أنَّ بعضَ الصحابةِ رأى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يضحكُ فقال : أضحكَ اللهُ سِنَّك
أخرجه أبو داود (5234)، وابن ماجه (3013)،، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (16207)، وأبو يعلى (1578) واللفظ لهم جميعا.
اسْتَأْذَنَ عُمَرُ علَى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِنْدَهُ نِساءٌ مِن قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ ويَسْتَكْثِرْنَهُ، عالِيَةً أصْواتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجابَ، فأذِنَ له رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَضْحَكُ، فقالَ عُمَرُ: أضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: عَجِبْتُ مِن هَؤُلاءِ اللَّاتي كُنَّ عِندِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجابَ! قالَ عُمَرُ: فأنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ كُنْتَ أحَقَّ أنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قالَ: أيْ عَدُوَّاتِ أنْفُسِهِنَّ؛ أتَهَبْنَنِي ولا تَهَبْنَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟! قُلْنَ: نَعَمْ، أنْتَ أفَظُّ وأَغْلَظُ مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما لَقِيَكَ الشَّيْطانُ قَطُّ سالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجًّا غيرَ فَجِّكَ.
الراوي : سعد بن أبي وقاص المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3294 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحْلَمَ النَّاسِ وأرفَقَهم بِأُمَّتِه، وكان يَستمِعُ إلى الصَّغيرِ والكبيرِ، والرِّجالِ والنِّساءِ، ويُعلِّمُهم أُمورَ الدِّينِ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ سَعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه كان عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِساءٌ مِنْ قُريشٍ يُكلِّمْنَه ويَسْتكثِرْنَه، فيَطلُبْنَ كَثيرًا مِن كَلامِه وجَوابِه بحَوائجِهنَّ وفَتاوِيهنَّ، وكنَّ يُكلِّمْنَه بأصواتٍ عاليةٍ، ويَحتمِلُ أنَّ هذا قبْلَ النَّهيِ عن رفْعِ الصَّوتِ فوقَ صَوتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَحتمِلُ أنَّ عُلوَّ أصواتِهنَّ إنَّما كان لاجتماعِها، لا أنَّ كَلامَ كلِّ واحدةٍ بانفرادِها أعْلى مِن صَوتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
فاسْتأذَنَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه في الدُّخولِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقامَ النِّسوةُ يتَسارعْنَ إلى الاستتارِ -وليس المقصودُ هنا الحِجابَ الشَّرعيَ المفروضَ على المرأةِ، بلِ المقصودُ الاستتارُ- عَن عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه، فلمَّا رَأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فِعلَهنَّ ضحِكَ، فقال له عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه: أضحَكَ اللهُ سِنَّكَ يا رسولَ اللهِ، وهو دُعاءٌ بِمُلازمةِ الضَّحكِ والسُّرورِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «عَجبْتُ مِن هؤلاءِ اللَّاتي كُنَّ عندي، فلمَّا سَمِعْنَ صَوتَكَ ابتدَرْنَ الحِجابَ!»، يعني: كُنَّ يَرفَعْنَ أصواتَهنَّ في الحديثِ معي، فلمَّا أتَيتَ أنتَ سارَعوا إلى الاستتارِ؛ خَشيةً منكَ، فقال عُمرُ رَضيَ اللهُ عنه: «فأنتَ يا رسولَ اللهِ كُنتَ أحقَّ أنْ يَهبْنَ»، يعني: أوْلَى بأنْ يَخفْنَ مِنك، ثُمَّ قال عمَرُ لائمًا لهنَّ: «أَيْ عَدُوَّاتِ أنفُسِهنَّ، أتهبْنَني»، أي: أتُوقِّرْنَني وتُعظِّمْنَني، «ولا تَهبْنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟! قُلنَ: نعمْ، أنتَ أفظُّ وأغلَظُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ»، والفَظُّ والغليظُ بمعنًى واحدٍ، وهما عبارةٌ عن شِدَّةِ الخُلقِ وخُشونةِ الجانبِ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَليمًا رَؤوفًا بهنَّ وبعامَّةِ الأمَّةِ، وقَولُ النِّساءِ: «أفظُّ وأغلَظُ» بصِيغةِ أفعَلِ التَّفضيلِ يَقْتضي الشَّرِكةَ في أصْلِ الفعلِ، ويُعارِضُه قولُه تعالَى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] الآيةَ؛ فإنَّه يَقْتضي أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يكُنْ فظًّا ولا غَليظًا.
والجوابُ: أنَّ الَّذي في الآيةِ يَقْتضي نفْيَ وُجودِ ذلك له صِفةً لازمةً، فلا يَستلزِمُ ما في الحديثِ ذلك، بلْ مُجرَّدُ وُجودِ الصِّفةِ له في بَعضِ الأحوالِ، وهو عندَ إنكارِ المنكَرِ مَثلًا.
وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يُواجِهُ أحَدًا بما يَكرَهُ إلَّا في حقٍّ مِن حُقوقِ اللهِ، وكان عمَرُ يبُالِغُ في الزَّجرِ عن المكروهاتِ مُطلَقًا، وطَلَبِ المندوباتِ، فلهذا قال النِّسوةُ له ذلك.
ثمَّ أقسَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «والَّذي نفْسِي بيَدِه» أي: باللهِ الَّذي رُوحُه بيَدِه يُصَرِّفُها كيف يَشاءُ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثيرًا ما يُقسِمُ بهذا القسَمِ، «ما لَقِيَكَ الشَّيْطانُ قَطُّ سالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجًّا غيرَ فَجِّكَ» فالشَّيطانُ يَهرُبُ مِنَ الطَّريقِ الَّذي يَسلُكُه عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه؛ خَوفًا منه، أو المعْنى: أنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه فَارقَ سَبيلَ الشَّيطانِ وسَلكَ طَريقَ السَّدادِ، فخالَفَ كلَّ ما يُحِبُّه الشَّيطانُ.
وفي الحديثِ: فضْلٌ ومَنقَبةٌ لعمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه: أنَّ الشَّيطانَ يَخافُ مِن المؤمنِ التَّقيِّ.
وفيه: أنَّ الحاكمَ يَنْبغي له السَّماعُ لشِكايةِ رَعيَّتِه وإزالتُها.
سنن أبي داود (4/ 359) :
5234 - حدثنا عيسى بن إبراهيم البركي، وسمعته من أبي الوليد الطيالسي، - وأنا لحديث عيسى أضبط -، قال: حدثنا عبد القاهر بن السري يعني السلمي، حدثنا ابن كنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه، عن جده ، قال: " ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أبو بكر أو عمر أضحك الله سنك - وساق الحديث - "
[سنن ابن ماجه] (2/ 1002 ) :
3013 - حدثنا أيوب بن محمد الهاشمي قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي قال: حدثنا عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي، أن أباه، أخبره عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة، بالمغفرة فأجيب: إني قد غفرت لهم، ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه قال: أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة، أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال تبسم، فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك؟ أضحك الله سنك قال: إن عدو الله إبليس، لما علم أن الله عز وجل، قد استجاب دعائي، وغفر لأمتي أخذ التراب، فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه
[مسند أحمد] (26/ 136 ط الرسالة) :
• 16207 - قال عبد الله، بن أحمد حدثني إبراهيم بن الحجاج الناجي، قال: حدثنا عبد القاهر بن السري، عن ابن لكنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه، أن أباه العباس بن مرداس حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعا عشية عرفة، لأمته بالمغفرة، والرحمة فأكثر الدعاء، فأجابه الله عز وجل أن قد فعلت، وغفرت لأمتك إلا من ظلم بعضهم بعضا، فقال: يا رب إنك قادر أن تغفر للظالم، وتثيب المظلوم خيرا من مظلمته "، فلم يكن في تلك العشية، إلا ذا فلما كان من الغد دعا غداة المزدلفة، فعاد يدعو لأمته، فلم يلبث النبي صلى الله عليه وسلم أن تبسم، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ضحكت في ساعة لم تكن تضحك فيها، فما أضحكك، أضحك الله سنك قال: " تبسمت من عدو الله إبليس، حين علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي، وغفر للظالم، أهوى يدعو بالثبور والويل، ويحثو التراب على رأسه، فتبسمت مما يصنع جزعه "
مسند أبي يعلى (3/ 149 ت حسين أسد) :
1578 - حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، حدثني ابن كنانة بن العباس بن مرداس السلمي، أن أباه، حدثه، عن أبيه العباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة وأكثر الدعاء، فأجابه الله أني قد فعلت وغفرت لأمتك إلا ظلم بعضهم بعضا، فأعاد، فقال: يا رب، إنك قادر أن تغفر للظالم وتثيب المظلوم خيرا من مظلمته فلم يكن تلك العشية إلا ذا، فلما كان من الغد دعا غداة المزدلفة، فعاد يدعو لأمته، فلم يلبث النبي صلى الله عليه وسلم أن تبسم، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، تبسمت في ساعة لم تكن تضحك فيها، فما أضحكك أضحك الله سنك؟ قال: تبسمت من عدو الله إبليس حين علم أن الله قد أجابني في أمتي وغفر للظالم، أهوى يدعو بالثبور والويل ويحثو التراب على رأسه وقال مرة: فضحكت من جزعه