اجعَلوا بيْنَكم وبيْنَ الحرامِ سُترةً مِن الحلالِ مَن فعَل ذلك استبرَأ لعِرضِه ودِينِه ومَن أرتَع فيه كان كالمُرتِعِ إلى جَنْبِ الحِمى يوشِكُ أنْ يقَعَ فيه وإنَّ لكلِّ مَلِكٍ حِمًى وإنَّ حِمى اللهِ في الأرضِ محارِمُه

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الورع والتقوى# بيوع - الترهيب من كسب الحرام والترغيب في كسب الحلال# إيمان - الاستبراء للدين والعرض# رقائق وزهد - اجتناب الشبهات# إجارة - الحث على الحلال واجتناب الحرام
المصدر: تخريج صحيح ابن حبان
الراوي: النعمان بن بشير
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه ابن حبان (5569)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (21/ 40) (20)، وأبو عوانة في ((المستخرج)) (5904) جميعا بلفظه.

الشرح والتوضيح

الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ.

الراوي : النعمان بن بشير المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 52 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (1599) باختلاف يسير هذا الحديثُ الجليلُ هو أحدُ الأحاديثِ الَّتي عليها مَدارُ الإسلامِ؛ فهو حَديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ مِن أُصولِ الشَّريعةِ، وهو مِن جَوامعِ كَلِمِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حثَّ فيه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على الورَعِ، وترْكِ المُتشابهاتِ في الدِّينِ، وبيَّنَ أنَّ الحَلالَ ظاهرٌ واضحٌ، وهو كلُّ شَيءٍ لا يُوجدُ دَليلٌ على تَحريمِه؛ مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ، أو إجماعٍ أو قياسٍ؛ وذلك لأنَّ الأصلَ في الأشياءِ الإباحةُ، وكذلك الحرامُ ظاهرٌ واضحٌ، وهو ما دلَّ دَليلٌ على تَحريمِه، سواءٌ كان هذا الدَّليلُ مِن الكِتابِ، أو مِن السُّنَّةِ، أو مِن الإجماعِ.

وبيَّنَ أنَّ بيْن الحلالِ والحرامِ قِسمًا ثالثًا، وهو المُشتبِهاتُ، وهي الأمورُ الَّتي تكونُ غيرَ واضحةِ الحُكمِ مِن حيثُ الحِلُّ والحُرمةُ، فلا يَعلَمُ الكثيرُ هل هي حَلالٌ أو حَرامٌ، ويَدخُلُ في ذلك جَميعُ الأُمورِ المشكوكِ فيها؛ مِثل: المالِ المَشبوهِ أو المَخلوطِ بالرِّبا، أو غيرِه مِن الأموالِ المُحرَّمةِ، أمَّا إنْ تأكَّدَ أنَّ هذا مِن عَينِ المالِ الرِّبويِّ، فإنَّه حَرامٌ صِرفٌ دونَ شكٍّ، ولا يُعَدُّ مِن المُشتبِهاتِ.

ثمَّ أوضَحَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ مَن اجتنَبَ المُشتبِهاتِ فقدْ طلَبَ البَراءةَ لنفْسِه، فيَسلَمُ له دِينُه مِن النَّقصِ، وعِرضُه مِن القدْحِ والذِّمِّ والسُّمعةِ السَّيِّئةِ، أمَّا مَن وقَع في الشُّبهاتِ واجترَأَ عليها، فقد عرَّض نفْسَه للخطَرِ، وأوشَكَ على الوُقوعِ في الحرامِ، كراعٍ يَرعَى حولَ الحِمَى، وهو: المكانُ الَّذي جَعَله الملِكُ لرَعْيِ مَواشِيه، وتوعَّدَ مَن رعَى فيه بغيرِ إذنِه بالعُقوبةِ الشَّديدةِ؛ فالرَّاعي حولَ الأرضِ الَّتي حَماها الملِكُ لنفْسِه، وجعَلَها خاصَّةً له، قد تَدخُلُ ماشيتُه في الحِمى، فيَستحِقُّ عُقوبةَ السُّلطانِ، كذلك مَن يَتهاونُ بالشُّبهاتِ، فإنَّه على خَطَرٍ؛ لأنَّها ربَّما كانت حَرامًا، فيقَعُ فيه، وأنَّه ربَّما تَساهَلَ في الشُّبهاتِ فأدَّى به ذلك إلى الاستهتارِ واللَّامبالاةِ، فيَقَعُ في الحرامِ عمْدًا؛ فإنَّ الشُّبهةَ تجُرُّ إلى الصَّغيرةِ، والصَّغيرةُ تجُرُّ إلى الكبيرةِ، نَسأَلُ اللهَ السَّلامةَ.ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ألَا وإنَّ لكلِّ ملِكٍ حِمًى، ألَا وإنَّ حِمى اللهِ مَحارمُه»، أي: إنَّ حِمَى اللهِ هي المعاصي الَّتي حرَّمها على عِبادِه، فمَن دخَلَ حِماهُ بارتكابِ شَيءٍ مِن المعاصي هلَكَ، ومَن قارَبَه بفِعلِ الشُّبهاتِ كان على خطَرٍ.ثم ذَكَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَلمةً جامعةً لصَلاحِ حرَكاتِ بَني آدَمَ وفَسادِها، وهي أنَّ أساسَ صلاحِ الجَسدِ كُلِّه وأساسَ فسادِه مبنيٌّ على صلاحِ القَلْبِ وفَسادِه؛ فإذا صلَحَ القلبُ صلَحَت إرادتُه، وصلَحَت جَميعُ الجوارحِ، فلم تَنبعِثْ إلَّا إلى طاعةِ اللهِ، واجتنابِ سَخَطِه، فقَنِعَتْ بالحلالِ عن الحرامِ، وإذا فسَد القلبُ فسَدَت إرادتُه، ففسَدَتِ الجوارحُ كلُّها، وانبعثَتْ في مَعاصي اللهِ عزَّ وجلَّ، وما فيه سَخَطُه، ولم تَقنَعْ بالحلالِ، بلْ أسرَعَتْ في الحرامِ بحسَبِ هَوى القلبِ ومَيلِه عنِ الحقِّ.

الأصول والأحكام

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (12/ 380) :

5569 - أخبرنا ابن قتيبة، حدثنا يزيد بن موهب، حدثنا المفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش القتباني، عن ابن عجلان، عن الحارث بن يزيد العكلي، عن عامر الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير ، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اجعلوا بينكم وبين الحرام ‌سترة ‌من ‌الحلال، من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه، وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في الأرض محارمه

[المعجم الكبير – للطبراني] من جـ ٢١ (21/ 40) :

20 - حدثنا المقدام بن داود بن عيسى المصري، قال: ثنا عمي سعيد بن عيسى بن تليد الرعيني، قال: ثنا مفضل بن فضالة، عن محمد بن عجلان، عن الحارث بن يزيد العكلي وسعيد بن عبدالرحمن الهمداني ، عن عامر الشعبي؛ أنه سمع النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اجعلوا بينكم وبين الحرام ‌سترة ‌من ‌الحلال؛ من فعل ذلك كان أشد استبراء لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه، إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في الأرض محارمه

مستخرج أبي عوانة (12/ 430 ط الجامعة الإسلامية) :

5904 - حدثنا علي بن عثمان النفيلي، قال: حدثنا سعيد بن عيسى ابن تليد، قال: حدثنا المفضل، قال حدثني ابن عجلان، عن الحارث ابن يزيد العكلي، وسعيد بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبي سمع النعمان ابن بشير يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اجعلوا بينكم وبين الحرام

‌سترة ‌من ‌الحلال، من جعل ذلك كان أشد استبراء لعرضه ودينه، ومن ارتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى، يوشك أن يقع فيه، وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله في الأرض محارمه".

ورواه قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن ابن عجلان مثله

أحاديث ذات صلة