كُنَّا نُحَاقِلُ الأرْضَ علَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَنُكْرِيهَا بالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ المُسَمَّى، فَجَاءَنَا ذَاتَ يَومٍ رَجُلٌ مَن عُمُومَتِي، فَقالَ: نَهَانَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن أَمْرٍ كانَ لَنَا نَافِعًا، وَطَوَاعِيَةُ اللهِ وَرَسولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِلَ بالأرْضِ فَنُكْرِيَهَا علَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَالطَّعَامِ المُسَمَّى، وَأَمَرَ رَبَّ الأرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا، أَوْ يُزْرِعَهَا، وَكَرِهَ كِرَاءَهَا وَما سِوَى ذلكَ.
[وفي رواية]: كُنَّا نُحَاقِلُ بالأرْضِ فَنُكْرِيهَا علَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ
أخرجه أبو داود (3395)، والنسائي (3897)، وأحمد (17539) باختلاف يسير.
كانتِ الجاهِليَّةُ يَسودُ فيها أنواعٌ مِن المعاملاتِ الَّتي تَمتلِئُ ظُلمًا وإجحافًا، فلمَّا جاء الإسلامُ أقرَّ البَيعَ العادلَ، ونهَى عن كلِّ ما فيه ظُلمٌ؛ فمَنَع ما فيه الغِشُّ والغرَرُ والجهالةُ لقَطْعِ النِّزاعِ والخُصومةِ بيْن الناسِ، وهذا مَقصِدٌ مِن المَقاصِدِ الشَّرعيَّةِ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ رافعُ بنُ خَدِيجٍ رَضِي اللهُ عنه أنَّهم كانوا يُحاقِلُون الأرضَ على عَهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، واختُلِف في مَعنى المُحاقَلةِ؛ فقيل: هي إجارةُ الأرضِ بالحِنْطةِ؛ هكذا جاء مُفسِّرًا في بَعضِ الرِّواياتِ، وهو الَّذي يُسمِّيه الزَّرَّاعُون المُحارَثةَ، وقيل: هي المُزارَعةُ على نَصيبٍ مَعلومٍ؛ كالثُّلثِ والرُّبعِ ونَحوِهما، كما جاء في هذا الحديثِ، وقيل: هي بَيعُ الطَّعامِ في سُنبُلِه بالبُرِّ، وقيل: بَيعُ الزَّرعِ قبْلَ إدراكِه، وقولُه: «والطَّعامِ المسمَّى»، أي: بأخذِ نَصيبٍ مُحدَّدٍ مِن الثَّمرِ أُجرةً على الأرضِ، وكلُّ هذا يَحمِلُ الجَهالةَ في العَقدِ بيْن المالِكِ والمُستأجِرِ، ثمَّ أخبَرَ رافِعٌ رَضِي اللهُ عنه أنَّ الأمرَ استَمرَّ عِندهم على ذلك حتَّى جاءهمْ ذاتَ يومٍ أحَدُ أعمامِهِ -قيلَ: هو عَمُّهُ ظُهَيرُ بنُ رافِعٍ- فأخبَرَهم أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم نَهاهم عَن أمْرٍ كانَ نافعًا لهم، يُريدُ المُحاقَلةَ، وهو ما يَحصُلُ لهم مُقابِلَ استخدامِ الأرضِ، فيَستفيدونَ، ويَستفيدُ العاملُ، ولكنَّ هذِه المَنفَعةَ في الحَقيقةِ مَنفَعةٌ جُزْئيَّةٌ، وربَّما لم يَسلَمْ مِن الضَّررِ؛ فربَّما هَلَكتْ ثِمارُها، وضاع حقُّ أحدِهما.
«إلَّا أنَّ طَواعِيةَ اللهِ ورَسولِهِ أنفَعُ لنا»، أي: فإنَّ طاعةَ اللهِ ورسولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فِيما يُرِشدُنا إليه أنفَعُ لنا مِن هذا النَّفعِ المَظنونِ في الكِراءِ والمزارعةِ الَّتي كُنَّا نَفْعَلُها، فإجابةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنفَعُ وأصلَحُ لِدِينِهم ودُنْياهم، وكانَ مِن مُحاقَلتِهمْ بالأرْضِ أنَّهم كانوا يُؤجِّرُونها بالثُّلُثِ والرُّبُعِ والطَّعامِ المُسَمَّى، أي: بأخْذِ نَصيبٍ مِن الثَّمرِ أُجرةً على الأَرضِ، فأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم صاحبَ الأرضِ أنْ يَزرَعَها بنفْسِه إنِ استطاع، أو يُعطِيها لمَن يَزرَعُها، وكَرِهَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم «كِراءَها، وما سِوى ذلكَ»، أي: وكلَّ ما يَتعلَّقُ بالإكْراءِ، وقيل: إنَّ هذا في أوَّلِ الهجرةِ رِفقًا بهم؛ إمَّا أنْ يَزرَعوها، وإمَّا أنْ يَزرَعَها غيرُهم مِن إخوانِهم المهاجرينَ، ثمَّ رخَّصَ في الأُجرةِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وقدْ ورَدَ أنَّ الإجارةَ بالذَّهبِ والفِضَّةِ والنَّقدِ لا بأسَ بها؛ ففي الصَّحيحينِ، عن حَنْظلةَ بنِ قَيسٍ: «أنَّه سَأل رافعَ بنَ خَديجٍ عن كِراءِ الأرضِ، فقال: نَهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عن كِراءِ الأرضِ، قال: فقلْتُ: أبِالذَّهبِ والوَرِقِ؟ فقال: أمَّا بالذَّهبِ والوَرِقِ فلا بأسَ به»، وفي الصَّحيحينِ أيضًا، عن ابنِ عمَرَ رَضِي اللهُ عنهما، قال: «عامَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم خَيبَرَ بشَطرِ ما يَخرُجُ منها مِن ثمَرٍ أو زرْعٍ».
وعليه فإنَّ للمالكِ أنْ يُؤجِّرَها بنِسبةٍ شائعةٍ ممَّا يُزرَعُ فيها، كالرُّبعِ والثُّلثِ مِن إنتاجِها، والمَنهيُّ عنه مَحمولٌ هو ما كان فيه مُخاطَرةٌ وجَهالةٌ وغرَرٌ، وكان أشْهَرُها هي الَّتي كان يَختَصُّ بها صاحبُ الأرضِ بجُزءٍ منها وما تُنبِتُه لنفسِه.
وفي الحديثِ: أنَّ اللهَ عزَّ وَجلَّ ورَسولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لا يَنْهيانِ عنِ المنافِعِ والمَصالحِ، وإنَّما يَنْهيانِ عنِ المفاسِدِ، وما يُؤدِّي إليها.
سنن أبي داود (3/ 259) 3395 - حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا سعيد، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، أن رافع بن خديج ، قال: كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، وأنفع، قال: قلنا وما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها، أو فليزرعها أخاه، ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى
سنن النسائي (7/ 42) 3897 - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن سعيد، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، أن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعم أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، قلنا: وما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض، فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يكاريها بثلث، ولا ربع، ولا طعام مسمى رواه حنظلة بن قيس، عن رافع، فاختلف على ربيعة في روايته
[مسند أحمد] (29/ 82) 17539 - حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثلث، والربع، أو طعام مسمى، قال: فأتانا بعض عمومتي، فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أرفع لنا وأنفع.
قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا يكارها بثلث، ولا ربع، ولا بطعام مسمى قال قتادة: وهو ظهير
صحيح مسلم (5/ 23) :
113 - (1548) وحدثني علي بن حجر السعدي، ويعقوب بن إبراهيم ، قالا: حدثنا إسماعيل (وهو ابن علية )، عن أيوب ، عن يعلى بن حكيم ، عن سليمان بن يسار ، عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك .
صحيح مسلم (5/ 23) :
113 - (1548) وحدثناه يحيى بن يحيى : أخبرنا حماد بن زيد ، عن أيوب قال: كتب إلي يعلى بن حكيم قال: سمعت سليمان بن يسار يحدث عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع، ثم ذكر بمثل حديث ابن علية .
صحيح مسلم (5/ 23) :
113 - (1548) وحدثنا يحيى بن حبيب ، حدثنا خالد بن الحارث .
(ح) وحدثنا عمرو بن علي ، حدثنا عبد الأعلى .
(ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبدة ، كلهم عن ابن أبي عروبة ، عن يعلى بن حكيم بهذا الإسناد مثله .
صحيح مسلم (5/ 23) :
113 - (1548) وحدثنيه أبو الطاهر ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني جرير بن حازم ، عن يعلى بن حكيم بهذا الإسناد، عن رافع بن خديج ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: عن بعض عمومته .