كنتُ جالِسًا عندَ رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ - فقالَ رجُلٌ يا رسولَ اللَّهِ أذالَ النَّاسُ الخيلَ ووضَعوا السِّلاحَ وقالوا لا جِهادَ قد وضَعتِ الحربُ أوزارَها فأقبَلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ بوجهِهِ وقالَ كذَبوا الآنَ الآنَ جاءَ القتالُ ولا يزالُ من أمَّتي أمَّةٌ يقاتِلونَ علَى الحقِّ ويُزيغُ اللَّهُ لَهُم قلوبَ أقوامٍ ويرزقُهُم مِنهم حتَّى تقومَ السَّاعةُ وحتَّى يأتيَ وعدُ اللَّهِ والخيلُ مَعقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ وهو يوحي إليَّ أنِّي مقبوضٌ غيرُ ملبَّثٍ وأنتُمْ تتَّبعوني أفنادًا يضرِبُ بعضُكُم رقابَ بعضٍ وعُقرُ دارِ المؤمنينَ الشَّامُ ؟ .
الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ مِن أفضَلِ الأعمالِ عِندَ اللهِ تعالى؛ يَبذُلُ الإنسانُ نَفسَه ومالَه في سَبيلِ اللهِ، وقد جاءَتِ النُّصوصُ الكَثيرةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ بالتَّرغيبِ في الجِهادِ والحَثِّ عليه، وهو باقٍ ومُستَمِرٌّ إلى قيامِ السَّاعةِ فلا يَزالُ في هذه الأُمَّةِ طائِفةٌ تُقاتِلُ في سَبيلِ اللهِ على الحَقِّ ظاهرينَ، وفي الحَديثِ يُخبرُ سَلَمةُ بنُ نُفَيلٍ السَّكونيُّ رَضِيَ اللهُ عنه فيَقولُ: كُنتُ جالسًا عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: في مَجلسٍ مِن مَجالِسِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم التي يُحَدِّثُ فيها أصحابَه، فقال رَجُلٌ مِنَ الحاضِرينَ: يا رَسولَ اللهِ، أذالَ النَّاسُ الخَيلَ! أي: أهانوها واستَخَفُّوا بها بقِلَّةِ الرَّغبةِ فيها، وقيلَ: أرادَ أنَّهم وضَعوا أداةَ الحَربِ عنها وأرسَلوها وتَرَكوها، ووضَعوا السِّلاحَ، أي: تَرَكوا السِّلاحَ مِن سَيفٍ أو رُمحٍ وغَيرِ ذلك ولَم يَستَعمِلوه، وقالوا: لا جِهادَ، أي: ليس هناكَ بَعدَ اليَومِ جِهادٌ؛ فقد وضَعَتِ الحَربُ أوزارَها، أي: انقَضى أمرُها وخَفَّت أثقالُها فلَم يَبقَ قِتالٌ؛ وذلك لأنَّ أغلَبَ النَّاسِ قد دَخَلوا في الدِّينِ! فأقبَلَ، أي: التَفَت رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بوَجهِه إلى الرَّجُلِ أو إلى النَّاسِ ليواجِهَهم حَتَّى يَكونَ خِطابُه مواجَهةً لَهم؛ فهو أبلَغُ في التَّأثيرِ في نُفوسِ المُخاطَبينَ، وقال: كَذَبوا، أي: في زَعمِهم أنَّه لا جِهادَ.
الآنَ الآنَ جاءَ القِتالُ.
التَّكرارُ للتَّأكيدِ، أي: شَرَع اللهُ القِتالَ الآنَ، فكَيف يُرفعُ عنهم سَريعًا، أوِ المُرادُ: بَل الآنَ اشتَدَّ القِتالُ؛ فإنَّهم قَبلَ ذلك كانوا في أرضِهم واليَومَ جاءَ وقتُ الخُروجِ إلى الأراضي البَعيدةِ خارِجَ جَزيرةِ العَرَبِ، ولا يَزالُ، أي: يَبقى ويَستَمِرُّ مِن أُمَّتي أُمَّةٌ، أي: طائِفةٌ ومَجموعةٌ مِنَ النَّاسِ، كما في الرِّواياتِ الأُخرى، يُقاتِلونَ على الحَقِّ، أي: يُجاهدونَ في سَبيلِ اللهِ نُصرةً للحَقِّ والدِّينِ، ويُزيغُ اللَّهُ، مِنَ الإزاغةِ، وهو الإمالةُ، والغالِبُ استِعمالُه في المَيلِ عنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، لَهم قُلوبَ أقوامٍ ويَرزُقُهم مِنهم، أي: يُميلُ اللَّهُ تعالى لَهم لأجلِ قِتالِهم قُلوبَ أقوامٍ عنِ الإيمانِ إلى الكُفرِ ليُقاتِلوهم ويَأخُذوا ما لَهم.
ويُحتَمَلُ: أنَّ المُرادَ يُميلُ اللَّهُ تعالى قُلوبَ أقوامٍ إليهم ليُعينوهم على القِتالِ ويَرزُقُ اللَّهُ تعالى أولئك الأقوامَ المُعينينَ مِن هؤلاء الأُمَّةِ بسَبَبِ إحسانِ هؤلاء إلى أولئك.
حَتَّى تَقومَ السَّاعةُ، أي: يَستَمِرُّ الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ حَتَّى قُربِ قيامِ السَّاعةِ.
وحَتَّى يَأتيَ وعدُ اللهِ، أي: ما وعَدَه اللهُ مِن قيامِ السَّاعةِ.
والخَيلُ، وهيَ التي أُعِدَّت للقِتالِ، مَعقودٌ، أي: مُلازِمٌ، في نَواصيها -وخَصَّ النَّاصيةَ لرِفعةِ قدرِها، والنَّاصيةُ الشَّعرُ المُستَرسِلُ على الجَبهةِ، والمَقصودُ بها الخَيل نَفسُها- الخَيرُ، أي: الأجرُ في الآخِرةِ أوِ المَغنَمُ في الدُّنيا، إلى يَومِ القيامةِ.
وإنَّما ذَكَر الخَيلَ؛ لأنَّها أشرَفُ ما يُقاتِلُ عليه النَّاسُ.
وهو يوحي إليَّ، أي: أنَّ اللَّهَ تعالى يوحي إليَّ ويُخبرُني، أنِّي مَقبوضٌ، أي: ستُقبضُ روحي وأموتُ، غَيرَ مُلبِثٍ، أي: غَيرَ مُخَلَّدٍ أو مُؤَخَّرٍ في الدُّنيا، بَل أنتَقِلُ إلى الآخِرةِ، وأنتُم تَتبَعوني، أي: تَموتونَ بَعدي، أفنادًا، أي: جَماعاتٍ مُتَفرِّقينَ قَومًا بَعدَ قَومٍ، يَضرِبُ بَعضُكُم رِقابَ بَعضٍ، أي: تَتَقاتَلونَ ويَقتُلُ بَعضُكُم بَعضًا.
وعُقرُ، أي: أصلُ ومَوضِعُ، دارِ المُؤمِنينَ الشَّامُ، أي: أنَّ بلادَ الشَّامِ تَكونُ وقتَ الفِتَنِ آمِنةً، وأهلُ الإسلامِ بها أسلَمُ، فهيَ أرضٌ مُبارَكةٌ.
وفي الحَديثِ تَبيينُ العالمِ للنَّاسِ ما قد يُخطِئونَ في فهمِه.
وفيه بَقاءُ الجِهادِ إلى قيامِ السَّاعةِ.
وفيه فَضلُ وشَرَفُ الخَيلِ في الجِهادِ.
وفيه عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ؛ حَيثُ أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما سَيَكونُ بَعدَه في أُمَّتِه مِن قِتالِ بَعضِهم بَعضًا.
وفيه فضلُ بلادِ الشَّامِ في آخِرِ الزَّمانِ .