إنَّ ثلاثةَ نفرٍ انطَلَقوا إلى حاجةٍ فأووا إلى جبلٍ فسقَط عليهم فقالوا يا هؤلاءِ يَعْني بعضُهم لبعضٍ تفكَّروا في أحسنِ أعمالِكم فادْعُوا اللهَ بها لعلَّ اللهَ يُفرِّجُ عنكم فقال أحدُهم اللَّهمَّ إنَّه كانت لي مرَّةً صديقةٌ أُطِيلُ الاختلافَ إليها فترَكْتُها من مخافتِك وابتغاءَ مرضاتِك فإن كُنْتَ تعلَمُ ذلك ففرِّجْ عنَّا قال فانصَدَع الجبلُ عنهم حتَّى طمِعوا في الخروجِ ولم يستطيعوا الخروجَ وقال الثَّاني اللَّهمَّ إنَّه كان لي أُجَراءُ يعمَلونَ عملًا أحسَبُه قال فأخَذ كلُّ واحدٍ منهم أجرضه وترَك واحدٌ منهم أجرَه وزعَم أنَّ أجرَه أكثرُ من أجورِ أصحابِه فعزَلْتُ أجرَه من مالي حتَّى كان خيرًا وماشيةً فأتى بعدما افتَقَر وكبِر فقال أُذكِّرُك اللهَ في أجري فأنا أحوجُ ما كُنْتُ إليه فانطَلَقْتُ فوقَ بيتٍ فأرَيْتُه ما أنمى اللهُ له من أجرِه في المالِ والماشيةِ في الغائطِ يَعْني في الصَّحارَى فقُلْتُ هذا لك فقال لِمَ تسخَرُ بي أصلَحك اللهُ كُنْتُ أُرِيدُك على أقلَّ من هذا فتأبَى عليَّ فدفَعْتُ إليه يا ربِّ من مخافتِك وابتغاءَ مرضاتِك فإن كُنْتَ تعلَمُ ذلك ففرِّجْ عنَّا فانصَدَع الجبلُ عنهم ولم يستطيعوا أن يخرُجوا وقال الثَّالثُ يا ربِّ كان لي أبوانِ كبيرانِ فقيرانِ ليس لهما خادمٌ ولا راعٍ ولا والٍ غيري أرعى لهما بالنَّهارِ وآوي إليهما باللَّيلِ وإن الكلأَ تباعَد فتباعَدْتُ بالماشية فأتَيْتُهما يَعْني ليلةً بعدَما ذهَب من اللَّيلِ وناما فحلَبْتُ في الإناءِ ثُمَّ جلَسْتُ عندَ رؤوسِهما يَعْني بالإناءِ كراهيةَ أن أُوقِظَهما حتَّى يستيقَظا من قِبَلِ أنفسِهما اللَّهمَّ إن كُنْتَ تعلَمُ أنِّي فعَلْتُ ذلك من مخافتِك وابتغاءَ مرضاتِك ففرِّجْ فانصَدَع الجبلُ وخرَجوا

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الإخلاص# إجارة - ترك الأجير أجرته وتصرف المؤجر فيها# آداب الدعاء - التوسل بصالح الأعمال في الدعاء# علم - القصص# بر وصلة - بر الوالدين وحقهما
المصدر: مجمع الزوائد
الراوي: علي بن أبي طالب
المحدث: الهيثمي
الحكم:رجاله ثقات‏ ‏

بيانات التخريج:

أخرجه البزار (906)، والطبراني في ((الدعاء)) (187) واللفظ لهما، والخليلي في ((الإرشاد)) (165) بنحوه.

الشرح والتوضيح

سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ حتَّى أوَوُا المَبِيتَ إلى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عليهمُ الغَارَ، فَقالوا: إنَّه لا يُنْجِيكُمْ مِن هذِه الصَّخْرَةِ إلَّا أنْ تَدْعُوا اللَّهَ بصَالِحِ أعْمَالِكُمْ، فَقالَ رَجُلٌ منهمْ: اللَّهُمَّ كانَ لي أبَوَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ، وكُنْتُ لا أَغْبِقُ قَبْلَهُما أهْلًا ولَا مَالًا، فَنَأَى بي في طَلَبِ شَيءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عليهما حتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لهما غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُما نَائِمَيْنِ وكَرِهْتُ أنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُما أهْلًا أوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ والقَدَحُ علَى يَدَيَّ، أنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا ما نَحْنُ فيه مِن هذِه الصَّخْرَةِ.

فَانْفَرَجَتْ شيئًا لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ.

قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لي بنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ، فأرَدْتُهَا عن نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حتَّى ألَمَّتْ بهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فأعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ ومِئَةَ دِينَارٍ علَى أنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وبيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حتَّى إذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، قالَتْ: لا أُحِلُّ لكَ أنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إلَّا بحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وهي أحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، وتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذي أعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ.

فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غيرَ أنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ منها.

قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وقالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فأعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غيرَ رَجُلٍ واحِدٍ تَرَكَ الَّذي له وذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أجْرَهُ حتَّى كَثُرَتْ منه الأمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، أدِّ إلَيَّ أجْرِي، فَقُلتُ له: كُلُّ ما تَرَى مِن أجْرِكَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والرَّقِيقِ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَسْتَهْزِئُ بي! فَقُلتُ: إنِّي لا أسْتَهْزِئُ بكَ، فأخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ منه شيئًا، اللَّهُمَّ فإنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغَاءَ وجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ.

فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ.

الراوي : عبدالله بن عمر المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2272 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2743) باختلاف يسير الدُّعاءُ والتَّقرُّبُ إلى اللهِ تعالَى بصالِحِ الأعمالِ والإخلاصِ سَبَبٌ لتَفْريجِ كُلِّ كَرْبٍ.

وفي هذا الحديثِ يَحكِي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه انطَلَقَ ثَلاثةُ رَهْطٍ مِنَ الأُمَمِ السَّابقةِ -والرَّهْطُ: ما دونَ العَشَرَةِ مِنَ الرِّجالِ لا يكونُ فيهِمُ امْرأةٌ، وإنَّما جاز تَمييزُ الثَّلاثةِ بالرَّهطِ؛ لأنَّه في معْنى الجماعةِ- حتَّى لَجَؤوا إلى غارٍ لِيَبيتوا فيه، وفي الصَّحيحَينِ: أنَّهم دَخَلوه بسَببِ نُزولِ الأَمْطارِ، والغارُ: الكَهْفُ في الجَبَلِ، فنَزَلَتْ مِن أعلى الجبلِ صَخرةٌ فأغلَقَتْ مَخْرَجَ الغارِ الَّذي يَخرُجون منه، فَحُبِسَ الثَّلاثَةُ داخِلَ هذا الكهْفِ، فقال بَعضُهم لبَعضٍ: إنَّه لا يُنْجِيكُمْ مِن هذه الصَّخرةِ إلَّا أنْ تَتوسَّلوا إلى اللهِ وتَدْعوهُ بما كان مِن عَملِكُم الصَّالِحِ؛ حتَّى يَستجيبَ لكم، فيُبعِدَ تلك الصَّخرةَ عن بابِ الكهْفِ.

فقال رَجُلٌ منهم: «اللَّهُمَّ كان لي أَبَوانِ شَيْخانِ كَبيرانِ، وكنتُ لا أَغْبِقُ قَبْلَهما»، أي: لا أُقَدِّمُ عليهما أحدًا في شُرْبِ لَبنِ العَشِيِّ؛ لا أهلًا ولا مالًا، وهذا كِنايةٌ عن شِدَّةِ بِرِّهِ بهما؛ بأنْ يَجعَلَهما أوَّلَ الشاربينَ مِن لَبَنِ العَشاءِ وأوَّلَ الطاعِمينَ، ثمَّ أخبَرَ أنَّه ذاتَ يومٍ طال بهِ الوقتُ خارجَ البيتِ؛ لِبُلوغِ بَعضِ الحاجةِ، فلمْ يَرجِعْ إلى البيتِ حتَّى نام الأَبَوانِ، فَحَلَبَ لهما اللَّبَنَ الَّذي يَشْرَبانِهِ قَبْلَ نَوْمِهما، ولكنَّه لمَّا ذهَبَ إليهما لِيَسقِيَهما وَجَدَهما قدْ ناما، وكَرِهَ أنْ يُخلِفَ عادتَه، فامْتَنَعَ عن أنْ يَشرَبَ هو مِن هذا اللَّبنِ أو أنْ يَسقِيَ أَحَدًا قَبْلَهما، قال الرَّجلُ: «فَلَبِثْتُ والقَدَحُ على يَدي أَنْتَظِرُ استِيقاظَهما حتَّى بَرَقَ الفجرُ»، أي: ظَهَرَ ضِياؤُهُ، والقَدَحُ: الوِعاءُ الَّذي يُشرَبُ فيه، فتَرَكَهما نائمَيْنِ مُفَضِّلًا السَّهَرَ في انتظارِهما على أنْ يُوقِظَهما مِن نَومِهما حتَّى يكونَا هما المُسْتَيقِظَينِ مِن تِلقاءِ أنفُسِهما، قال الرَّجلُ: «اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فعَلْتُ ذلك ابتِغاءَ وَجهِكَ»، وطَلَبًا لِمَرضاتِكَ، «ففَرِّجْ عنَّا ما نحنُ فيه مِن هذه الصَّخرةِ»، واجعَلْ لنا منها مَخْرَجًا، فأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ بابَ الغارِ فُتِحَ قَدْرًا يَسيرًا، ولكنْ لا يَستطيعون الخُروجَ.

ثمَّ قال الرجُلُ الثاني: اللَّهُمَّ كانتْ لي بِنْتُ عَمٍّ كانت أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ، وأردْتُ أنْ أَزْنِيَ بها، فامْتَنَعَتْ منِّي، حتَّى نَزَلَتْ بها مَضَرَّةٌ جعَلَتْها في حاجةٍ وفَقْرٍ، فجاءتْ تَطلُبُ منِّي المُساعَدةَ، فأعطيْتُها عِشرينَ ومِئةَ دِينارٍ، وشَرَطْتُ عليها أنْ تُمكِّنَني مِن نفْسِها مُقابِلَ المالِ، فوافقَتْ، حتَّى إذا تَمكَّنتُ منها، واقترَبْتُ مِن جِماعِها، قالَتْ لي: «يا عبدَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ» -كما في الصَّحيحَينِ- «لا أُحِلُّ لك أنْ تَفُضَّ الخاتَمَ إلَّا بِحَقِّهِ»، فذكَّرَتْه باللهِ عزَّ وجلَّ وتَقْواه، وسَألَتْهُ أنْ يَنتَهيَ عنها ولا يُواقِعَها، وألَّا يُزِيلَ بَكارَتَها إلَّا بالزَّواجِ الَّذي أحلَّهُ اللهُ، فتَجنَّبها ولم يَزْنِ بها؛ لِمَا ذكَّرَتْهُ به مِن حقِّ الله فيها، قال الرَّجُلُ: «وهي أَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ»، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ حُبَّهُ لها كان أَدْعى إلى الوقوعِ عليها، ومع ذلك انْصرَفَ عنها، وترَكَ لها المالَ الَّذي قد أَخَذَتْهُ منه، ثمَّ قال: «اللَّهُمَّ إنْ كُنتُ فعَلْتُ ذلك ابتغاءَ وَجهِكَ فافْرِجْ عنا ما نحنُ فيه»، فأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ بابَ الغارِ فُتِحَ قَدْرًا يسيرًا، ولكنْ لا يَستطيعون الخُروجَ.

ثمَّ قال الثَّالِثُ: اللَّهمَّ إنِّي اسْتَأجَرْتُ عُمَّالًا يَعمَلونَ عِندي مُقابِلَ أَجْرٍ، فأعْطَيتُهم أجْرَهم إلَّا عامِلًا واحدًا ذهَبَ ولم يَأخُذْ أُجْرَتَهُ، «فثَمَّرْتُ أَجْرَهُ» وتاجَرْتُ له به، «حتَّى كَثُرَتْ منه الأموالُ»، فزادَ نَماءُ هذه الأُجْرةِ، ثمَّ جاءني الأجيرُ الَّذي تَرَكَ أُجرَتَهُ بعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمنِ، فَطَلَبَ منِّي أُجْرتَهُ التي تَرَكَها، فقُلتُ له: كُلُّ أنواعِ المالِ الَّتي أمامَ نَظَرِكَ مِنَ الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والرَّقيقِ، هو أَجْرُكَ الَّذي ترَكْتَ، والرَّقيقُ: هُمُ العَبيدُ المَملوكونَ، فقال الأجيرُ: «يا عبدَ اللهَ، لا تَستهزِئْ بي!» يَستنكِرُ عليه ما يَدَّعيهِ مِن أنَّ أُجْرتَهُ قدْ بلَغَتْ كُلَّ ذلك، فقال له: «إنِّي لا أَستهزِئُ بك»، فأخَذَ الأجيرُ كُلَّ ذلك المالِ الَّذي أشار به إليه، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ لم يَطمَعْ في شَيءٍ مِن ذلك، ولو بِقَدْرِ ما يَترُكُ له الأجيرُ مِن مُكافَأَةٍ له نَظيرَ فِعْلِهِ، قال الرَّجلُ: «اللَّهمَّ فإنْ كنتُ فعَلْتُ ذلك ابتغاءَ وَجهِكَ فافْرِجْ عنَّا ما نحنُ فيه»، فأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الصَّخرةَ انْفَرَجَت كلُّها، فَتَمَّ لهم بتِلك الدَّعوةِ فَتْحُ بابِ الغارِ، فخَرَجوا يَمْشُونَ.

وفي الحديثِ: التَّوسُّلُ إلى اللهِ تعالَى بالأعمالِ الصَّالحةِ.

وفيه: بَيانُ فَضلِ الإخلاصِ.

وفيه: بَيانُ فضْلِ بِرِّ الوالِدَيْن، وفَضلِ تَقديمِهما على سائِرِ الأهلِ والأقارِبِ.

وفيه: فَضلُ التَّعفُّفِ عن الحَرامِ ومُراقبةِ اللهِ تعالَى والخوفِ مِنه.

وفيه: الحَثُّ على بَذْلِ الخيرِ للآخَرينَ دونَ تَلَمُّسِ أَجْرٍ منهم على ذلك، والحَذرُ مِن الطَّمَعِ.

أحاديث ذات صلة