- ما عِندَنا إلَّا كِتابُ اللهِ وهذه الصَّحيفةُ، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ المَدينةَ حَرامٌ ما بَينَ عَيرٍ إلى ثَورٍ ، مَن أحدَثَ فيها حَدَثًا أو آوى مُحدِثًا فعليه لَعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ، لا يَقبَلُ اللهُ منه صَرفًا ولا عَدلًا، ومَن والى قَومًا بغَيرِ إذْنِ مَواليه فعليه لَعنةُ اللهِ والمَلائِكةِ والناسِ أجمَعينَ، لا يَقبَلُ اللهُ منه صَرفًا ولا عَدلًا.

الدلالات الموضوعية:# عتق وولاء - من تولى غير مواليه# اعتصام بالسنة - إثم من آوى محدثا# فضائل المدينة - حرم المدينة# فضائل المدينة - من أحدث بالمدينة حدثا# علم - كتابة العلم
المصدر: حلية الأولياء
الراوي: علي بن أبي طالب
المحدث: أبو نعيم
الحكم:صحيح متفق عليه [أي:بين العلماء]

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (7300)، ومسلم (1370)، وأبو داود (2034)، وابن حبان (3716) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، قالَ: ما عِنْدَنَا شَيءٌ إلَّا كِتَابُ اللَّهِ، وهذِه الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: المَدِينَةُ حَرَمٌ، ما بيْنَ عَائِرٍ إلى كَذَا، مَن أحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعليه لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.

وقالَ: ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ، فمَن أخْفَرَ مُسْلِمًا فَعليه لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ، ومَن تَوَلَّى قَوْمًا بغيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَعليه لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولَا عَدْلٌ.

الراوي : علي بن أبي طالب المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1870 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه الترمذي (2127) مطولا، وأحمد (1037) كلاهما بلفظه، ومسلم (1370) بنحوه، وأبو داود (4530) مختصرا.

أُرْسِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للناسِ جَميعًا، عَرَبِهم وعَجَمِهم، أبيضِهِم وأسوَدِهم، ولم يَخُصَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحدًا بأحكامِ الشَّريعةِ؛ قال تعالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .

وفي هذا الحَديثِ يَذكُرُ علِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه ليس عِندَه شَيءٌ مِن أحكامِ دِينِ اللهِ عزَّ وجلَّ إلَّا كِتابُ اللهِ، وصَحيفةٌ مَكتوبٌ فيها بَعضُ مَسائلِ العِلمِ الَّتي لا يَختصُّ بها عن غَيرِه، بلْ أحكامُها تعُمُّ جَميعَ المسلِمينَ؛ فلمْ يكُنِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيَكتُمَ شَيئًا مِن دِينِ اللهِ عنِ النَّاسِ، ويخُصَّ به بَعضَ أهلِه.

ثمَّ أخبَرَ عن بَعضِ ما كان في هذه الصَّحيفةِ فقال: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، ما بيْنَ عَائِرٍ إلى كَذَا»، وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ: «المدينةُ حرَمٌ ما بيْن عَيرٍ إلى ثَورٍ».

فعائرٌ وعَيرٌ اسمانِ لجبَلٍ واحدٍ، وفي الصَّحيحَينِ مِن حَديثِ أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «ما بيْن لابَتَيها حَرامٌ»، واللَّابَتانِ: تَثنيةُ لَابَةٍ، واللَّابَةُ الحَرَّةُ، وهي أرضٌ ذاتُ حِجارةٍ سَوداءَ كأنَّها أُحرِقَت بالنارِ، فالمَدينةُ -زادَها اللهُ تعالَى شَرفًا- بيْن حَرَّتينِ في جانَبيِ الشَّرقِ والغَربِ، والحَرَّةُ الشرقيَّةُ (حَرَّةُ واقمٍ) الآنَ بها قُباءٌ وحِصنُ واقِمٍ، والحرَّةُ الغربيَّةُ هي حَرَّةُ وَبَرةَ، وبها المَسجِدُ المُسمَّى بمَسجِدِ القِبلتَينِ.

وحُدودُها مِن جِهةِ الجنوبِ والشَّمالِ: ما بيْن جَبَلَيْ عَيرٍ (عائرٍ) وثَورٍ، فحَدُّ الحرمِ النَّبويِّ ما بيْن جَبلِ عَيْرٍ جَنوبًا، ويَبعُدُ عن المسجدِ النَّبويِّ (8,5 كم)، وجَبلِ ثَورٍ شَمالًا، ويَبعُدُ عن المسجدِ النبويِّ (8 كم).

وقد قامت لَجنةٌ رَسميَّةٌ في المَملكةِ العَربيَّةِ السُّعوديةِ بتَحديدِ حرَمِ المدينةِ، وجَعَلَت أمانةُ المدينةِ المنوَّرةِ عَلاماتٍ مِعماريةً على شَكْلِ أقواسِ المسجِدِ النَّبويِّ في أماكنَ عِدَّةٍ تُبيِّنُ هذه الحدودَ.

ومعْنى تَحريمِ المدينةِ: أنَّه يَأمَنُ فيها كلُّ شَيءٍ على نفْسِه، حتَّى الحيوانُ فلا يُصادُ، وحتَّى الشَّجرُ فلا يُقطَعُ، إلَّا ما يَزرَعُه الآدميُّ بنفْسِه فمَشروعٌ له قطْعُه والأكْلُ منه، وأيضًا يَحرُمُ صَيدُ المدينةِ كما في حرَمِ مكَّةَ، لكنْ لا جَزاءَ على مَن صادَ بها؛ لأنَّ حرَمَ المدينةِ ليسَ مَحلًّا للنُّسكِ بخِلافِ حرَمِ مكَّةَ.

وذَكَر عِقابَ مَن أحدَث فيها حَدثًا أو آوَى مُحدِثًا، ومعنى الإحداثِ في المدينةِ: أنْ يَعمَلَ فيها إنسانٌ عمَلًا يُخالِفُ دِينَ اللهِ، أو جُرمًا، أو ظُلمًا، أو حَدًّا، ومعْنى إيواءِ المُحدِثِ: نُصرةُ الجاني، وإجارتُه مِن خَصْمِه، والحَيلولةُ بيْنه وبيْن أنْ يُقتَصَّ منه.

ويجوزُ فتْحُ الدالِ مِن «مُحدَثًا»، ومعناه الأمْرُ المبتَدَعُ نفْسُه، فإذا رَضِيَ بالبدعةِ، وأقرَّ فاعِلَها ولم يُنكِرْها عليه؛ فقدْ آواهُ.

فمَن فَعَلَ ذلك فقدِ استحقَّ لَعْنَةَ اللهِ -وهو الطَّردُ والإبعادُ مِن رَحمتِه- والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ، وهو دُعاؤهم عليه بالبُعدِ عن رَحمةِ اللهِ تعالَى، وهذا وَعيدٌ شَديدٌ، لكنْ يُرادُ به هنا العذابُ الَّذي يَستحِقُّه على ذَنْبِه، والطَّردُ عنِ الجنَّةِ أوَّلَ الأمرِ، وليستْ هي كلَعنةِ الكفَّارِ الَّذين يُبعَدونَ مِن رَحمةِ اللهِ تعالَى كلَّ الإبعادِ.

وكذا لا يَقبَلُ اللهُ منه ما يَصرِفُ به العذابَ عن نفْسِه، وما يَفتدِي به منْه.

وأخبَرَ أنَّ في الصَّحيفةِ أيضًا: أنَّ ذِمَّةَ المُسلِمينَ واحدةٌ مُتكافئةٌ، رِجالًا ونِساءً، أحرارًا وعَبيدًا، لا فرْقَ بيْنهم، فمَن أجارَه أحدُهم وجَب على المُسلِمينَ جَميعًا أنْ يُجِيروه ويُؤمِّنوه، فمَن اعتدَى ونقَضَ عَهْدًا عاهَده مُسلِمٌ أو أمانًا أعطاهُ؛ فقدِ استحَقَّ العقوبةَ باللَّعنِ، وعدمِ القَبولِ، على ما سَبَقَ بيانُه.

وفيها أيضًا: أنَّ مَن أعْطى وَلاءَه لغَيرِ مَواليهِ الَّذين أعتَقَوه مِن الرِّقِّ، فقدِ استحَقَّ العُقوبةَ باللَّعنِ، وعدَمِ القَبولِ أيضًا؛ لأنَّ لُحمةَ الولاءِ كلُحمةِ النَّسَبِ، فلا يَحِلُّ تَجاوزُها.

وقولُه: «بغَيرِ إذنِ مَواليهِ» ظاهرُه أنَّه شَرْطٌ، وليس شَرْطًا؛ لأنَّه لا يَجوزُ له إذا أَذِنوا أنْ يُوالِيَ غَيرَهم، وإنَّما هو بمعْنى التَّوكيدِ لتَحريمِه، والتَّنبيهِ على بُطلانِه، والإرشادِ إلى السَّببِ فيه؛ لأنَّه إذا استأذَنَ أولياءَهُ في مُوالاةِ غيرِهم مَنَعُوه، فيَمتنِعُ، والمعْنى: إنْ سَوَّلَت له نفْسُه ذلك فلْيَستأذِنْهم؛ فإنَّهم يَمنَعونَه.

وقد اختَلَفَت الأحاديثُ في المكتوبِ في هذه الصَّحيفةِ زِيادةً ونُقصانًا، فمنْها ما ذُكِرَ فيه: الدِّيةُ، وفِكاكُ الأسيرِ، وأنَّه لا يُقتَلُ مُسلمٌ بكافرٍ، ولعَنَ اللهُ مَن لَعَنَ والدَه، وغيرُ ذلك؛ والجمْعُ بيْن هذه الأحاديثِ أنَّ الصَّحيفةَ كانت واحدةً، وكان جَميعُ ذلك مَكتوبًا فيها، فنَقَلَ كلُّ واحدٍ مِن الرُّواةِ عنه ما حَفِظَه.

وفي الحديثِ: ردٌّ على الشِّيعةِ الَّذين يَزعُمونَ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه قد اختَصَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأُمورٍ كَثيرةٍ مِن أسرارِ العلمِ، وقَواعدِ الدِّين، وكُنوزِ الشَّريعةِ، وأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خصَّ أهلَ البيتِ بما لم يُطلِعْ عليه غيرَهم.

وفيه: أنَّ العمَلَ المخالِفَ لشَرْعِ اللهِ في المدينةِ يُعَدُّ مِن الكبائرِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (9/ 97) 7300 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم التيمي، حدثني أبي، قال: خطبنا علي رضي الله عنه، على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة، فقال: والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وإذا فيه: ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وإذا فيها: من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا

[صحيح مسلم] (2/ 994) 467 - (1370) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأبو كريب، جميعا عن أبي معاوية، قال أبو كريب: حدثنا أبو معاوية، حدثناى الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: خطبنا علي بن أبي طالب ، فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة - قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه - فقد كذب، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا، ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا، ولا عدلا وانتهى حديث أبي بكر، وزهير عند قوله يسعى بها أدناهم، ولم يذكرا ما بعده.

وليس في حديثهما: معلقة في قراب سيفه،

سنن أبي داود (2/ 216) 2034 - حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، قال: ما كتبنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف.

صحيح ابن حبان (9/ 30) 3716 - أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة، قال: حدثنا حكيم بن سيف الرقي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سليمان، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: سمعت عليا يقول: ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وصحيفة في قراب سيفي، فقرأها علينا، فإذا فيها شيء من أسنان الإبل والجراحات، وإذا فيها من والى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله، وملائكته، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا، ولا عدلا، ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، ولا يقبل منه يوم القيامة صرف، ولا عدل، والمدينة حرام ما بين لابتيها، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل

أحاديث ذات صلة