إنَّ المؤمنَ يرَى ذنوبَه كأنَّه قاعدٌ تحت جبلٍ يخافُ أن يقعَ عليه ، وإنَّ الفاجرَ يرَى ذنوبَه كذُبابٍ مرَّ على أنفِه ، فقال له هكذا .

قال : وقال : إنَّ اللهَ أفرحُ بتوبةِ العبدِ من رجلٍ نزل بدَوِّيَّةٍ مَهلَكةٍ ، معه راحلتُه ، عليها طعامُه وشرابُه ، فوضع رأسَه فنام نومةً ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلتُه عليها طعامُه وشرابُه ، فانطلق في طلبِها حتَّى اشتدَّ عليه العطَشُ أو الجوعُ – شكَّ أبو شهابٍ – قال : أرجِعُ إلى مكاني فأموتُ فيه ، فرجع إلى مكانِه فوضع رأسَه فاستيقظ فإذا هو براحلتِه عنده ، وعليها طعامُه وشرابُه

الدلالات الموضوعية:# إيمان - صفات المؤمنين# توبة - الحض على التوبة# مظالم - رؤية المؤمن والمنافق لذنوبهما ومظالمهما# عقيدة - إثبات صفات الله تعالى# رقائق وزهد - الخوف من الله
المصدر: حلية الأولياء
الراوي: عبدالله بن مسعود
المحدث: أبو نعيم
الحكم:متفق على صحته[أي:بين العلماء]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (6308)، ومسلم (2744) بلفظ مقارب

الشرح والتوضيح

إنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأنَّهُ قاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخافُ أنْ يَقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبابٍ مَرَّ علَى أنْفِهِ فقالَ به هَكَذا، قالَ أبو شِهابٍ: بيَدِهِ فَوْقَ أنْفِهِ.

ثُمَّ قالَ: لَلَّهُ أفْرَحُ بتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وبِهِ مَهْلَكَةٌ، ومعهُ راحِلَتُهُ، عليها طَعامُهُ وشَرابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ وقدْ ذَهَبَتْ راحِلَتُهُ، حتَّى إذا اشْتَدَّ عليه الحَرُّ والعَطَشُ أوْ ما شاءَ اللَّهُ، قالَ: أرْجِعُ إلى مَكانِي، فَرَجَعَ فَنامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فإذا راحِلَتُهُ عِنْدَهُ.

الراوي : عبدالله بن مسعود المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 6308 خلاصة حكم المحدث : [صحيح][أورده في صحيحه وذكر له متابعة وعلق عليه] التخريج : أخرجه مسلم (2744) باختلاف يسير مِن لُطفِ اللهِ عزَّ وجلَّ بعِبادِه أنْ يَسَّرَ لهم أبْوابَ التَّوبةِ والاستغفارِ حتى يرجِعَ المذنِبُ إلى رَبِّه ويتوبَ مِن ذُنوبِه مهما كانت عظيمةً، ولكِنْ ينبغي للعاقِلِ أن يرى ذُنوبَه وقبائِحَه كما وصَفَها الشَّرعُ، ولا يستهينَ بها.

وفي هذا الحَديثِ وصَفَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه حالَ المُؤمِنِ مع ذُنوبِه، وشبَّهه برجُلٍ قاعدٍ تحْتَ جبَلٍ يَخافُ أنْ يَقَعَ عليه؛ ومَن وقَعَ عليه الجبلُ فلا يُظَنُّ له نَجاةٌ، فالمُؤمِنُ ينظُرُ إلى عَظَمةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وجَلالِه، وعِزِّ سُلطانِه، وغناه عن خَلْقِه، وفَقْرِ خَلْقِه إليه، وأنَّ يَسيرَ المعصيةِ له جَلَّ جَلالُه ليس بيسيرٍ عند المُؤمِنِ؛ فلذلك يرى كأنَّه قاعدٌ تحت جَبَلٍ؛ مِن خَوفِ ما أتى.

بيْنَما يَنظُرُ الفاجِرُ -وهو الفاسِقُ المُستهترُ- لذُنوبِه باستخفافٍ، حتى إنَّه يرى كبائِرَ الذُّنوبِ سَهلةً يسيرةً، فكأنَّها ذُبابٌ مرَّ على أنْفِه فأشار بيَدِه، فذَهَب الذُّبابُ ولم يُؤثِّرْ فيه، لا لخِفَّةِ ذُنوبِه، ولكِنْ لخِفَّةِ إيمانِه باللهِ سُبحانَه.

ثُمَّ ذَكَر رَضِيَ اللهُ عنه ما يُخفِّفُ على المؤمِنِ خَوْفَه مِن ذُنوبه؛ فذَكَر حَديثَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: «لَلَّهُ» بلامِ التَّوكيدِ «أَفْرَحُ» بصِيغةِ التَّفضيلِ «بتَوبةِ العبْدِ» مِن مَعصِيَتِه «مِن رَجُلٍ نَزَل منزِلًا»، أي: مكانًا «وبه مَهْلَكَةٌ»، فهذا المكانُ مَظِنَّةُ الهلاكِ، وفي رِوايةِ النَّسائيِّ في الكُبرى: «بِدَوِّيَّةٍ مَهْلَكَةٍ»، والدَّوِّيَّةُ: هي الأرضُ القَفْرُ والفَلَاةُ الخالِيَةُ، والبَرِّيَّةُ والصَّحْراءُ الَّتِي لا نَباتَ فيها، وكان معه في رِحْلَتِه هذه «راحِلَتُه»، وهي ما يَركَبُه مِن الدَّوَابِّ، مِثلُ النَّاقةِ أو الفَرَسِ أو ما في معنى ذلك من الركائِبِ التي يَحمِلُ عليها طعامَه وشرابَه، وبعد تَعَبٍ مِنَ السَّيرِ أخلد للرَّاحةِ «فوَضَع رأْسَه» وهذا كنايةٌ عن الاستلقاءِ، فنام نَوْمةً لا يَشعُرُ بما حوله ولا يحفَظُ راحِلَتَه، ثم استَيقظ وقدْ ذهبَتْ راحلتُه وابتعَدَت وتاهت في هذه الصَّحراءِ، وبعد البَحثِ عنها لم يجِدْها، وظَلَّ يَبحَثُ حتَّى اشْتَدَّ عليه الحرُّ والعَطَشُ أو ما شاءَ اللهُ مِن أنواع البَلاءِ الأُخرَى، فقال لنَفْسِه بعْدَ مُحاوَلةِ البَحثِ عن الرَّاحلةِ: «أَرجِع إلى مَكاني» الَّذِي كان قد نام فيه؛ ينتظِرُ قضاءَ اللهِ فيه، يقصِدُ الموتَ، ويحتَمِلُ أنَّه رجع إلى هذا المكانِ؛ لأنَّ عادةَ الحيوانِ أنَّه إذا ضاع أو تاه يَتْبَعُ آثارَ خُطُواتِه ويرجِعُ إلى المكانِ الأوَّلِ، «فرَجَع الرَّجُلُ فنام نَوْمةً، ثُمَّ رفَع رأْسَه» بعد الاستيقاظِ، «فإذا راحلتُه عِندَه» قد رجَعَت إلى مكانها عِندَه، ولا شَكَّ أنَّ مَن هذه حالُه يَفرَحُ فرحًا شديدًا، وفي روايةِ مُسلمٍ مِن حَديثِ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال من شِدَّةِ الفَرَحِ: «اللَّهُمَّ أنت عبدِي وأنا ربُّك، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ، فاللهُ أشدُّ فَرَحًا بتَوبةِ عبْدِه مِن ذلك الرَّجُلِ»، فاللهُ سُبحانَه أفرَحُ بتوبةِ عِبادِه إليه من فَرَحِ هذا الرَّجُلِ برُجوعِ دابَّتِه إليه التي فيها حياتُه بعد أن يَئِسَ للموتِ.

والتوبةُ فَرضٌ مِنَ اللهِ تعالى على كُلِّ من عَلِمَ مِن نَفْسِه ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا؛ لقَولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8] ، وقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17] ، فكُلُّ مُذنِبٍ فهو عند مواقَعةِ الذَّنبِ جاهِلٌ وإن كان عالِمًا، ومن تاب قبل الموتِ تاب من قَريبٍ.

وفي الحَديثِ: إثباتُ صِفةِ الفَرحِ للهِ عزَّ وجلَّ، على ما يَليقُ بكَمالِه وجَلالِه؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

وفيه: قَبولُ التَّوبةِ الصَّادِقةِ وفَرَحُ اللهِ تعالى بها، ورضاه عن صاحِبِها، فالتَّوبةُ مَقبولةٌ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِها، كما ثبت في الأحاديثِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (8/ 67) ‌6308- حدثنا أحمد بن يونس: حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سويد: حدثنا عبد الله حديثين: أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر عن نفسه، قال: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا.

قال أبو شهاب بيده فوق أنفه، ثم قال: لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتى اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده)) تابعه أبو عوانة وجرير عن الأعمش.

وقال أبو أسامة: حدثنا الأعمش: حدثنا عمارة: سمعت الحارث.

وقال شعبة وأبو مسلم: عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد.

وقال أبو معاوية: حدثنا الأعمش عن عمارة، عن الأسود، عن عبد الله، وعن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله.

[صحيح مسلم] (4/ 2103 ) ((3- (‌2744) حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم- واللفظ لعثمان- (قال إسحاق: أخبرنا.

وقال عثمان: حدثنا) جرير عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سويد، قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض.

فحدثنا بحديثين: حديثا عن نفسه وحديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة.

معه راحلته.

عليها طعامه وشرابه.

فنام فاستيقظ وقد ذهبت.

فطلبها حتى أدركه العطش.

ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه.

فأنام حتى أموت.

فوضع رأسه على ساعده ليموت.

فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده طعامه وشرابه.

فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)).

[صحيح مسلم] (4/ 2103 ) ((3- م- (‌2744) وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة.

حدثنا يحيى بن آدم عن قطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش ، بهذا الإسناد.

وقال ((من رجل بداوية من الأرض)).

[صحيح مسلم] (4/ 2103 ) ((4- (2744) وحدثني إسحاق بن منصور.

حدثنا أبو أسامة.

حدثنا الأعمش.

حدثنا عمارة بن عمير قال: سمعت الحارث بن سويد قال: حدثني عبد الله حديثين: أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه.

فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن)) بمثل حديث جرير)).

أحاديث ذات صلة