أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخذ بيدِ عمرَ فمرَّ على المقامِ ، فقال له : يا نبيَّ اللهِ ! هذا مقامُ إبراهيمِ ؟ قال : نعم ، قال : أفلا تتَّخِذُه مصلًّى ، فأنزل اللهُ تعالَى : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة البقرة# مناقب وفضائل - عمر بن الخطاب# قرآن - أسباب النزول# حج - مقام إبراهيم وفضله
المصدر: حلية الأولياء
الراوي: عبدالله بن عمر
المحدث: أبو نعيم
الحكم:غريب من حديث مجاهد عن ابن عمر تفرد به محمد بن جعفر المدائني عن هارون

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (402)، وأحمد (157) بنحوه.

الشرح والتوضيح

قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، وافَقْتُ رَبِّي في ثَلَاثٍ: فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] وآيَةُ الحِجَابِ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لو أمَرْتَ نِسَاءَكَ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، واجْتَمع نِسَاءُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الغَيْرَةِ عليه، فَقُلتُ لهنَّ: (عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ أزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ الراوي : عمر بن الخطاب المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 402 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه أحمد (157)، وابن حبان (6896)، والبزار (220) باختلاف يسير، ومسلم (2399) مختصرًا وجعل الثالثة أسارى بدر.

كان عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه رجُلًا مُلهَمًا، ذا فِراسةٍ حادَّةٍ، وبصيرةٍ متوقِّدةٍ، وكان رُبَّما نطَقَ ببعضِ القُرآنِ قبْلَ أن يَنزِلَ به جِبريلُ، وأحيانًا أخرى كان الوحيُ يَنزِلُ فيُؤيِّدُ رأيَه مِن فَوقِ سَبعِ سَمواتٍ.وهذا الحَديثُ مِن أجَلِّ مَناقِبِ عُمَرَ بن الخطَّاب رَضيَ اللهُ عنه وفضائِلِه، وفيه يقولُ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه: «وافقْتُ ربِّي في ثلاثٍ»، وما أحسَنَ عبارَتَه وألْطَفَها! حيثُ راعَى فيها حُسْنَ الأدبِ؛ فَلَم يَقُلْ: وافَقَني ربِّي في ثلاثٍ؛ لأنَّ الآياتِ إنَّما نَزَلَت مُوافِقةً لرَأْيِه واجتِهادِه، وإنَّما ذَكَر عُمرُ ذلك ليَحسُنَ ظَنُّ السامِعينَ به، ولا يُنازِعوه في حقٍّ يقولُه، ولِكَيْ يَقتديَ به المؤمنونَ في إيثارِه الحقَّ وقولِه الصَّوابَ، ثمَّ ذَكَر هذه الثلاث؛ وهي: الأُولى: أنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه قال: يا رسولَ اللهِ، لو اتَّخَذْنا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى؟ فنزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] ، أي: فاتَّخِذوا أيُّها الناسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى تُصَلُّون عِندَه؛ عِبادةً منكم للهِ تَعالى، وتَكرمةً لإبراهيمَ عليه السَّلامُ مِن اللهِ سبحانَه، وذلك عَقِبَ الانتهاءِ مِن الطَّوافِ بالكَعبةِ؛ فيَكون المَقامُ بيْنَ البَيتِ وبيْنَ المُصلِّي، ومَقامُ إبراهيمَ هو مَوضِعُ قيامِه، وهو الحَجَرُ الَّذي كان يَقِفُ عليه إبراهيمُ عليه السَّلامُ عندَ بِنائِه لِلكَعبةِ، وفيه أثَرُ قَدَمِه عليه السَّلامُ، ومَكانُه مَعروفٌ الآنَ إلى جانبِ الكعبةِ.الثانيةُ: آيةُ الحِجابِ؛ فقد قال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ، لوْ أَمَرْتَ نِساءَك أن يَحتَجِبْنَ؛ فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فنزلَتْ آيةُ الحِجابِ، وهي قولُه تعالى: {يَا أَيُّهَا النبيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59] ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعلمُ أنَّ حَجْبَهُنَّ خَيرٌ مِن غَيرِه، لكنَّه كان يَترقَّبُ الوَحْيَ؛ ويدُلُّ على ذلِك أنَّه لم يُوافِقْ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه حينَ أشارَ عليه بذلِك.

وكان الحِجابُ في السَّنةِ الخامسةِ، أو في ذي القَعْدةِ سنةَ أربَعٍ، أو في السَّنةِ الثَّالثةِ.الثَّالثةُ: أنَّ نِساءَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اجتمَعْنَ في الغَيْرةِ عليه، ولهذه القَضيَّةِ قِصَّةٌ طويلةٌ؛ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان إذا دَخَل على حَفصةَ بنتَ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنهما مُسَلِّمًا حَبَسَتْه وسَقَتْه مِن عَسلٍ أُهدِيَ إليها، وأنَّ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها أَنكرَتِ احتِباسَه عِندَها، فأمرَتْ جُوَيْرِيةً عِندَها حَبَشيَّةً يُقالُ لها خضرةُ أن تَنظُرَ ماذا تَصنَعُ حَفْصةُ إذا دخَلَ عليها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخبَرَتْها الخبرَ وشأنَ العَسلِ، فغارَتْ، فأرْسلَتْ إلى صواحبِها أن يُخبِرْنَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّهُنَّ يَجِدْنَ منه رِيحَ مَغافِيرَ - وهو صَمْغٌ حلوٌ له رائحةٌ كريهةٌ- مِن أثَرِ شربِه العسَلَ، وكان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَشتدُّ عليه أن يوجَدَ منه ريحٌ غيرُ طَيِّبٍ؛ لأنَّه يأتيه المَلَكُ بالوحْيِ، فامتنَعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن شربِ العسلِ الَّذي يُحِبُّه، ثمَّ إنَّ عُمرَ رَضيَ اللهُ عنه لَمَّا بلَغَه ذلك دخَل على نِساءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فوعَظَهُنَّ وزَجرَهُنَّ، ومِن جملةِ ما قال عُمرُ لهنَّ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ}، فنزلَتْ هذه الآيةُ؛ فهذا مِن جُملةِ ما وافَقَ عُمرُ ربَّه عزَّ وجلَّ ووافَقَه ربُّه، وليس في الآيةِ ما يدُلُّ على أنَّ في النِّساءِ خَيرًا مِنهُنَّ؛ لأنَّ المُعَلَّقَ بما لم يَقَعْ لا يجِبُ وُقوعُه، والآيةُ وردَتْ في الإخبارِ عن القُدرةِ لا عن الكَونِ في الوقتِ؛ لأنَّه تعالى قال: {إِنْ طَلَّقَكُنَّ}، وقد عَلِم سُبحانَه أنَّه لا يُطلِّقُهنَّ، وهذا كقولِه: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38] ؛ فهذا إخبارٌ عن القُدرةِ وتخويفٌ لهم، لا أنَّ في الوجودِ مَن هو خيرٌ مِن أُمَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

ويحتملُ أنَّ مَقامَ الخَيريَّةِ لزَواجِهِنَّ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكلُّ مَن تزَوَّجَها وسيَتزَوَّجُها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَرتَقي إلى هذا المَقامِ، فإنْ طَلَّقها تخلَّتْ عن هذا المَقامِ.وليس في تَخصيصِ عُمرَ العَدَدَ بالثَّلاثِ في هذا الحَديثِ ما يَنفي الزِّيادةَ عليها؛ لأنَّه حصلَتْ له الموافقةُ في أشياءَ غيرِ هذه؛ مِن مَشْهورِها قِصَّةُ أُسارى بدرٍ، وقصَّةُ الصَّلاةِ على المنافِقينَ، وهُما في صحيحِ البُخاريِّ.وفي الحديثِ: دَليلٌ على مشروعيَّةِ الاجتِهادِ في الدِّينِ.

الأصول والأحكام

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة (3/ 302) :

حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة وأبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني.

قالا: ثنا محمد بن السري بن سعيد ثنا جعفر بن محمد بن جعفر المدائني حدثني أبي عن هارون الأعور عن أبان بن تغلب عن الحكم عن مجاهد عن ابن ‌عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ‌أخذ ‌بيد ‌عمر ‌فمر ‌على ‌المقام.

فقال له: يا نبي الله هذا مقام إبراهيم؟ قال: نعم! قال أفلا تتخذه مصلى: فأنزل الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}.

هذا حديث صحيح ثابت من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر.

غريب من حديث، مجاهد عن بن ‌عمر.

تفرد به محمد بن جعفر المدائني عن هارون.

رواه تابعي عن تابعي عن تابعي.

قال: أبان بن تغلب: لقي أنس بن مالك، والحكم لقي عدة من الصحابة، ومجاهد لقى الأكابر من الصحابة.

صحيح البخاري (1/ 89) :

402 - حدثنا عمرو بن عون قال: حدثنا هشيم، عن حميد، عن أنس قال: قال ‌عمر : وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، ‌لو ‌اتخذنا ‌من ‌مقام ‌إبراهيم ‌مصلى، فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن؛ فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} فنزلت هذه الآية حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال: حدثني حميد قال: سمعت أنسا بهذا.

مسند أحمد (1/ 297 ط الرسالة) :

157 - حدثنا هشيم، أخبرنا حميد، عن أنس، قال: قال ‌عمر : وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، ‌لو ‌اتخذنا ‌من ‌مقام ‌إبراهيم ‌مصلى؟ فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [[البقرة: 125]]، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} [[التحريم: 5]]، قال: فنزلت كذلك.

أحاديث ذات صلة