كنا بالقُسطنطينيةِ وعلى أهلِ مصرَ عقبةُ بنُ عامرٍ ، وعلى أهلِ الشامِ فُضالةُ بنُ عُبيدٍ ، فخرج من المدينةِ صفٌّ عظيمٌ من الرومِ فصفَفْنا لهم صفًّا عظيمًا من المسلمينَ ، فحمل رجلٌ من المسلمِينَ على صفِّ الرومِ حتى دخل فيهم ثم خرج إلينا مقبلًا فصاح الناسُ وقالوا : سبحان اللهِ ألقى بيده إلى التَّهلُكةِ .

فقال أبو أيوب الأنصاريُّ صاحبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : يا أيها الناسُ إنكم تُؤَوِّلونَ هذه الآيةَ على هذا التأويلِ ، وإنما نزلت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ ، إنا لما أعز اللهُ دينَه وكثُر ناصريه قلنا بيننا بعضٌ لبعضٍ سرًّا من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنَّ أموالَنا قد ضاعتْ فلو أنا أقمنا فيها وأصلحْنا ما ضاع منها ، فأنزل اللهُ في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به ، قال : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [ البقرة 195 ] فكانتِ التَّهلُكةُ الإقامةَ التي أردْنا أن نقيمَ في أموالِنا فنصلحُها ، وأُمرْنا بالغزوِ فمازال أبو أيوبٍ غازيًا في سبيلِ اللهِ حتى قُبضَ

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# مناقب وفضائل - أبو أيوب الأنصاري# جهاد - التغليظ في ترك الجهاد# تفسير آيات - سورة البقرة
المصدر: الإلمام بأحاديث الأحكام
الراوي: أبو أيوب الأنصاري
المحدث: ابن دقيق العيد
الحكم:[اشترط في المقدمة أنه] صحيح على طريقة بعض أهل الحديث

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (2512)، والترمذي (2972) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

عن أسلمَ أبي عمرانَ قال: غَزونا منَ المدينةِ نريدُ القسطنطينيَّةِ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ، والرُّومُ مُلصِقو ظُهورِهم بحائطِ المدينةِ، فحملَ رجلٌ على العدوِّ، فقالَ النَّاس: مَه مَه لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، يلقي بيديْهِ إلى التَّهلُكةِ، فقالَ أبو أيُّوبَ: " إنَّما نزلت هذِهِ الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ لمَّا نصرَ اللَّهُ نبيَّهُ، وأظْهرَ الإسلامَ قلنا: هلمَّ نقيمُ في أموالِنا ونصلحُها "، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بَأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فالإلقاءُ بالأيدي إلى التَّهلُكةِ أن نقيمَ في أموالِنا ونُصلِحَها وندَعَ الجِهادَ "، قالَ أبو عمرانَ: فلَم يزَل أبو أيُّوبَ يجاهِدُ في سبيلِ اللَّهِ حتَّى دفنَ بالقسطنطينيَّةِ الراوي : أبو أيوب الأنصاري المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 2512 خلاصة حكم المحدث : صحيح الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ تَعالى له فضلٌ عظيمٌ، وما ترَك قومٌ الجهادَ إلَّا ذَلُّوا، والجهادُ باقٍ إلى يومِ القِيامةِ بكُلِّ أنواعِه.

وفي هذا الحَديثِ يَحكِي أَسلمُ أبو عِمرانَ، وهو أسلَمُ بنُ يَزيدَ أبو عِمْرانَ التُّجِيبيُّ؛ نِسبةً إلى قَبيلةِ تُجِيبَ، فيقولُ: "غزَونا مِنَ المدينةِ"، أي: خرَجْنا مِنَ المدينةِ غازِينَ، "نُريدُ" أن نَغزُوَ "القُسطَنطينيَّةَ"، وهي دارُ مَلِكِ الرُّومِ في ذلك الوَقتِ، عمَرَها ملِكٌ مِن مُلوكِ الرُّومِ يُقالُ له: قُسطَنطينُ، فسُمِّيَت باسمِه؛ واسمُها اليومَ إسطَنبولُ، وهي بيَدِ المسلِمينَ مِنَ التُّركِ، "وعلى الجماعةِ"، أي: الأميرُ على جميعِ الجَيشِ، "عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ"، وكان على أهلِ مِصرَ عُقبةُ بنُ عامرٍ الجُهَنيُّ، وعلى أهلِ الشَّامِ فَضَالَةُ بنُ عُبيدٍ؛ فهُما تحتَ وِلايةِ عبدِ الرَّحمنِ على الجماعةِ الخاصَّةِ، والرُّومُ "مُلصِقو"، أي: مُسنِدو "ظُهورِهم بحائطِ المَدينةِ"، أي: بجِوارِ حائطِ مَدينةِ القُسطنطينيَّةِ مُستعِدُّونَ للقِتالِ.

قال: "فحمَل رجُلٌ على العدُوِّ"، أي: قاتَلَ وحْدَه العدوَّ ودخَل في صُفوفِهم، فقال النَّاسُ: "مَهْ مَهْ!"؛ أيِ: اكْفُفْ وانْتَهِ، "لا إلهَ إلَّا اللهُ"؛ للتَّعجُّبِ مِن فِعلِه، "يُلقي بيدَيه إلى التَّهلُكةِ"؛ لقِتالِه وحدَه وهُو مَنهيٌّ عن إلقاءِ نفسِه إلى الهَلاكِ، "فقال أبو أيُّوبَ" الأنصاريُّ- وهو صحابيٌّ جَليلٌ، واسمُه خالدُ بنُ زيدٍ رضي اللهُ عنه- ردًّا عليهم لَمَّا سَمِع منهم ذلك: "إنَّما نزلَت هذه الآيةُ"، وهي قولُه تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، "فينا مَعشَرَ الأنصارِ"، وليسَت في هذا الموطِنِ؛ وذلك "لَمَّا نصَر اللهُ نبيَّه" على الأعداءِ، "وأظهَرَ الإسلامَ" على غيرِه مِنَ الأديانِ، "قُلنا"- مَعْشرَ الأنصارِ- في أنفُسِنا أو فيما بينَنا: "هَلُمَّ"، أي: تَعالَوْا "نُقيمُ في أموالِنا ونُصلِحُها! فأنزَل اللهُ تعالى" هذه الآيةَ وهي قولُه: "{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}"، ثُمَّ فسَّر هذه الآيةَ أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ رضي اللهُ عنه، فقال: "فالإلقاءُ بالأيدي إلى التَّهلُكةِ"، أي: إلى الهلاكِ "أن نُقيمَ في أموالِنا ونُصلِحَها وندَعَ الجِهادَ"، أي: نَترُكَه فلا نَخرُجَ للغَزوِ، وقيل: معنى الآيةِ: أنَّ الهلاكَ هو بالبُخلِ والشُّحِّ، وتَركِ الإنفاقِ والبَذْلِ في سَبيلِ اللهِ تعالى.

"قال أبو عِمْرانَ" وهو أَسْلَمُ بنُ يَزيدَ: "فلَم يزَلْ أبو أيُّوبَ" الأنصاريُّ رضي اللهُ عنه "يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ"؛ لا يَترُكُ الجهادَ حتَّى بعدَ أنْ كَبِرَ في السِّنِّ، "حتَّى دُفِنَ بالقُسطَنطينيَّةِ"، وهو يُقاتِلُ في سَبيلِ اللهِ تعالى.

وفي الحديثِ: فضلُ صحابةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في العِلمِ والعمَلِ.

وفيه: فضلُ الجهادِ في سبيلِ اللهِ، وأنَّ في تَركِه الهَلاكَ والهَوانَ.

وفيه: بيانُ العِلمِ وقتَ الحاجةِ إليه، وأنَّ تأخيرَه عن وقتِه لا يَنبغي.

أحاديث ذات صلة