- أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ لبِثَ عشْرَ سنينَ يتبَعُ الحاجَّ في منازِلِهم في المَوسِمِ وبمَجَنَّةَ وبعُكاظٍ وبمنازِلِهم بمِنًى: مَن يُؤوِيني ، مَن يَنصُرُني حتى أُبلِّغَ رسالاتِ ربِّي عزَّ وجلَّ وله الجنَّةُ؟ فلا يجِدُ أحدًا يَنصُرُه ويُؤويه، حتى إنَّ الرجُلَ يرحَلُ مِن مُضَرَ أو مِن اليمَنِ [إلى ذي رَحِمِه]، فيأتيه قَومُه فيَقولونَ: احذَرْ غُلامَ قُرَيشٍ، لا يَفْتِنُكَ.

ويَمْشي بينَ رِحالِهم يَدْعوهم إلى اللهِ عزَّ وجلَّ يُشيرونَ إليه بالأصابعِ، حتى بعَثَنا اللهُ عزَّ وجلَّ له مِن يَثْرِبَ ، فيأتيه الرجُلُ فيؤمنُ، فيُقرِئُه القرآنَ، فيَنْقلِبُ إلى أَهْلِه، فيُسلِمونَ بإسلامِه، حتى لا يَبْقى دارٌ مِن دُورِ يَثْرِبَ إلَّا فيها رَهْطٌ مِن المسلمينَ، يُظهِرونَ الإسلامَ، ثمَّ بعَثَنا اللهُ عزَّ وجلَّ فائْتَمَرْنا واجتَمَعْنا سبعونَ رجُلًا منَّا فقُلْنا: حتى متى نذَرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ يُطرَدُ في جبالِ مكَّةَ ويخافُ؟ فدخَلْنا حتى قدِمْنا عليه في المَوسِمِ فواعَدْناه شِعْبَ العَقَبةِ، فقال عَمُّه العبَّاسُ: يا ابنَ أخي، إنِّي لا أدري ما هؤلاءِ القومُ الذين جاءوكَ، إنِّي ذو معرفةٍ بأهلِ يَثْرِبَ ، فاجتَمَعْنا عندَه مِن رجُلٍ ورجُلَينِ، فلمَّا نظَرَ العبَّاسُ رضِيَ اللهُ عنه في وُجوهِنا قال: هؤلاءِ قَومٌ لا أعرِفُهم، هؤلاءِ أحداثٌ، فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ، عَلامَ نُبايِعُكَ؟ قال تُبايِعوني على السمعِ والطاعةِ في النشاطِ والكسَلِ، وعلى النفقةِ في العُسرِ واليُسرِ وعلى الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ، وعلى أنْ تقولوا في اللهِ، لا تأخُذُكم فيه لَومةُ لائمٍ، وعلى أنْ تَنْصُروني إذا قدِمتُ يَثْرِبَ ، فتَمْنَعوني ممَّا تَمْنَعونَ منه أنفُسَكم وأزواجَكم وأبناءَكم، ولكم الجنَّةُ.

فقُمْنا نُبايِعُه، فأخَذَ بيَدِه أسعَدُ بنُ زُرارةَ، وهو أصغَرُ السبعينَ.

فقال: رُوَيدًا .

يا أهلَ يَثْرِبَ إنَّا لم نضرِبْ إليه أكبادَ المَطِيِّ إلَّا ونحن نعلَمُ أنَّه رسولُ اللهِ، إنَّ إخراجَه اليومَ مفارقةُ العرَبِ كافَّةً، وقَتْلُ خيارِكم، وأنْ تعَضَّكم السُّيوفُ ، فإمَّا أنتم قَومٌ تَصْبِرونَ على السُّيوفِ إذا مسَّتْكم، وعلى قَتْلِ خيارِكم، وعلى مفارقةِ العرَبِ كافَّةً فخُذوه، وأَجْرُكم على اللهِ عزَّ وجلَّ، وإمَّا أنتم قَومٌ تخافونَ مِن أنفُسِكم خِيفةً، فذَرُوه، فهو أعذَرُ عندَ اللهِ.

قالوا: يا أسعَدُ بنَ زُرارةَ، أَمِطْ عنَّا يدَكَ، فواللهِ لا نذَرُ هذه البَيْعةَ ولا نَسْتقيلها، فقُمْنا إليه رجُلًا رجُلًا، يأخُذُ علينا بشَرْطةِ العبَّاسِ، ويُعْطينا على ذلكَ الجنَّةَ.

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - صبره# مناقب وفضائل - فضائل الأنصار# بيعة - البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع# مغازي - بيعة العقبة# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ذكر مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة من حين تنبأ
المصدر: صحيح دلائل النبوة
الراوي: جابر بن عبدالله
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (14653)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (2/ 442)، والأزرقي في ((أخبار مكة)) (2/ 205) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لَبِثَ عَشْرَ سِنينَ يَتْبَعُ الحاجَّ في مَنازِلِهم في المَوسِمِ وبِمِجَنَّةَ وبعُكاظَ، وبمَنازِلِهم بمِنًى يقولُ: مَن يُؤْويني؟ مَن يَنصُرُني؟ حتى أُبَلِّغَ رِسالاتِ ربِّي وله الجَنَّةُ؟ فلا يَجِدُ أحَدًا يَنصُرُهُ ويُؤْويه، حتى إنَّ الرَّجُلَ يَرْحَلُ مِن مُضَرَ، أو مِن اليَمَنِ، إلى ذي رَحِمِه، فيَأْتيه قَومُه، فيَقولون: احْذَرْ غُلامَ قُرَيشٍ لا يَفتِنُكَ، ويَمشي بَينَ رِحالِهم يَدعوهم إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ يُشيرون إليه بالأصابِعِ، حتى بَعَثَنا اللهُ عَزَّ وجَلَّ له مِن يَثرِبَ، فيَأتيه الرَّجُلُ فيُؤمِنُ به، فيُقرِئه القُرآنَ، فيَنقَلِبُ إلى أهلِهِ، فيُسلِمون بإسْلامِه، حتى لم يَبقَ دارٌ مِن دُورِ يَثرِبَ إلَّا فيها رَهْطٌ مِن المُسلِمين يُظهِرون الإسلامَ، ثُمَّ بَعَثَنا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فأْتَمَرْنا، واجتَمَعْنا سَبْعون رَجُلًا منَّا، فقُلْنا: حتى متى نَذَرُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يُطرَدُ في جِبالِ مكَّةَ، ويَخافُ، فرَحَلْنا حتى قَدِمْنا عليه في المَوسِمِ، فواعَدْناه شِعْبَ العَقَبةِ، فقال عَمُّه العبَّاسُ: يا ابنَ أخي، إنِّي لا أدْري ما هؤلاء القَومُ الذين جاءوكَ؟ إنِّي ذو مَعْرِفةٍ بأهلِ يَثرِبَ، فاجتَمَعْنا عِندَه مِن رَجُلٍ ورَجُلَينِ، فلمَّا نَظَرَ العبَّاسُ في وُجوهِنا، قال: هؤلاء قَومٌ لا أعْرِفُهم، هؤلاء أحْداثٌ، فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ، عَلامَ نُبايِعُكَ؟ قال: تُبايِعوني على السَّمعِ والطاعةِ في النَّشاطِ والكَسَلِ، وعلى النَّفَقةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، وعلى الأمْرِ بالمَعْروفِ، والنَّهْيِ عن المُنكَرِ، وعلى أنْ تَقولوا في اللهِ لا تَأخُذُكُم فيه لَومةُ لائِمٍ، وعلى أنْ تَنصُروني إذا قَدِمْتُ يَثرِبَ، فتَمْنَعوني ممَّا تَمنَعون منه أنفُسَكُم وأزْواجَكُم وأبْناءكُم ولكم الجَنَّةُ، فقُمْنا نُبايِعُه، فأخَذَ بِيَدِه أسْعَدُ بنُ زُرارةَ، وهو أصغَرُ السَّبْعين، فقال: رُوَيدًا يا أهلَ يَثرِبَ، إنَّا لم نَضرِبْ إليه أكْبادَ المَطيِّ إلَّا ونحن نَعلَمُ أنَّه رسولُ اللهِ، إنَّ إخْراجَه اليومَ مُفارَقةُ العَرَبِ كافَّةً، وقَتْلُ خيارِكُم، وأنْ تَعَضَّكُم السُّيوفُ، فإمَّا أنتم قَومٌ تَصْبِرون على السُّيوفِ إذا مَسَّتْكُم، وعلى قَتْلِ خيارِكُم، وعلى مُفارَقةِ العَرَبِ كافَّةً، فخُذوه وأجْرُكُم على اللهِ، وإمَّا أنتُم قَومٌ تَخافون مِن أنفُسِكُم خيفةً فذَروه، فهو أعْذَرُ عِندَ اللهِ، قالوا: يا أسْعَدُ بنَ زُرارةَ أمِطْ عنَّا يَدَكَ، فواللهِ لا نَذَرُ هذه البَيعةَ، ولا نَستَقيلُها، فقُمْنا إليه رَجُلًا رَجُلًا يَأخُذُ علينا بشُرْطةِ العبَّاسِ، ويُعْطينا على ذلك الجَنَّةَ.

الراوي : جابر بن عبدالله المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 14653 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أحمد (14653) واللفظ له، والبزار كما في ((مجمع الزوائد)) (6/49)، وابن حبان (6274) لقدْ لقِيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شدائدَ عظيمةً في دَعوتِه في مكَّةَ، وقد دعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أهْلَ القُرى والمُدنِ المُجاورةِ لها، مِثلَ الطَّائفِ، ولكنَّهم صَدُّوه أيضًا، ثمَّ كانتْ بَيعةُ الأنصارِ، وكانوا أوَّلَ مَن قرَّرَ بعَزْمٍ وحزْمٍ أنْ يُهاجِرَ إليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، على أنْ يُؤمِنوا به ويُوقِّروه ويَنْصُروه.

وهذا الحديثُ يَحكي فيه جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما قِصَّةَ الدَّعوةَ مِن بِدايتِها في مكَّةَ حتى الهِجرةِ إلى المدينةِ؛ فيَقولُ: "إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَبِثَ عشْرَ سِنين" في مكَّةَ في أوَّلِ الدَّعوةِ، "يَتبَعُ الحاجَّ في مَنازِلِهم"، أي: في أماكِنِهم ومَساكِنِهم التي نَزَلوا فيها للحَجِّ، وكان الحجُّ حِينئذٍ مُحرَّفًا وباطِلًا، يُدخَلُ فيه كَثيرٌ مِن الشِّركيَّاتِ قبْلَ أنْ يأتِيَ الإسلامُ ويُمحِّصَ هذا كلَّه، "في المَوسمِ" وهو مَوسِمُ الحجِّ، وهو أكبَرُ تَجمُّعٍ للعَرَبِ، "وبمَجَنَّةٍ وبعُكَاظٍ"، وهُما مِن أسواقِ العَرَبِ حيثُ يَجتمِعون لِلبيعِ والشِّراءِ، والتَّباري في الشِّعرِ والخَطابةِ، "وبمَنازلِهم بمِنًى؛ يقولُ: مَن يُؤْويني؟ مَن يَنصُرُني؟" أي: مَن يَحْميني فيُسْكِنَني في بِلادِه وعِندَ قَومِه، ويَحْفَظني ويَنصُرني، وهذا مِن الأخْذِ بالأسبابِ مع ما يَشمَلُ ذلك مِن نُصرةِ اللهِ تعالى لِنَبيِّه، "حتى أُبلِّغَ رِسالاتِ ربِّي؛ وله الجنَّةُ؟" جَزاءً على ذلك النَّصرِ والتَّأييدِ والتَّصديقِ، "فلا يَجِدُ أحدًا يَنصُرُه ويُؤْوِيه" ويَمنعُه من الأذَى، بل كانوا يَصدُّون الناسَ عنه، "حتى إنَّ الرَّجُلَ يَرحَلُ" ويُسافِرُ "مِن مُضَرَ" وهي: قَبيلةٌ عَربيَّةٌ مُنتشِرةٌ في أرضِ شَرْقِ الجَزيرةِ العربيَّةِ وفي العراقِ، "أو مِن اليَمَنِ" وهي البلادُ الواقعةُ في أقْصى جَنوبِ الجزيرةِ العربيَّةِ على البحْرِ الأحمرِ، "إلى ذي رَحِمَه" قاصِدًا زِيارةَ أقارِبِه، "فيَأْتِيه قَومُه" قبْلَ خُروجِه وسَفَرِه، "فيَقولون: احْذَرْ غُلامَ قُريشٍ" يَقصِدون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "لا يَفْتِنْك"، أي: لا يَخْدَعْك، فتَخرُجَ ممَّا أنت فيه وتَدخُلَ في دِينِه، وهذا يَدلُّ على أنَّ أمْرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدِ انتَشَرَ في الجزيرةِ العربيةِ كلِّها، وكانوا يُحذِّرون بَعضَهم بَعضًا مِن اتِّباعِه عِندَ الخُروجِ للحجِّ أو التِّجارةِ في مكَّةَ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "يَمْشي بيْن رِحالِهم" وخِيامِهم، "يَدْعوهم إلى اللهِ عزَّ وجلَّ"، يَدْعُوهم إلى التَّوحيدِ وتَرْكِ عِبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، "يُشِيرون إليه بالأصابِعِ" اسْتِهزاءً به وسُخريةً.

قال جابرٌ رضِيَ اللهُ عنه: "حتى بَعَثَنا اللهُ عزَّ وجلَّ له مِن يَثرِبَ" وهي المدينةُ النَّبويَّةُ، ويَثرِبُ اسْمُها قبْلَ الإسلامِ، "فيَأْتيه الرَّجُلُ فيُؤمِنُ به، فيُقرِئُه القُرآنَ"، أي: فيُعلِّمُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القُرآنَ، "فيَنقَلِبُ إلى أهْلِه"، ويَرجِعُ إليهم فيَدْعُوهم، "فيُسْلِمون بإسلامِه، حتى لمْ يَبْقَ دارٌ مِن دُورِ يَثرِبَ إلَّا فيها رَهطٌ"، أي: جَماعةٌ، "مِن المسلمينَ يُظهِرون الإسلامَ"، ويُعْلِنونَه أمامَ الناسِ، "ثمَّ بَعَثَنا اللهُ عزَّ وجلَّ، فأْتَمَرْنا"، أي: فتَشاوروا جميعًا، "واجْتَمَعْنا سَبْعون رجًلًا منَّا، فقُلْنا: حتى متى نَذَرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" ونَتركُه "يُطرَدُ في جِبالِ مكَّةَ، ويُخافُ؟! فرَحَلْنا حتى قَدِمْنا عليه في المَوسِمِ، فواعَدْناهُ شِعبَ العَقَبةِ"، أي: أخَذوا مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَوعدًا لِمُقابَلتِه في شِعْبِ العَقَبةِ بَعيدًا عن أَعيُنِ قُريشٍ، والعقَبةُ مِن الشَّيءِ: الموضِعُ المُرتفِعُ منه، وهي بَيعةُ العَقَبةِ الثَّانيةِ، وكان ذلك عِندَ جَمرةِ العقَبةِ بمِنًى، "فقال عمُّه العبَّاسُ: يا ابنَ أخي، إنِّي لا أدْري ما هؤلاء القومُ الذين جاؤوكَ؟ إنِّي ذو مَعرفةٍ بأهْلِ يَثرِبَ"، يُشِيرُ العبَّاسُ إلى أنَّ مَن يُرِيدُ مُواعَدةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليس مِن وُجهاءِ الأنصارِ المَعروفينَ لَدَيه، ومَقصِدُه: تَحذيرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منهم؛ لعلَّهم لا يَقدِرون على الوَفاءِ بما سَيَتواعَدون عليه، قال جابرٌ رضِيَ اللهُ عنه: "فاجتَمَعْنا عِندَه مِن رجُلٍ ورَجُلينِ، فلمَّا نظَرَ العبَّاسَ في وُجوهِنا، قال: هؤلاء قَومٌ لا أعْرِفُهم، هؤلاء أحداثٌ"، أي: شَبابٌ صِغارُ السِّنِّ! "فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ، عَلامَ نُبايِعُك؟ قال: تُبايِعوني على السَّمْعِ والطاعةِ في النَّشاطِ والكَسَلِ"، أي: على السَّمْعِ والطاعةِ في كلِّ الأحوالِ، "وعلى النَّفقةِ في العُسرِ واليُسْرِ"، أي: النَّفقةِ في سَبيلِ اللهِ في كلِّ الأحوالِ دُونَ بُخْلٍ أو إقتارٍ، "وعلى الأمْرِ بالمعروفِ، والنَّهيِ عن المُنكَرِ، وعلى أنْ تَقولوا في اللهِ" فَتَدْعوا إلى الحقِّ، "لا تَأْخُذُكم فيه لَومةُ لائمٍ، وعلى أنْ تَنصُروني إذا قَدِمْت يَثرِبَ، فتَمْنَعوني ممَّا تَمْنَعون منه أنفُسَكم وأزْواجَكم وأبْناءَكم"، وهذا عَهْدٌ مُؤكَّدٌ على أنْ يَحْموا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن كلِّ أذًى كما يَحْمُون أعْراضَ نِسائِهم ويَحفَظون أولادَهم، "ولكمُ الجنَّةُ"؛ جَزاءً على صِدْقِكم في بَيعتِكم جَزاءً وِفاقًا، إذا أطَعْتُم اللهَ ورَسولَه في كلِّ ما سَبَقَ وأخَذَ به البَيعةَ عليكم، "فقُمْنا نُبايِعُه، فأخَذَ بيَدِه أسعَدُ بنُ زُرارةَ، وهو أصغَرُ السَّبعينَ، فقال: رُويدًا يا أهْلَ يَثرِبَ"، أي: تَمهَّلُوا يا أهلَ يَثرِبَ، حتى تَستَجْمِعوا عُقولَكم وتُفكِّروا فيما بايَعْتُم عليه، وما سَيَكونُ له مِن عَواقِبَ، "إنَّا لم نَضرِبْ إليه أكْبادَ المَطِيِّ إلَّا ونحن نَعلَمُ أنَّه رسولُ اللهِ"، أي: لم نَرْكَبِ الإبِلَ ولم نَسِرْ إليه إلَّا ونحن مُؤمِنون بأنَّه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "إنَّ إخْراجَه اليومَ مُفارقةُ العَرَبِ كافَّةً"، وسَيَكونُ مُقابِلَ تلك البَيعةِ والمُعاهَدةِ القَطيعةُ مع باقِي قَبائلِ العرَبِ، "وقتْلُ خِيارِكم" في حُروبٍ سَوفَ تُشَنُّ عليكم، "وأنْ تَعَضَّكُم السُّيوفُ" وهذا كِنايةٌ عن إثْخانِ الحُروبِ فيهم، ثمَّ خيَّرَ أسعدٌ رضِيَ اللهُ عنه، فقال: "فإمَّا أنتُم قَومٌ تَصبِرون على السُّيوفُ إذا مسَّتْكم، وعلى قتْلِ خِيارِكم، وعلى مُفارَقةِ العرَبِ كافَّةً"، بمعنى: إذا كان لَدَيْكم مِن الصَّبرِ والقُوَّةِ والعزْمِ التي لا تَجعَلُكم تَتخلَّون عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَتْرُكونه، "فخُذُوه، وأجْرُكم على اللهِ"، أي: فعاهِدُوه وبايِعُوه وأْوُوه في قَبيلتِكم، ويكون أجْرُكم عِندَ اللهِ يومَ القِيامةِ، "وإمَّا أنتم قَومٌ تَخافون مِن أنفُسِكم خِيفةً"، أي: فإنْ كُنتُم تَخافون القِتالَ وليس عِندكم صَبْرٌ، "فَذَرُوه"، أي: اتْرُكُوه في قَومِه وبَلَدِه مِن الآنِ؛ "فهو أعْذَرُ عِندَ اللهِ"؛ فتَرْكُه الآنَ وقبْلَ المُبايَعةِ أفضَلُ وأقبَلُ عُذْرًا عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن أنْ يَترُكُوه بعْدَ أنْ يُبايعوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثمَّ لا يَنْصُروهُ، وما فَعَلُه أسعَدُ بنُ زُرارةَ رضِيَ اللهُ عنه بتلك الكلماتِ هو للتَّأكيدِ على قُوَّةِ الإيمانِ والنُّصرةِ التي سَتَنشَأُ مِن تلك المُبايَعةِ وما أقْدَموا عليها، وبَيانٌ لِحَقيقةِ ما همْ عليه، "قالوا: يا أسعَدَ بنُ زُرارةَ، أمِطْ عنَّا يَدَكَ"، أي: ابْتعِدْ واتْرُكْ هذا القولَ، "فوَاللهِ لا نَذَرُ هذه البَيعةَ، ولا نَستقِيلُها، فقُمْنا إليه رجُلًا رجُلًا يَأخُذُ علينا بشُرْطةِ العبَّاسِ"، يعني المواثيقَ التي أخَذَها العبَّاسُ عليهم بالوَفاءِ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "ويُعْطينا على ذلك الجنَّةَ"، ويَعِدُهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالجنَّةِ يَومَ القِيامةِ.

وفي الحديثِ: بَيانُ مَدى الأذى الذي لَحِقَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في سَبيلِ الدَّعوةِ.

وفيه: بَيانُ صِدْقِ الأنصارِ في بَيعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: أنَّ المُصارَحةَ الكاملةَ عِندَ العقْدِ والعهدِ هي السَّبيلُ الأوفَقُ لِبَيانِ الحُقوقِ والواجباتِ على أطرافِ المُعاهَدةِ .

الأصول والأحكام

مسند أحمد (23/ 22) 14653 - حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، أنه حدثه جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم وبمجنة وبعكاظ، وبمنازلهم بمنى يقول: من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة؟ ، فلا يجد أحدا ينصره ويؤويه، حتى إن الرجل يرحل من مضر، أو من اليمن، إلى ذي رحمه، فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله عز وجل له من يثرب، فيأتيه الرجل فيؤمن به، فيقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور يثرب إلا فيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام ثم بعثنا الله عز وجل، فأتمرنا، واجتمعنا سبعون رجلا منا، فقلنا: حتى متى نذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة، ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فقال عمه العباس: يا ابن أخي، إني لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا، قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة ، فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين، فقال: رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر عند الله قالوا: يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا يأخذ علينا بشرطة العباس،، ويعطينا على ذلك الجنة

دلائل النبوة للبيهقي (2/ 442) أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ الإسفرائني بها قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال: حدثنا داود العطار قال: حدثنا ابن خثيم، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، أنه حدثه جابر بن عبد الله الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في المواسم: مجنة، وعكاظ، ومنازلهم بمنى: من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة؟ فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره حتى أن الرجل يرحل صاحبه من مصر أو اليمن فيأتيه قومه أو ذوو رحمه فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك ‍ يمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل، يشيرون إليه بأصابعهم حتى بعثنا الله عز وجل له من يثرب، فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإسلام ثم بعثنا الله عز وجل وائتمرنا واجتمعنا سبعين رجلا منا فقلنا: حتى متى نذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف في جبال مكة ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا شعب العقبة فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين حتى توافينا عنده فقلنا: يا رسول الله على ما نبايعك فقال: بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة .

فقمنا نبايعه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين رجلا إلا أنا، فقال: رويدا يا أهل يثرب ‍ إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله عز وجل، فقلنا: أمط يدك يا أسعد بن زرارة، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقبلها، فقمنا إليه نبايعه رجلا رجلا، يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنة وحدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء قال: حدثني محمد بن إسماعيل المقرئ قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني قال: حدثنا يحيى بن سليمان، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري فذكر الحديث بمعناه إلا أنه زاد في وسط الحديث قال: فقال له عمه العباس يا ابن أخي، لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك إني ذو معرفة بأهل يثرب فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم هؤلاء أحداث، فقلنا يا رسول الله علام نبايعك فذكره

أخبار مكة للأزرقي (2/ 205) حدثنا أبو الوليد، قال: حدثني جدي، حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، أنه حدثه جابر بن عبد الله الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم بمجنة وعكاظ، ومنازلهم بمنى: من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة ؟ فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل يرحل صاحبه من مضر أو اليمن، فيأتيه قومه أو ذو رحمه، فيقولون: احذر فتى قريش، لا يفتنك يمشي بين رجالهم يدعوهم الله عز وجل، يشيرون إليه بأصابعهم، حتى بعثنا الله عز وجل له من يثرب، فيأتيه الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق دار من دور يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإسلام , ثم بعثنا الله - عز وجل - له فأتمرنا واجتمعنا سبعين رجلا منا فقلنا: حتى متى ندع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فتواعدنا شعب العقبة، واجتمعنا فيه من رجل ورجلين حتى توافينا عنده، فقلنا: يا رسول الله، على ما نبايعك؟ قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى التفقد في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم وأزواجكم، ولكم الجنة فقمنا إليه نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين رجلا إلا أنا، فقال: رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فأما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، ومفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، وأما أنتم قوم تخافون على أنفسكم خيفة، فذروه هو أعذر لكم عند الله , قالوا: أمط عنا يدك يا أسعد بن زرارة، لا تذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنة "

أحاديث ذات صلة