أفضلُ الشهداءِ من سُفِكَ دمَه و عُقِرَ جوادُه
أخرجه أحمد (22342)، والطبراني (8/259) (7871) باختلاف يسير.
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سُئِلَ أيُّ الأعمالِ أفضَلُ ؟ قالَ : إيمانٌ لا شَكَّ فيهِ وجِهادٌ لا غلولَ فيهِ وحجَّةٌ مبرورةٌ قيلَ : فأيُّ الصَّلاةِ أفضلُ ؟ قالَ : طولُ القنوتِ قيلَ فأيُّ الصَّدقةِ أفضلُ ؟ قالَ : جُهْدُ المُقِلِّ قيلَ فأيُّ الهجرةِ أفضلُ قالَ من هجرَ ما حرَّمَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ قيلَ فأيُّ الجِهادِ أفضلُ ؟ قالَ : من جاهدَ المشرِكينَ بمالِهِ ونفسِهِ قيلَ : فأيُّ القتلِ أشرفُ ؟ قالَ : من أُهَريقَ دمُهُ وعُقِرَ جوادُهُ الراوي : عبدالله بن حبشي الخثعمي المحدث : الألباني المصدر : صحيح النسائي الصفحة أو الرقم: 2525 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه النسائي (2526) واللفظ له، وأخرجه أبو داود (1449)، وأحمد (15401) باختلاف يسير كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يُرشِدُ أمَّتَه إلى مَعالي الأمورِ مِن الأقوالِ والأفعالِ، وكان يُجيبُ السَّائلين بحَسَبِ حاجتِهم وما يَعلَمُه خيرًا لهم؛ وقد ورَد عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كثيرٌ مِن الأقوالِ والأفعالِ الموصوفةِ بأنَّها الأفضلُ والأحسَنُ والخيرُ، وكذلك في الأسوَأِ والشَّرِّ.
وقد جمَع هذا الحَديثُ جُملةً مِن هذه الفَضائلِ، وفيه يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ حُبْشِيٍّ الخَثعميُّ رضِيَ اللهُ عنه: "أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم سُئِل: أيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟"، أي، أيُّ أعمالِ العبادِ أكثَرُ ثَوابًا وأفضلُ أجرًا؟ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "إيمانٌ لا شَكَّ فيه"، أي: تَصديقٌ وإقرارٌ بالقَلبِ يَبلُغُ حدَّ اليقينِ، بحيث لا يَبْقى معَه أدنى تَردُّدٍ في الحقِّ، وهذا تَوجيهٌ نبويٌّ إلى إخلاصِ الإيمانِ باللهِ، "وجهادٌ لا غُلولَ فيه"، أي: لا خِيانةَ فيه، ولا أَخْذَ مِن غَنائمِه بغيرِ حقٍّ أو قَبلَ القِسمَةِ، "وحَجَّةٌ مبرورةٌ"، والحجُّ المبرورُ: هو الَّذي لا يُخالِطُه شيءٌ مِن المآثِمِ، وقيل: هو المقبولُ المقابَلُ بالبِرِّ، وهو الثَّوابُ.
"قيل: فأيُّ الصَّلاةِ أفضلُ؟"، أي: فأيُّ أمرٍ مِن أمورِ الصَّلاةِ وأعمالِها أَفضلُ في الثَّوابِ والأجرِ؟ قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "طولُ القُنوتِ"، أي: طولُ القيامِ والوُقوفِ بينَ يدَيِ اللهِ بالقِراءةِ والدُّعاءِ.
قيل: "فأيُّ الصَّدقةِ أفضلُ؟ قال: جُهْدُ المُقِلِّ"، والجُهدُ الوُسْعُ والطَّاقةُ، أو المشقَّةُ والغايةُ، والمُقِلُّ: الفقيرُ الَّذي معَه شيءٌ قليلٌ مِن المالِ، أي: إنَّ أفضَلَ الصَّدقةِ هو الَّذي يتَصدَّقُ به الفقيرُ قليلُ المالِ على قدْرِ طاقتِه ووُسْعِه مع مَشقَّةِ ذلك عليه، وإنَّما كانت صدَقةُ المقِلِّ أفضلَ مِن صدَقةِ الغنيِّ؛ لأنَّ الفقيرَ يتصدَّقُ بما هو مُحتاجٌ إليه، بخِلافِ الغنيِّ؛ فإنَّه يتَصدَّق بفُضولِ مالِه.
ويُجمَعُ بينَه وبينَ حَديثِ: "خيرُ الصَّدَقةِ ما كان عن ظَهْرِ غِنًى"- بأنَّ هذا الحديثَ مَحمولٌ على قَويِّ الإيمانِ الَّذي يَصبِرُ على الفاقةِ، ويَكتَفي بأقلِّ الكِفايةِ، والحديثُ الثَّاني على ضَعيفِ الإيمانِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ المرادُ بالغِنَى غِنى القَلبِ الَّذي يَصبِرُ صاحبُه على الجوعِ والشِّدَّةِ، وهو المرادُ بالمُقِلِّ في الحديثِ الَّذي هنا؛ فيكونُ المعنى: أنَّ تَصدُّقَ الفَقيرِ الغنيِّ القَلبِ- ولو كان قليلًا- أفضلُ مِن تَصدُّقِ الغنيِّ بكَثيرٍ مِن مالِه.
ويَشْهَدُ لذلك حديثُ: "سبَق درهمٌ مِئةَ ألفِ درهمٍ، قالوا: وكيف؟ قال: كان لِرَجُلٍ دِرْهَمانِ تصَدَّقَ بأحَدِهما، وانطلَق رجلٌ إلى عُرْضِ مالِه، فأخَذ مِنه مِئةَ ألفِ درهمٍ فتصَدَّق بها"؛ فظَاهِرُ الحديثِ أنَّ الأجْرَ على قدْرِ حالِ المُعْطِي لا على قدْرِ المَالِ المُعْطَى.
"قيل: فأيُّ الهجرةِ أفضلُ؟"، أي: أيُّ أنواعِ الهجرةِ أفضلُ؟ والهجرةُ في الأصلِ مأخوذةٌ مِن الهَجْرِ ضدِّ الوَصْلِ، ثمَّ غلَبَت على الخُروجِ مِن أرضٍ إلى أرضٍ، فإنْ كان خرَج للهِ، فهي الهجرةُ الشَّرعيَّةُ، وتُطلَقُ أيضًا على تَرْكِ المحرَّماتِ، وهي المرادةُ هنا، كما أشار إليها بقولِه: "مَن هجَر ما حرَّم اللهُ عزَّ وجلَّ"، أي: إنَّ تَرْكَ الشَّخصِ المسلِمِ الأمْرَ الَّذي حرَّمَه اللهُ عزَّ وجلَّ هو أفضَلُ أنواعِ الهجرةِ، مع الفِرارِ بالدِّينِ مِن الفِتَنِ.
"قيل: فأيُّ الجهادِ أفضَلُ؟"، أي: أيُّ أنواعِ الجهادِ أفضلُ؟ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "مَن جاهَد المشرِكين بمالِه، ونَفسِه"، أي: أفضلُ الجِهادِ جهادُ مَن جاهَد المشرِكين وخرَج بمالِه ونفْسِه فأنفَق مالَه في سَبيلِ اللهِ وحارَب بيدِه، وهذا أفضلُ مِن غيرِه ممَّن جاهَد بمالِه فقط أو بنفسِه فقط.
ولا تَنافِيَ بينَه وبينَ حديثِ: "أفضلُ الجهادِ كَلمةُ حقٍّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ"؛ لأنَّ الأفضليَّةَ نِسبيَّةٌ، أي: بالنِّسبةِ للكلامِ؛ فإنَّ المؤمِنَ يُجاهِدُ بلِسانِه، كما يُجاهِدُ بيدِه، فتكونُ كلمةُ الحقِّ عندَ سُلطانٍ جائرٍ أفضلَ جهادِ المؤمنِ المتعلِّقِ بلسانِه، ويَحتمِلُ أن تكونَ "مِنْ" مقدَّرةً، أي: مِن أفضَلِ الجهادِ، والحاصلُ: أنَّ جهادَ المؤمنِ للمُشرِكين بنَفْسِه ومالِه أفضلُ أنواعِ الجِهادِ على الإطلاقِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
"قيل: فأيُّ القتلِ أشرَفُ؟"، أي: أيُّ أنواعِ القَتْلِ أشرَفُ وأعلى درَجةً؟ "قال: مَن أُهْرِيقَ دَمُه"، أي: مَن قُتِل وسال دَمُه في سَبيلِ اللهِ، "وعُقِر جَوَادُه"، أي: وقُتِلَ فَرسُه في الجِهادِ، والعَقرُ القتلُ أو قطعُ الأرجُلِ، وفي هذا إشارةٌ إلى الإقدامِ في القِتالِ حتَّى الشهادةِ أو النصرِ.
وفي الحديثِ: كثرةُ الأعمالِ الفاضلةِ وتنوُّعُها بين الأفعالِ والأقوالِ؛ وعلى كلِّ مسلِمٍ أنْ يأخُذَ بما يُناسِبُه وبما في استطاعتِه.
وفيه: أنَّ طولَ القيامِ للهِ بالقراءةِ والدُّعاءِ أفضلُ مِن كثرةِ الرُّكوعِ والسُّجودِ.
وفيه: فَضلُ الهجرةِ في سبيلِ اللهِ؛ بهَجْرِ ما نَهى عنه، وإتيانِ ما أمَر به.
وفيه: فَضلُ الجهادِ بالنَّفسِ والمالِ .
[مسند أحمد - قرطبة] (5/ 265) 22342- حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا معان بن رفاعة حدثني على بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد جالسا وكانوا يظنون انه ينزل عليه فاقصروا عنه حتى جاء أبو ذر فاقتحم فأتى فجلس إليه فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر هل صليت اليوم قال لا قال قم فصل فلما صلى أربع ركعات الضحى أقبل عليه فقال يا أبا ذر تعوذ من شر شياطين الجن والأنس قال يا نبي الله وهل للإنس شياطين قال نعم شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ثم قال يا أبا ذر ألا أعلمك كلمة من كنز الجنة قال بلى جعلني الله فداءك قال قل لا حول ولا قوة الا بالله قال فقلت لا حول ولاقوة الا بالله قال ثم سكت عنى فاستبطأت كلامه قال قلت يا نبي الله انا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان فبعثك الله رحمة للعالمين أرأيت الصلاة ماذا هي قال خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر قال قلت يا نبي الله أرأيت الصيام ماذا هو قال فرض مجزئ قال قلت يا نبي الله أرأيت الصدقة ماذا قال أضعاف مضاعفة وعند الله المزيد قال قلت يا نبي الله فأي الصدقة أفضل قال سر إلى فقير وجهد من مقل قال قلت يا نبي الله أيما نزل عليك أعظم قال { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } آيه الكرسي قال قلت يا نبي الله أي الشهداء أفضل قال من سفك دمه وعقر جواده قال قلت يا نبي الله فأي الرقاب أفضل قال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها قال قلت يا نبي الله فأي الأنبياء كان أول قال آدم عليه السلام قال قلت يا نبي الله أو نبي كان آدم قال نعم نبي مكلم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه روحه ثم قال له يا آدم قبلا قال قلت يا رسول الله كم وفي عده الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسه عشر جما غفيرا.
[المعجم الكبير – للطبراني]- دار إحياء التراث (8/ 259) 7871- حدثنا أحمد بن عبد الوهاب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثنا علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، وكانوا يظنون الوحي ينزل عليه، فأقصروا عنه حتى جاء أبو ذر، فافتحم فأتاه فجلس إليه فأقبل عليه، فقال: يا أبا ذر هل صليت اليوم؟ قال: لا.
قال: قم فصل.
فلما صلى أربع ركعات الضحى، أقبل عليه فقال: يا أبا ذر، هل تعوذت من شر شياطين الجن والإنس؟ قال: يا نبي الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا , ثم قال: يا أبا ذر، ألا أعلمك كلمة من كنز الجنة؟ قلت: بلى، جعلني الله فداك.
قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله , ثم سكت عني حتى استبطأت كلامه قال: قلت: يا نبي الله، إنا كنا أهل جاهلية، وعبادة أوثان، فبعثك الله رحمة للعالمين أرأيت الصلاة ماذا هي؟ قال: خير موضوع فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر , قال: قلت: يا نبي الله، أرأيت الصيام ماذا هو؟ قال: أضعاف مضعفة، وعند الله المزيد , قلت: يا نبي الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: سر إلى فقير وجهد من مقل , قلت: يا نبي الله، أي الشهداء أفضل؟ قال: من سفك دمه وعقر جواده , قلت: يا نبي الله، أيما آية أنزلت يا نبي الله عليك أعظم؟ قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} آية الكرسي , قلت: يا نبي الله، أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها , قلت: يا نبي الله، فأي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم.
قلت: يا نبي الله، أو نبي كان آدم؟ قال: نعم، نبي مكلم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم قال له: يا آدم قبلا , قلت: يا نبي الله كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مئة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمئة وخمسة عشر جما غفيرا.