّجُودَ غايةُ التواضُعِ والعُبوديةِ لله تعالى.
وفي الحَدِيث: حِرْصُ الصَّحَابةِ على السُّؤَال عن مَعَالي الأُمُورِ وتَمَنِّي الشَّهَادةِ.
وفيه: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي أُمامةَ وأهلِ بيتِه رضِيَ اللهُ عنهم( ).
[مسند أحمد] (35/ 237) 21308- حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن المخارق، قال: خرجنا حجاجا، فلما بلغنا الربذة قلت لأصحابي: تقدموا، وتخلفت، فأتيت أبا ذر ، وهو يصلي، فرأيته يطيل القيام، ويكثر الركوع والسجود، فذكرت ذلك له، فقال: ما ألوت أن أحسن، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من ركع ركعة أو سجد سجدة رفع بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة))
شرح معاني الآثار (1/ 476) 2730- حدثنا فهد , قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني , قال: ثنا أبو الأحوص وحديج، عن أبي إسحاق , عن المخارق قال: خرجنا حجاجا، فمررنا بالربذة، فوجدنا أبا ذر قائما يصلي، فرأيته لا يطيل القيام، ويكثر الركوع والسجود، فقلت له في ذلك، فقال: ما ألوت أن أحسن، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من ركع ركعة، وسجد سجدة، رفعه الله بها درجة , وحط عنه بها خطيئة))
السنن الكبرى للبيهقي- دائرة المعارف (3/ 10) 4883- أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا أبو الأحوص عن أبى إسحاق عن المخارق قال: مررت بأبى ذر بالربذة وأنا حاج، فدخلت عليه منزله، فوجدته يصلى يخفف القيام قدر ما يقرأ ( إنا أعطيناك الكوثر) و (إذا جاء نصر الله) ويكثر الركوع والسجود، فلما قضى الصلاة قلت له: يا أبا ذر رأيتك تخفف القيام وتكثر الركوع والسجود.
قال فقال سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول:(( ما من عبد يسجد لله سجدة أو يركع لله ركعة إلا حط الله عنه بها خطيئة ورفعه بها درجة ))