أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ.
أخرجه أحمد (19114)، وابن أبي شيبة (33422)، وابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (1/ 139)، والبزار (3358) واللفظ لهم جميعا.
كَتَبَ إلَيْهِ عبدُ اللَّهِ بنُ أبِي أوْفَى حِينَ خَرَجَ إلى الحَرُورِيَّةِ، فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعْضِ أيَّامِهِ الَّتي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، انْتَظَرَ حتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ في النَّاسِ فَقَالَ: أيُّها النَّاسُ، لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، ومُجْرِيَ السَّحَابِ، وهَازِمَ الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وانْصُرْنَا عليهم.
الراوي : عبدالله بن أبي أوفى المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3024 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1742)، وأبو داود (2631)، والحاكم (2413) جميعهم باختلاف يسير.
العَافِيةُ نِعمةٌ مِنَ النِّعَمِ التي يَنبَغي على المَرءِ أنْ يُدَاوِمَ على سُؤالِ المَوْلَى سُبحانَه وتَعالى إيَّاها.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ سالِمٌ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيدِ اللهِ -وكان كاتِبًا له- أنَّه قَرَأ كِتابًا كَتَبَه عَبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفَى رَضيَ اللهُ عنهما إلى عُمَرَ بنِ عُبَيدِ اللهِ الذي كان أميرًا لِلحَربِ على الخَوارِجِ والحَرُوريَّةِ في عَهدِ الخَليفةِ علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عنه، والحَرُوريَّةُ همْ فِئةٌ مِنَ الخَوارِجِ، وسُمُّوا بالحَرُوريَّةِ؛ نِسبةً إلى حَروراءَ، وهي مَوضِعٌ قَريبٌ مِنَ الكُوفةِ، وهي البَلَدُ الذي اجتَمَعَ الخَوارِجُ فيه أوَّلَ أمْرِهم، وكان في الكِتابِ: «إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعضِ أيَّامِه»، أي: غَزَواتِه «التي لَقيَ فيها العَدُوَّ، انتَظَرَ حتَّى مَالَتِ الشَّمسُ»، وتَحرَّكَتْ عن وَسَطِ السَّماءِ، وبذلك تَكونُ الحَرارةُ قدِ انكَسَرتْ، «ثمَّ قَامَ في النَّاسِ» المُحارِبينَ معه، فخَطَبَ فيهم «فقال: أيُّها النَّاسُ، لا تَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ»، وهذا النَّهيُ لِأنَّ المَرءَ لا يَعلَمُ ما يَنتَهي إليه أمْرُه، ولا كيف يَنجُو منه، ولِأنَّ الناسَ مُختَلِفونَ في الصَّبْرِ على البَلاءِ، ولِأنَّ العافيةَ والسَّلامةَ لا يَعدِلُها شَيءٌ.
وأيضًا نَهَى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن تَمَنِّي لِقاءِ العَدُوِّ؛ لِمَا فيه مِن صُورةِ الإعجابِ بالنَّفْسِ، والاتِّكالِ عليها، والوُثوقِ بأسبابِ القُوَّةِ، ولِأنَّه يَتضَمَّنُ قِلَّةَ الاهتِمامِ بالعَدُوِّ واحتِقارَه، وهذا يُخالِفُ الاحتياطَ والحَزمَ، «وسَلُوا اللهَ العافيةَ»، والعافيةُ مِنَ الألفاظِ العامَّةِ المُتناوِلةِ لِدَفْعِ جَميعِ المَكروهاتِ في البَدَنِ والمالِ والأهلِ والدُّنيا والآخِرةِ، وخُصَّتْ بالدُّعاءِ في هذا المَقامِ؛ لِأنَّ الحَربَ مَجالُ الإصاباتِ والابتِلاءِ، ثمَّ قال لهم: «فإذا لَقيتُموهم فاصْبِروا» فالصَّبرُ في القِتالِ والحَربِ فَرضٌ على المُسلِمِ ما دام ذلك في قُدرَتِه وطاقَتِه، وإنَّما يَأتي النَّصرُ لِمَن صَبَرَ أكثَرَ، «واعلَموا أنَّ الجَنَّةَ تَحتَ ظِلالِ السُّيوفِ»، أي: أنَّ لِقاءَ العَدُوِّ والنِّزَالَ بالسُّيوفِ مِنَ الأسبابِ المُوجِبةِ لِلجَنَّةِ، ثمَّ سَأَلَ اللهَ تعالَى النَّصرَ، فقال: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتابِ»، وهو القُرآنُ، «ومُجْريَ السَّحابِ» بالأمطارِ والصَّواعِقِ ونَحوِها، «وهازِمَ الأحزابِ» وهُمُ الأحزابُ الذين اجتَمَعوا عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزوةِ الخَندَقِ (الأحزابِ)، فهَزَمَهمُ اللهُ بالرِّيحِ العاصِفةِ مِن دُونِ قِتالٍ، «اهْزِمْهم وانصُرْنا عليهم».
وهو يُشيرُ بإنزالِ الكِتابِ إلى قَولِه تعالَى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] ، ويُشيرُ بـ«مُجريَ السَّحابِ» إلى القُدرةِ الظَّاهِرةِ في تَسخيرِ السَّحابِ، حيث يُحرِّكُ الرِّيحُ السَّحابَ بمَشيئةِ اللهِ، وحيث يَستَمِرُّ في مَكانِه مع هُبوبِ الرِّيحِ بمَشيئةِ اللهِ، وحيث يُمطِرُ السَّحابُ تارةً، ولا يُمطِرُ أُخرى، فأشارَ بحَرَكَتِه إلى إعانةِ المُجاهِدينَ في حَرَكَتِهم في القِتالِ، وبوُقوفِه إلى إمساكِ أيدي الكُفَّارِ عنهم، وبإنزالِ المَطَرِ إلى غَنيمةِ ما معهم، حيث يَكونُ قَتْلُهم، وبعَدَمِه إلى هَزيمَتِهم، حيث لا يَحصُلُ الظَّفَرُ بشَيءٍ منهم، وكُلُّها أحوالٌ صالِحةٌ لِلمُسلِمينَ، وأشارَ بـ«هازِمَ الأحزابِ» إلى التَّوسُّلِ بالنِّعمةِ السَّابِقةِ في غَزوةِ الأحزابِ، وإلى تَجريدِ التَّوكُّلِ واعتِقادِ أنَّ اللهَ هو المُنفَرِدُ بالفِعلِ.
وفي الحَديثِ: النَّهيُ عن تَمَنِّي لِقاءِ العَدُوِّ، وهذا غَيرُ تَمَنِّي الشَّهادةِ.
وفيه: أنَّ الإنسانَ إذا لَقيَ العَدُوَّ فإنَّ الواجِبَ عليه أنْ يَصبِرَ.
وفيه: الدُّعاءُ على المُشرِكينَ بالهَزيمةِ والزَّلزَلةِ.
[صحيح البخاري] (4/ 63) :
3024 - حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم أبو النضر، مولى عمر بن عبيد الله، كنت كاتبا له، قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى ، حين خرج إلى الحرورية، فقرأته، فإذا فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: أيها الناس، لا تمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم
[مسند أحمد] (31/ 460 ط الرسالة) :
19114 - حدثنا إسماعيل هو ابن إبراهيم، حدثنا أبو حيان قال: سمعت شيخا بالمدينة يحدث، أن عبد الله بن أبي أوفى ، كتب إلى عبيد الله: إذ أراد أن يغزو الحرورية، فقلت لكاتبه: وكان لي صديقا انسخه لي ففعل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا تمنوا لقاء العدو، وسلوا الله عز وجل العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف "، قال: فينظر إذا زالت الشمس نهد إلى عدوه، ثم قال: " اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم "
مصنف ابن أبي شيبة (6/ 513 ت الحوت) :
33422 - حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان، عن أبي حيان، عن رجل، من أهل المدينة عن كاتب، عبيد الله قال: " كتب عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فإن أجلبوا وصيحوا فعليكم بالصمت
الجهاد - ابن أبي عاصم (1/ 139) :
حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله قال: كتب عبد الله بن أبي أوفى ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا، فإن الجنة تحت ظلال السيوف
[مسند البزار - البحر الزخار] (8/ 289) :
3358 - أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، قال: أخبرنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، أنه كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض أيامه التي لقي فيها، قام في الناس فخطب فقال: لا تمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإن لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ، ثم دعا فقال: اللهم منزل الكتاب هازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم ، وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ابن أبي أوفى