جاء رجلٌ من اليهودِ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال يا أبا القاسمِ تزعمُ أن أهلَ الجنةِ يأكلون فيها ويشربون قال نعم والذي نفسِي بيدِه إن الرجلَ ليُعطَى قوةَ مئةِ رجلٍ في الأكلِ والشربِ والشهوةِ والجماعِ فقال اليهوديُّ إن الذي يأكلُ ويشربُ تكونُ له الحاجةُ والجنةُ مطهرةٌ قال حاجةُ أحدِهم عرقٌ يفيضُ من جِلدِه كريحِ المسكِ فإذا بطنُه قد ضَمُر وفي روايةٍ بينا نحن عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ أقبل رجلٌ من اليهودِ يُقالُ له ثعلبةُ بنُ الحارثِ فقال السلامُ عليك يا محمدُ فقال وعليكم فقال اليهودُ تزعمُ أن في الجنةِ طعامًا وشرابًا وأزواجًا فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نعم تؤمنُ بشجرةِ المسكِ قال نعم قال وتجدُها في كتابِكم قال نعم قال فإن البولَ والجنابةَ عرقٌ يسيلُ من تحتِ ذوائبِهم إلى أقدامِهم مسكٌ [ وفي روايةٍ ] يا أبا القاسمِ ألستَ تزعمُ أن أهلَ الجنةِ يأكلون فيها ويشربون وقال لأصحابِه إن أقرَّ لي بهذه خصمتُه
أخرجه أحمد (19269)، والنسائي في ((الكبرى)) (11414)، وابن حبان (7424) واللفظ لهم.
قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ الرَّجُلَ مِن أهلِ الجنَّةِ يُعطى قوَّةَ مِئةِ رَجُلٍ في الأكلِ والشُّربِ والشَّهْوةِ والجِماعِ، فقال رَجُلٌ مِن اليهودِ: فإنَّ الذي يَأكُلُ ويَشرَبُ تَكونُ له الحاجةُ؟ قال: فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: حاجةُ أحَدِهم عَرَقٌ يَفيضُ مِن جِلدِه، فإذا بَطنُه قد ضَمُرَ.
الراوي : زيد بن أرقم المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 19314 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (11478)، وأحمد (19314) واللفظ له الدُّنيا بما فيها عَرَضٌ زائلٌ، والنَّعيمُ الكاملُ والدَّائمُ لا يكونُ إلَّا في الآخِرةِ؛ فاللهُ سُبحانَه يُجزِلُ العَطاءَ والمثوبةَ لعِبادِهِ الطَّائِعينَ في الجنَّةِ، ويُعطيهم اللهُ مِن الجَمالِ والقوَّةِ ما يتَلذَّذونَ به بالنَّعيمِ أضْعافًا مُضاعَفةً، ولا وجْهَ للمُقارَنةِ بيْنَ نَعيمِ الدُّنيا ونَعيمِ الآخِرةِ، كما يُبيِّنُ هذا الحَديثُ؛ حيثُ يقولُ زيدُ بنُ أرقَمَ رضِيَ اللهُ عنه: "قال لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ الرَّجُلَ من أهْلِ الجَنَّةِ يُعطى قُوةَ مِئةِ رَجُلٍ في الأكْلِ والشُّربِ"، فيَأكُلونَ ويَشرَبونَ تَنعُّمًا، لا عن جُوعٍ، ولا عَطَشٍ، فيَتنعَّمونَ تنعُّمًا لا آخِرَ له على هَيئةِ نَعيمِ الدُّنيا، لكِنْ لا نِسْبةَ بيْنَهما في اللَّذَّةِ والنَّفاسةِ، "والشَّهْوةِ" وهي كُلُّ ما يُشْتَهى من كُلِّ أنْواعِ المَرْغوباتِ "والجِماعِ" فيُعْطى قُوَّةَ مِئةِ رَجُلٍ في مُعاشَرةِ النِّساءِ، وفي هذا كِنايةٌ عن كَثرةِ عَدَدِ النِّساءِ الَّتي يُجامِعُها، وقيلَ: هو كِنايةٌ عن عَدَدِ مرَّاتِ الجِماعِ، وهذه النِّعَمُ زادَ اللهُ المُؤمِنَ قُوَّةً في تَناوُلِها والتَّنعُّمِ بها؛ لأنَّها مَحِلُّ الفِتْنةِ والحِرْمانِ في الدُّنيا، جعَلَ اللهُ لِمَن يَتَّقيهِ في الدُّنيا ما يُقابِلُها في الجنَّةِ مِن الأجْرِ والثَّوابِ عِوَضًا عنها؛ حيثُ أعطاهُ هذه القُوَّةَ العظيمةَ؛ ليتمتَّعَ المُتْعةَ الكامِلةَ بنَعيمِ الجَنَّةِ.
"فقالَ رَجُلٌ من اليَهودِ: فإنَّ الَّذي يَأكُلُ ويَشرَبُ تَكونُ له الحاجةُ؟" كِنايةٌ عن الخارِجِ من السَّبيلينِ من البَولِ والغائِطِ، وهذا استِفْهامُ تَعجُّبٍ فأين يُخرِجُ فَضَلاتِهِ وهو من الأذى الَّذي لا يَتَناسَبُ مع نَعيمِ الجَنَّةِ، وهذا قياسٌ منه على أحْوالِ الدُّنيا "فقالَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حاجةُ أحَدِهِم عَرَقٌ يَفيضُ من جِلدِهِ"، فتَخرُجُ فَضَلاتُ الجِسمِ على صُورةِ عَرَقٍ، وفي روايةِ ابنِ حِبَّانَ وغَيرِهِ: أنَّ العَرَقَ يكونُ له رائِحةٌ مِثلُ رائِحةِ المِسكِ، وفي روايةِ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ عِندَ مُسلِمٍ: "جُشاءٌ ورَشْحٌ كرَشْحِ المِسكِ"، والجُشاءُ هو صَوتٌ مع رِيحٍ يَخرُجُ من الفَمِ عِندَ الشِّبَعِ وامتِلاءِ المَعِدةِ، ويُجمَعُ بيْنَ الرِّوايَتَينِ بأنَّ بَعضَ الطَّعامِ يكونُ جُشاءً، وبعضُهُ يكونُ رَشحًا، أو أنَّ الأكْلَ يَنقلِبُ جُشاءً، والشُّربُ يَخرُجُ رَشْحًا.
"فإذا بَطْنُهُ قد ضمَرَ" قلَّ حَجْمُها لِخُروجِ ما فيها، وبذلِكَ فقد صانَ اللهُ سُبْحانَهُ الجَنَّةَ عن أوْساخِ الدُّنيا، وصانَ العِبادَ من سُكَّانِها عن ذلِكَ؛ لِيَتِمَّ تنعُّمُ أهْلِ الجَنَّةِ بكُلِّ نَعيمٍ ويَسلَموا من كُلِّ مُنغِّصٍ وأذًى.
ولمَّا كانت أغْذيةُ أهْلِ الجَنَّةِ في غايةِ اللَّطافةِ والاعتِدالِ لم يكُنْ فيها أذًى، ولا فَضْلةٌ تُستَقذَرُ، بل يَتولَّدُ عن تِلك الأغذيةِ أطيَبُ رِيح ٍوأحسَنُهُ.
وفي الحَديثِ: بَيانُ فَضلِ اللهِ عزَّ وجلَّ على المُؤمِنينَ في الجَنَّةِ، وسَعةِ نَعيمِهِ .