كنتُ ذاتَ يومٍ عندَ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه، فاشتَدَّ غَضبُه على رَجُلٍ مِنَ المُسلِمينَ، فقُلتُ: يا خَليفةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أضرِبُ عُنُقَه؟ قال: فتَرَكَني لا يُكلِّمُني، ثُمَّ لَقيتُه بعدَ أيَّامٍ فذكَرَ ما قُلتُ، قال: قُلتَ: ما قُلتَ؟ قال: تَذكُرُ يومَ كنتَ عندي فاشتَدَّ غَضَبي على رَجُلٍ مِنَ المُسلِمينَ، فقُلتَ: يا خَليفةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أضرِبُ عُنُقَه؟ قُلتُ: الآن إنْ أمَرتَني فَعَلتُ، قال أبو بَكرٍ: ليستْ تلك لأحَدٍ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (4/ 129) واللفظ له، وأبو داود (4363) بنحوه، والنسائي (4075) مختصرا بنحوه.
كنتُ عندَ أبي بَكْرٍ فتغيَّظَ على رجلٍ، فاشتدَّ عليهِ فقلتُ: تأذنُ لي يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أضربُ عنقَهُ، قالَ: فأذهَبت كلِمتي غضبَهُ، فقامَ فدخلَ فأرسلَ إليَّ فقالَ: ما الَّذي قلتَ آنفًا؟ قلتُ: ائذن لي أضربُ عنقَهُ، قالَ: أَكُنتَ فاعلًا لو أمرتُكَ؟ قلتُ: نعم.
قالَ: لا واللَّهِ ما كانت لبشرٍ بعدَ محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الراوي : أبو برزة الأسلمي نضلة بن عبيد المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 4363 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (4363) بلفظه، والنسائي (4077) باختلاف يسير، وأحمد (61) مختصرا.
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أفضلُ الخَلقِ، وقدْ خصَّه اللهُ تعالى بخَصائصَ جليلةٍ؛ ومِن ذلك: أنَّ مَن سَبَّه وجَبَ قتْلُه، وليس هذا لأحَدٍ غيرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ أبو برْزَةَ رضِيَ اللهُ عنه: "كنتُ عند أبي بكْرٍ، فتغَيَّظَ"، أي: غضِبَ أبو بكْرٍ، "على رجُلٍ" لم يذكُرِ اسمَه، قيل: لأنَّه سَبَّ أبا بكْرٍ، وقيل: أغلَظَ القوْلَ له، "فاشتَدَّ"، أي: الرَّجلُ، "عليهِ"، أي: على أبي بكْرٍ وسَبَّه، أو اشتَدَّ غضَبُ أبي بكْرٍ على ذلك الرَّجلِ، "فقلتُ"؛ القائل أبو برْزَةَ: "تأذَنُ لي يا خليفَةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أضرِبُ عنُقَه"؛ لكي أقتُلَه، "قال" أبو برْزَةَ: "فأذهبَتْ كلِمَتي" هذه الَّتي قُلتُها له في استِئذانه بالقتْلِ، "غضَبَه"، أي: أذهبتْ غَضَبَ أبي بكْرٍ، "فقام" أبو بكْرٍ، "فدخَلَ" بيْتَه، "فأرسَلَ إليَّ" أحدًا ودعاني إلى بيْتِه، "فقال" أبو بكْرٍ: "ما الَّذي قلتَ آنِفًا؟"؛ عند تَغيُّظي وغَضَبي على الرَّجلِ، "قلتُ" له إنِّي قلْتُ لك: "ائذَن لي أضرِبُ عنُقَه"، أي: عنُقَ الرَّجلِ الَّذي أغضَبَكَ.
"قال" أبو بكْرٍ: "أكنتَ فاعلًا لو أمرْتُكَ؟"، أي: هل ستقتُلُه بضرْبِ عنُقِه لو أمرْتُكَ بذلك، قال أبو برْزَةَ، "قلتُ: نعم"، أي: أنِّي سأفعَلُ ذلك وأقتُلُه، "قال" أبو بكْرٍ: "لا واللهِ"، أي: لا يَجوزُ واللهِ، "ما كانت لبشَرٍ بعْد محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ"، أي: هذا من خَصائصِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقط، وأمَّا غيرُه من الخُلفاءِ، والأُمَراءِ لو تغيَّظوا على أحَدٍ أو سبَّهم أحَدٌ، وأَمَروا بقتْلِه فلا يجوزُ قتْلُه.
وفي الحَديثِ: فضلُ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ رضِيَ اللهُ عنه وحِلْمُه، حيثُ لم يُعزِّرِ الرَّجلَ بالتَّأديبِ ونحوِه.
وفيهِ: أنَّ حكْمَ سَبِّ أبي بكْرٍ رضِيَ اللهُ عنه أو غيرِه من الصَّحابَةِ ليس كحُكْمِ سَبِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.
شرح مشكل الآثار (12/ 406) :
حدثنا أحمد بن داود بن موسى قال: حدثنا محمد بن المنهال الضرير قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا يونس بن عبيد ، عن حميد بن هلال ، عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة الأسلمي قال: كنت ذات يوم عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فاشتد غضبه على رجل من المسلمين، فقلت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أضرب عنقه؟ قال: فتركني لا يكلمني، ثم لقيته بعد أيام، فذكر ما قلت قال: قلت: ما قلت؟ قال: تذكر يوم كنت عندي، فاشتد غضبي على رجل من المسلمين، فقلت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أضرب عنقه؟ قلت: الآن إن أمرتني فعلت قال أبو بكر : " ليست تلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث من قول أبي بكر لأبي برزة ما فيه مما قد ذكرناه فيه، فاحتمل أن يكون أراد أعني أبا بكر رضي الله عنه بقوله: إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل أحدا لغضبه عليه، واحتمل أن يكون لا يقتل أحد إلا بأمر من يأمر بقتله حتى يعلم المأمور استحقاقه لذلك، ويكون من بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير مطاع في ذلك كما كان يطاع هو صلى الله عليه وسلم فيه؛ لأنه المأمون على أفعاله وعلى أقواله، ولأن أقواله وأفعاله إنما هي مردودة إلى الله عز وجل، واجب التصديق بها، وإجراء الأمور عليها، وغيره في ذلك بخلافه ثم وجدنا هذا الحديث قد روي بألفاظ أخر.
سنن أبي داود (4/ 129) 4363 - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن يونس، عن حميد بن هلال، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ح وحدثنا هارون بن عبد الله، ونصير بن الفرج، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن مطرف، عن أبي برزة، قال: كنت عند أبي بكر رضي الله عنه، فتغيظ على رجل، فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام، فدخل، فأرسل إلي، فقال: ما الذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله، ما كانت لبشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو داود: هذا لفظ يزيد، قال أحمد بن حنبل: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل.
سنن النسائي (7/ 110) 4075 - أخبرنا معاوية بن صالح الأشعري قال: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا عبيد الله، عن زيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي نضرة، عن أبي برزة قال: غضب أبو بكر على رجل غضبا شديدا حتى تغير لونه، قلت: يا خليفة رسول الله، والله لئن أمرتني لأضربن عنقه، فكأنما صب عليه ماء بارد، فذهب غضبه عن الرجل، قال: ثكلتك أمك أبا برزة وإنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ والصواب أبو نصر، واسمه حميد بن هلال خالفه شعبة