هاجَرَ إبْراهِيمُ بسارَةَ، دَخَلَ بها قَرْيَةً فيها مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبابِرَةِ، فأرْسَلَ إلَيْهِ: أنْ أرْسِلْ إلَيَّ بها، فأرْسَلَ بها، فَقامَ إلَيْها، فَقامَتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي، فقالَتْ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ آمَنْتُ بكَ وبِرَسولِكَ، فلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكافِرَ، فَغُطَّ حتَّى رَكَضَ برِجْلِهِ.

الدلالات الموضوعية:# آداب الدعاء - الاجتهاد في الدعاء# مناقب وفضائل - سارة زوجة نبي الله إبراهيم# علم - القصص# عقيدة - كرامات الأولياء# أنبياء - إبراهيم
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: أبو هريرة
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (6950) واللفظ له، ومسلم (2371)

الشرح والتوضيح

قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هَاجَرَ إبْرَاهِيمُ عليه السَّلَامُ بسَارَةَ، فَدَخَلَ بهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ -أوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ- فقِيلَ: دَخَلَ إبْرَاهِيمُ بامْرَأَةٍ هي مِن أحْسَنِ النِّسَاءِ، فأرْسَلَ إلَيْهِ: أنْ يا إبْرَاهِيمُ، مَن هذِه الَّتي معكَ؟ قالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا فَقالَ: لا تُكَذِّبِي حَديثِي؛ فإنِّي أخْبَرْتُهُمْ أنَّكِ أُخْتِي، واللَّهِ إنْ علَى الأرْضِ مُؤْمِنٌ غيرِي وغَيْرُكِ، فأرْسَلَ بهَا إلَيْهِ، فَقَامَ إلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي، فَقالَتِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ آمَنْتُ بكَ وبِرَسولِكَ، وأَحْصَنْتُ فَرْجِي، إلَّا علَى زَوْجِي؛ فلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ، فَغُطَّ حتَّى رَكَضَ برِجْلِهِ.

قالَ الأعْرَجُ: قالَ أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمَنِ: إنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَتْ: اللَّهُمَّ إنْ يَمُتْ يُقَالُ: هي قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، ثُمَّ قَامَ إلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي، وتَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ آمَنْتُ بكَ وبِرَسولِكَ وأَحْصَنْتُ فَرْجِي إلَّا علَى زَوْجِي؛ فلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هذا الكَافِرَ.

فَغُطَّ حتَّى رَكَضَ برِجْلِهِ.

قالَ عبدُ الرَّحْمَنِ، قالَ أبو سَلَمَةَ: قالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَقالَتْ: اللَّهُمَّ إنْ يَمُتْ فيُقَالُ: هي قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ في الثَّانِيَةِ -أوْ في الثَّالِثَةِ- فَقالَ: واللَّهِ ما أرْسَلْتُمْ إلَيَّ إلَّا شيطَانًا، ارْجِعُوهَا إلى إبْرَاهِيمَ، وأَعْطُوهَا آجَرَ.

فَرَجَعَتْ إلى إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَامُ، فَقالَتْ: أشَعَرْتَ أنَّ اللَّهَ كَبَتَ الكَافِرَ وأَخْدَمَ ولِيدَةً؟ الراوي : أبو هريرة المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2217 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (2217) واللفظ له، ومسلم (2371) إنَّ اللهَ سُبحانه وتعالَى يُدافِعُ عَن الَّذين آمَنوا، وهو معَهم بِفَضلِه ولُطْفِه، ناصِرُهم على أعدائِهم إذا أَحسَنوا التَّوكُّلَ عليه وتَجرَّدوا مِن كلِّ حَولٍ وقُوَّةٍ إلَّا قُوَّتَه، وقد كان إبراهيمُ عليه السَّلامُ وزَوجتُه سارةُ مِن خَيرِ المُتوكِّلِينَ على المَولى سُبحانه وتعالَى.

وفي هذا الحديثِ يَذكُرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ خَليلَ الرَّحمنِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ لمَّا سافَرَ هو وزَوجتُه سارةُ إلى قَريةٍ -وكانتْ مِن أجمَلِ النِّساءِ- وكان فيها مَلِكٌ مِنَ المُلوكِ الجَبابرةِ الطُّغاةِ؛ أَرسَلَ إليه هذا المَلِكُ وسَألَه عَن سارةَ، فقال إبراهيمُ: إنَّها أُختي، أي: أُخْتُه في الدِّينِ، فَعَدَل إبراهيمُ عَن أنْ يَقولَ: «زَوْجَتي»، مع أنَّ ذلك الجبَّارَ كان يُريدُ اغتصابَها على نفْسِها أُختًا كانت أو زَوجةً؛ لأنَّهُ عَلِم مِن سِيرةِ هذا الملِكِ الجَبَّارِ أنَّه لا يَغلِبُ الأَخَ على أُخْتِه، وكان يَغلِبُ الزَّوْجَ على زَوجتِه، وقيل: لأنَّه عَلِمَ أنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى قَتْلِه أو طَرْدِه عنها، أو تَكْلِيفِه فِرَاقَها.

ثُمَّ قال لها إبراهيمُ عليه السَّلامُ: «لا تُكَذِّبي حَديثي»، يعني: إذا سَألَكِ هذا المَلِكُ فلا تَقولي: زَوجَتي، وأخبَرَها أنَّه لم يَكذِبْ صلَّى اللهُ عليه وعلى نَبيِّنا وسلَّم في ذلك؛ لأنَّها أُخْتُه في الإسلامِ، وحلَفَ أنَّه لا يُوجَدُ على الأرضِ مُؤمِنٌ غيرُه وغيرُها، فأرادَ بذلكَ التَّعريضَ على هذا المَلِكِ الظَّالمِ؛ حتَّى لا يَنالَه هو أو زَوجتَه بسُوءٍ إذا عَلِمَ أنَّها زَوجتُه، وقولُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ: «واللهِ إنْ علَى الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيرِي وغَيرُكِ» لا يَتعارَضُ مع قَولِه تعالَى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت: 26] ؛ إذ المُرادُ بالأرضِ الأرضُ التي وَقَعَ له فيها ما وَقَعَ، ولم يكُنْ معه لوطٌ إذْ ذاك.

فأرْسَلَ إبراهيمُ عليه السَّلامُ بسارةَ إلى الجبَّارِ، وزادَ في رِوايةِ مُسلمٍ: «فقام إبراهيمُ عليه السَّلامُ إلى الصَّلاةِ»، فقامَ الجبَّارُ إليها بعْدَ أنْ دَخَلَت عليه، فقامتْ سارةُ فَتوَضَّأتْ وصلَّتْ وقالت: «اللَّهمَّ إنْ كنتُ آمنتُ بكَ وبرَسولِكَ» إبراهيمَ، ولم تكُنْ شاكَّةً في الإيمانِ، بلْ كانت قاطعةً به، وإنَّما ذَكَرَتْه على سَبيلِ الفرْضِ هَضْمًا لنفْسِها، «وأحصَنْتُ فَرجي»، أي: حَفِظْتُه عَنِ الحرامِ، إلَّا على زَوجي إبراهيمَ؛ فلا تُسلِّطْ علَيَّ الكافرَ، «فغَطَّ»، أي: ضاقَ نفَسُه وكادَ يَختنِقُ وسُمِع له غَطيطٌ، وهو تَردُّدُ النفَسِ صاعدًا إلى الحلْقِ حتَّى يَسمَعَه مَن حَولَه.

«حتَّى رَكَضَ بِرِجْلِه»، أي: حتَّى حرَّكَ رِجلَه وضرَبَ بها على الأرضِ مِن شِدَّةِ ما يَجِدُ، فقالتْ سارةُ: اللَّهمَّ إنْ يَمُتْ يَتَّهِموني بِقتلِه، فأَذْهَبَ اللهُ عَن هذا الكافرِ ما يَجِدُ، فقامَ إليها مرَّةً أُخرى فدَعَتْ بِمِثلِ ما دَعَتْ به، وحدَثَ لِلملِكِ مِثلُ ما حدَثَ المرَّةَ الأُولى، فدَعَتِ اللهَ ألَّا يُميتَه حتَّى لا يَتَّهموها بِأنَّها قتَلَتْه، فلمَّا تَكرَّر ذلك قال الملِكُ: واللهِ ما أرْسلْتُم إلَيَّ إلَّا شَيطانًا مُتمرِّدًا مِن الجِنِّ، وكانوا قبْلَ الإسلامِ يُعظِّمون أمْرَ الجِنِّ، ويَرَون كلَّ ما يَقَعُ مِن الخَوارقِ مِن فِعلِهم وتَصرُّفِهم، وهذا يُناسِبُ ما وَقَعَ له مِن الخَنْقِ الشَّبيهِ بالصَّرَعِ.

قال: «ارْجِعوها إلى إبراهيمَ وأَعطُوها آجَرَ»، و«آجَرُ» هي هاجَرُ أُمُّ إسماعيلَ عليه السَّلامُ، فرَجَعَتْ إلى إبراهيمَ عليه السَّلامُ، فقالتْ: أرأيتَ أنَّ اللهَ أذلَّ الكافرَ وأخْزاه ورَدَّه خاسئًا، وأَخدَمَ وَليدةً، أي: أعطى أَمَةً لِلخِدمةِ، والوليدةُ: الجاريةُ لِلخِدمةِ، كَبيرةً كانتْ أم صَغيرةً.

وفي الحديثِ: إباحةُ المَعاريضِ وأنَّ فيها مَندوحةً عن الكَذبِ.

وفيه: التَّوسُّلُ بالأَعمالِ الصَّالحةِ، وأعظمُها الإيمانُ.

وفيه: كِفايةُ اللهِ عزَّ وجلَّ لِمَن أخْلَصَ الدُّعاءَ، وإجابتُه بما يكونُ نَوعًا مِن الآياتِ، وزِيادةً في الإيمانِ، وتَقويةً على التَّصديقِ والتَّسليمِ والتَّوكُّلِ.

وفيه: صِحَّةُ هِبةِ الكافرِ، ومَشروعيَّةُ قَبولِها.

وفيه: قَبولُ هَديَّةِ السُّلطانِ الظالمِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (9/ 21) 6950- حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هاجر إبراهيم بسارة، دخل بها قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فأرسل إليه: أن أرسل إلي بها، فأرسل بها، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله)).

[صحيح مسلم] (4/ 1840 ) ((154- (2371) وحدثني أبو الطاهر.

أخبرنا عبد الله بن وهب.

أخبرني جرير بن حازم عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لم يكذب إبراهيم النبي، عليه السلام، قط إلا ثلاث كذبات.

ثنتين في ذات الله.

قوله: إني سقيم.

وقوله: بل فعله كبيرهم هذا.

وواحدة في شأن سارة.

فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة.

وكانت أحسن الناس.

فقال لها: إن هذا الجبار، إن لا يعلم أنك امرأتي، يغلبني عليك.

فإن سأل فأخبريه أنك أختي.

فإنك أختي في الإسلام.

فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك.

فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار.

أتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك.

فأرسل إليها فأتي بها.

فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة.

فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها.

فقبضت يده قبضة

شديدة.

فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك.

ففعلت.

فعاد.

فقبضت أشد من القبضة الأولى.

فقال لها مثل ذلك.

ففعلت.

فعاد.

فقبضت أشد من القبضتين الأوليين.

فقال: ادعي الله أن يطلق يدي.

فلك الله أن لا أضرك.

ففعلت.

وأطلقت يده.

ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان.

ولم تأتني بإنسان.

فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر.

قال فأقبلت تمشي.

فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف.

فقال لها: مهيم؟ قالت: خيرا.

كف الله يد الفاجر.

وأخدم خادما.

قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء))

أحاديث ذات صلة