قامَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - علَى بيتٍ فيهِ نفرٌ من قُرَيْشٍ فأخذَ بعُضادَتي البابِ فقالَ : هل في البيتِ قرشيٌّ ؟ فقالوا لا إلَّا ابنُ أختٍ لَنا فقالَ ابنُ أختِ القومِ منهُم ثمَّ قالَ إنَّ هذا الأمرَ في قُرَيْشٍ ما إذا استُرحِموا رحِموا وإذا حَكَموا عدلوا وإذا قسَموا أقسَطوا ومن لم يفعل ذلِكَ فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائِكَةِ والنَّاسِ أجمعينَ
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (2563)، وابن الأعرابي في ((معجمه)) (1980) باختلاف يسير، والدولابي في ((الكنى والأسماء)) (1387) مختصرًا.
كانت لقُرَيشٍ مَكانةٌ عَظيمةٌ عِندَ العَرَبِ قَبلَ الإسلامِ، فهم أهلُ حَرَمِ اللَّهِ؛ ولهذا لمَّا بُعِثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَدَأ يَدعوهم إلى اللهِ؛ لأنَّهم لو آمَنوا فسَيُؤمِنُ بَقيَّةُ العَرَبِ، وكان العَرَبُ يَنتَظِرونَ ما يَنتَهي إليه أمرُ قُرَيشٍ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولونَ: اترُكوه وقَومَه؛ فإنَّه إن ظَهَرَ عليهم فهو نَبيٌّ صادِقٌ، فلمَّا كانت وقعةُ فَتحِ مَكَّةَ بادَرَ كُلُّ قَومٍ بإسلامِهم، واستَمَرَّت هذه المَكانةُ لقُرَيشٍ حتَّى بَعدَ الإسلامِ، وقد قال أبو بَكرٍ عِندَما اختَلف الصَّحابةُ فيمَن يَكونُ الخَليفةُ بَعدَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأرادَ بَعضُ الأنصارِ أن تَكونَ فيهم، قال: ولن يُعرَفَ هذا الأمرُ إلَّا لهذا الحَيِّ مِن قُرَيشٍ؛ هم أوسَطُ العَرَبِ نَسَبًا ودارًا.
وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الخِلافةَ باقيةٌ في قُرَيشٍ.
وفي هذا الحَديثِ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قامَ على بَيتٍ فيه نَفَرٌ، أي: جَماعةٌ مِنَ الرِّجالِ ما بَينَ الثَّلاثةِ إلى العَشرةِ، مِن قُرَيشٍ، أي: مِن قَبيلةِ قُرَيشٍ، فأخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعِضادَتَيِ البابِ، وهما خَشَبَتانِ مَنصوبَتانِ مُثَبتَتانِ في الحائِطِ على جانِبَيه، أي: أمسَكَ بهاتَينِ الخَشَبَتَينِ، ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لهم: هَل في البَيتِ إلَّا قُرَشيٌّ؟ أي: هَل يوجَدُ أحَدٌ مِن غَيرِ قُرَيشٍ؟ فقالوا: لا، أي: كُلُّنا مِن قُرَيشٍ، ولا يوجَدُ أحَدٌ غَيرُنا إلَّا ابنُ أُختٍ لنا، أي: أنَّ نَسَبَه لأبيه، لكِنَّ أُمَّه مِن قُرَيشٍ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ابنُ أُختِ القَومِ مِنهم، أي: يَكونُ منَّا وحَليفَنا.
ثُمَّ قال لهم: إنَّ هذا الأمرَ، أي: الحُكمَ والإمارةَ، في قُرَيشٍ، أي: في قَبيلةِ قُرَيشٍ، لا يَخرُجُ عَنهم، ولكِن بشُروطٍ، ما إذا استُرحِموا رَحِموا، أي: إذا طَلبَ مِنهم أحَدٌ الرَّحمةَ أجابوا لها فرَحِموا.
وإذا حَكَموا عَدَلوا، أي: إذا تَولَّوا الحُكمَ بَينَ النَّاسِ عَدَلوا ولم يَظلِموا، وإذا قَسَموا أقسَطوا، أي: وزَّعوا الأموالَ بَينَ النَّاسِ عَدَلوا فيها.
والمَقصودُ أنَّ ثُبوتَ الخِلافةِ في قُرَيشٍ ليسَ على إطلاقِه، بَل مُقَيَّدٌ بالحِفاظِ على الدِّينِ، ومُراعاةِ مَصالحِ المُسلمينَ.
ومَن لم يَفعَلْ ذلك، أي: لم يَرحَمِ النَّاسَ ولم يَعدِلْ في حُكمِه ولم يُقسِطْ في التَّوزيعِ، فعليه لعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والنَّاسِ أجمَعينَ، أي: فقدِ استَحَقَّ هذه العُقوبةَ الشَّديدةَ، وهيَ لعنةُ اللهِ، وهيَ الطَّردُ والإبعادُ مِن رَحمةِ اللهِ بسَبَبِ فِعلِه وجُرمِه، واستَحَقَّ دُعاءَ المَلائِكةِ والنَّاسِ عليه بالطَّردِ والإبعادِ مِن رَحمةِ اللهِ، وهذا مُبالغةٌ في شِدَّةِ اللَّعنِ.
وفي الحَديثِ أنَّ ابنَ أُختِ القَومِ مِنهم.
وفيه بَيانُ أنَّ الحُكمَ في قُرَيشٍ.
وفيه فضلُ قُرَيشٍ.
وفيه حَثُّ الأُمَراءِ على إقامةِ العَدلِ والرَّحمةِ بَينَ النَّاسِ.
وفيه الوعيدُ الشَّديدُ لمَن جارَ في الحُكمِ ولم يَعدِلْ .
المعجم الأوسط (3/ 83) 2563 - حدثنا أبو مسلم قال: نا معاذ بن عوذ الله القرشي قال: نا عوف، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت فيه نفر من قريش، فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: هل في البيت إلا قرشي؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال: ابن أخت القوم منهم ، ثم قال: إن هذا الأمر لا يزال في قريش، ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل
لم يرو هذا الحديث عن عوف إلا معاذ بن عوذ الله، ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد
معجم ابن الأعرابي (3/ 934) 1980 - نا أبو رفاعة، نا معاذ بن عوذ الله، نا عوف الأعرابي، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم على بيت فيه نفر من قريش، فقال: هل في البيت إلا قرشي؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا قال: ابن أخت القوم منهم، ثم قال: إن هذا الأمر لا يزال في قريش ما داموا إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا أقسموا أقسطوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا
الكنى والأسماء للدولابي (2/ 799) 1387 - حدثنا أبو بكر الصنعاني، قال: حدثنا معاذ بن عوذ الله أبو العلاء البصري ومنزله المربد، قال: حدثنا عوف، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أخت القوم منهم