ألا يُعجِبُكَ أبو هُرَيْرَةَ ؟ جاء فجلَس إلى بابِ حُجرتي يُحدِّثُ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُسمِعُني ذلكَ وكُنْتُ أُسبِّحُ فقام قبْلَ أنْ أقضيَ سُبْحتي ولو أدرَكْتُه لَردَدْتُ عليه إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمْ يكُنْ يسرُدُ الحديثَ كسَرْدِكم قال ابنُ شِهابٍ : وقال ابنُ المُسيَّبِ : إنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال : يقولونَ : إنَّ أبا هُرَيْرَةَ يُكثِرُ أو قال : أكثَرَ واللهُ الموعِدُ ويقولونَ : ما بالُ المُهاجِرينَ والأنصارِ لا يتحدَّثون بمِثلِ أحاديثِه وسأُخبِرُكم عن ذلك إنَّ إخواني مِن الأنصارِ كان يشغَلُهم عمَلُ أَرَضِيهم وأمَّا إخواني مِن المُهاجِرينَ فكان يشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواقِ وكُنْتُ أخدُمُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على مِلْءِ بطني فأشهَدُ ما غابوا وأحفَظُ إذا نسُوا ولقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا : ( أيُّكم يبسُطُ ثوبَه فيأخُذُ حديثي هذا ثمَّ يجمَعُه إلى صدرِه فإنَّه لنْ ينسى شيئًا يسمَعُه ) فبسَطْتُ بُردةً علَيَّ حتَّى جمَعْتُها إلى صدري فما نسِيتُ بعدَ ذلكَ اليومِ شيئًا حدَّثني به ولولا آيتانِ في كتابِ اللهِ ما حدَّثْتُ شيئًا أبدًا {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} [البقرة: 159] إلى آخِرِ الآيةِ

الدلالات الموضوعية:# صلاة - الضحى# علم - حفظ العلم# آداب الكلام - التأني والرفق# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إجابة دعاء النبي# مناقب وفضائل - أبو هريرة
المصدر: صحيح ابن حبان، تخريج صحيح ابن حبان
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: ابن حبان، شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح على شرط مسلم، أخرجه في صحيحه

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (3568)، ومسلم (2493) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

إنَّكُمْ تَقُولونَ: إنَّ أبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَقُولونَ: ما بَالُ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ لا يُحَدِّثُونَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمِثْلِ حَديثِ أبِي هُرَيْرَةَ؟! وإنَّ إخْوَتي مِنَ المُهَاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بالأسْوَاقِ، وكُنْتُ ألْزَمُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى مِلْءِ بَطْنِي، فأشْهَدُ إذَا غَابُوا، وأَحْفَظُ إذَا نَسُوا، وكانَ يَشْغَلُ إخْوَتي مِنَ الأنْصَارِ عَمَلُ أمْوَالِهِمْ، وكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِن مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ، أعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: إنَّه لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ ثَوْبَهُ حتَّى أَقْضِيَ مَقالتي هذِه، ثُمَّ يَجْمَعَ إلَيْهِ ثَوْبَهُ؛ إلَّا وعَى ما أقُولُ.

فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حتَّى إذَا قَضَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَقالَتَهُ جَمَعْتُهَا إلى صَدْرِي، فَما نَسِيتُ مِن مَقالَةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تِلكَ مِن شَيءٍ.

الراوي : أبو هريرة المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2047 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2492) باختلاف يسير نَقْلُ السُّنةِ النَّبويَّةِ والتَّحديثُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ أمْرٌ جَليلٌ ومَسؤوليةٌ خَطيرةٌ، وقد كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم يَتحرَّون الدِّقَّةَ والتَّثبُّتَ في تلك المَرْويَّاتِ، وكان منهم المُكثِرُ والمُقِلُّ في الرِّوايةِ، كلٌّ حسْبَ الوقتِ الَّذي صاحَبَ فيه رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وما تَحمَّلَ منه، وكان أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه مِن أكثَرِ أصحابِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رِوايةً لِلأحاديثِ، ولَمَّا شَعَرَ أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه بِتَعجُّبِ البَعضِ وسُؤالِهم عَن كَثْرةِ حَديثِه عنِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ ذَكَرَ الأسبابَ الَّتي جَعَلَتْه يُحدِّثُ أكثرَ مِنْ غَيرِه مِنَ المهاجرِينَ والأنصارِ، والمرادُ بهم عُمومُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم، فأخْبَرَ أنَّ إخوانَه في الدِّينِ مِنَ المهاجِرِينَ كان يَشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواقِ، أي: البيعُ والشِّراءُ والتِّجارةُ، بيْنما كان هو يُلازِمُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُقتنِعًا ومُكتفِيًا بالقُوتِ الَّذي يَسُدُّ جُوعَه فَقط، ولذلك فإنَّه كان مُتواجِدًا أكثَرَ الأوقاتِ، فيَحضُرُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا غابوا، ويَحفَظُ الحديثَ إذا نَسُوا؛ لِكَثرةِ مُلازمتِه لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

ثُمَّ أخبَرَ أنَّ الأنصارَ كان يَشغَلُهم ما يَتعلَّقُ بإصلاحِ أموالَهُم مِن مَزارِعَ ونحْوِها، بيْنما كان هو رجُلًا مِسكينًا مِن مَساكينِ الصُّفَّةِ، لا شَيءَ له ليُتاجِرَ به أو يَشغَلَه إصلاحُه، والصُّفَّةُ: مَوضعٌ مُظلَّلٌ في المسجدِ النَّبويِّ، كان يَأْوي إليه الغُرباءُ وفُقراءُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم ومَن ليس له مَنزِلٌ منهم؛ ولذلك فإنَّه كان في مَوضعِ سَماعِ العِلمِ والحديثِ دائمًا، فيَتذكَّرُ مِنَ الحديثِ ما يَنسَوْنَه هم، ثُمَّ أخبَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَنَّه قال: «لَنْ يَبسُطَ أحدٌ ثَوبَه حتَّى أَقضِي مَقالتي هذه، ثُمَّ يَجمَعَ إليه ثَوبَه؛ إلَّا وَعَى ما أقولُ»، أي: إلَّا حَفِظَ ما أقولُه، فبَسَطَ أبو هَرَيْرَةَ رَضيَ اللهُ عنه نَمِرةً كان يَلبَسُها، وهي كِساءٌ مُخطَّطٌ أو مُلوَّنٌ، وظلَّ باسِطًا رِداءَهُ إلى أنِ انْتَهى النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن حَديثِه، فمَا نَسِيَ بعدَ ذلك مَقالةً ولا حَديثًا مِمَّا قالَه النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذلك الموضِعِ.

ولعلَّ مِن بَرَكةِ هذه الدَّعوةِ أنَّه ظلَّ حافظًا لكلِّ ما تَعلَّمَه وسَمِعَه مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خِلالَ مُكوثِه الطَّويلِ معه.

وفي الحَديثِ: مُعجِزةٌ ظاهرةٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه: الحِرْصُ على التَّعَلُّمِ.

وفيه: ذِكرُ الإنسانِ مَحاسِنَه؛ ليَرُدَّ الشُّبهةَ عن نفْسِه، وليس مِن بابِ التَّزكيةِ.

وفيه: عَمَلُ كِبارِ الصَّحابةِ بالتِّجارةِ والتَّكَسُّبِ لمَعاشِهم.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (4/ 190) ((3568- وقال الليث حدثني يونس عن ابن شهاب أنه قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت ألا يعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي ولو أدركته لرددت عليه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم)).

[صحيح مسلم] (4/ 1940 ) ((160- (2493) وحدثني حرملة بن يحيي التجيبي.

أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب؛ أن عروة بن الزبير حدثه؛ أن عائشة قالت:ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتي.

يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

يسمعني ذلك.

وكنت أسبح.

فقام قبل أن أقضي سبحتي.

ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم)).

أحاديث ذات صلة