كانَ المُشْرِكُونَ علَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُؤْمِنِينَ؛ كَانُوا مُشْرِكِي أهْلِ حَرْبٍ، يُقَاتِلُهُمْ ويُقَاتِلُونَهُ، ومُشْرِكِي أهْلِ عَهْدٍ، لا يُقَاتِلُهُمْ ولَا يُقَاتِلُونَهُ، وكانَ إذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِن أهْلِ الحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حتَّى تَحِيضَ وتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فإنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إلَيْهِ، وإنْ هَاجَرَ عَبْدٌ منهمْ أوْ أَمَةٌ فَهُما حُرَّانِ، ولَهُما ما لِلْمُهَاجِرِينَ -ثُمَّ ذَكَرَ مِن أهْلِ العَهْدِ مِثْلَ حَديثِ مُجَاهِدٍ- وإنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أهْلِ العَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا، ورُدَّتْ أثْمَانُهُمْ.

[وفي رواية] كَانَتْ قَرِيبَةُ بنْتُ أبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بنُ أبِي سُفْيَانَ، وكَانَتْ أُمُّ الحَكَمِ بنْتُ أبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بنِ غَنْمٍ الفِهْرِيِّ، فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عبدُ اللَّهِ بنُ عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ.

الدلالات الموضوعية:# إسلام - فضل الإسلام# جهاد - من فر من عبيد أهل الحرب إلى المسلمين وأسلم ومولاه كافر# أحكام أهل الذمة - معاملة أهل الذمة# نكاح - المرأة تسلم دون زوجها# نكاح - الزوجان الكافران يسلم أحدهما قبل الآخر
المصدر: صحيح البخاري
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: البخاري
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

من أفراد البخاري على مسلم

الشرح والتوضيح

شرعَ اللهُ عزَّ وجَلَّ لعبادِه ما يُصلِحُ حالَهم في المعاشِ والمعادِ، ومن ذلك ما شرعه اللهُ سُبحانَه في تعامُلِ المُسلِمين مع المُشرِكين في السِّلمِ والحَربِ.

وفي هذا الحَديثِ يُبيِّنُ عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما تَعامُلَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع مَن هاجَرَ إليه فِرارًا بدِينِهِ مِنَ الضَّعَفةِ، وهم: النِّساءُ، والمَماليكُ، وبيَّن أنَّ حُكمَهم يَختلِفُ باخْتِلافِ حالِ المُشركينَ، فذكر أنَّ المُشرِكين لم يكونوا فئةً واحدةً، وإنما انقَسَموا لفئَتَينِ: أهلُ الحَربِ يُقاتِلُهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويُقاتِلونه، وقِسمٌ آخَرُ بينهم وبين النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَهدٌ، فلا يُقاتِلُهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا يُقاتِلونَه.

فإنْ كان المُشركون أهْلَ حرْبٍ فَهاجَرَتْ مِنهمُ امرأةٌ وقدْ أَسْلَمَتْ، فلا يُمكِنُها الزَّواجُ حتَّى تَحيضَ وتَطْهُرَ، فيُتَيَقَن أنَّها ليْستْ بِحاملٍ مِن زَوْجِها المُشركِ، فَيَحِلُّ لها الزَّواجُ بعْدَ ذلك، فإنْ لم تَتَزوَّجْ وقَدِمَ زوْجُها الأوَّلُ بعْدَ إسلامِهِ فإنَّها تُرَدُّ له، وأمَّا المَمْلوكُ رجُلًا أو أَمَةً إذا قَدِمَ مُهاجرًا فإنَّه يكونُ حُرًّا، وله حُقوقُ المُهاجرينَ.

ثُمَّ ذَكَر التابعيُّ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ أحكامَ أهلِ العَهْدِ، وأنَّها كالأحْكامِ الَّتي في حَديثِ مُجَاهِدٍ، ويُحتَملُ أنه يَعنِيَ بِحديثِ مُجَاهِدٍ الَّذي وَصَفَه بالمِثْليَّةِ؛ الكلامَ المذكورَ بعْدَ هذا، وهو قولُه: «وإنْ هاجَر عَبْدٌ أو أَمَةٌ للمُشرِكين...»، ويُحتَملُ أنْ يُريدَ به كَلامًا آخَرَ يَتَعلَّقُ بنِساءِ أهْلِ العَهْدِ، وهو أَولى؛ لأنَّه قَسَّمَ المُشركينَ إلى قِسْمين: أهلِ حربٍ، وأهلِ عَهْدٍ.

وَذَكَر حُكْمَ نِساءِ أهلِ الحَربِ، ثمَّ حُكْمَ أَرِقَّائِهم، فكأنَّه أحالَ بِحُكمِ نِساءِ أهلِ العَهْدِ على حَديثِ مُجَاهِدٍ، ثمَّ عقَّبَه بذِكْرِ حُكْمِ أَرِقَّائِهم، وهو: إنْ هاجَرَ المملوكُ فإنَّه لا يُرَدُّ لهم، ولكنْ للعَهْدِ الَّذي بيْن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيْنهم، فإنَّهم يُعوَّضون قِيمةَ المَمْلوكِ.

وقدْ ذَكَرَ ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه طَلَّقَ زَوجَتَه قَرِيبَةَ بِنتَ أَبي أُمَيَّةَ، وكانت مُشرِكَةً فتَزوَّجَها مُعاويَةُ رضِيَ اللهُ عنه قبْلَ إسلامِه، وكذلك طلَّقَ عِياضُ بنُ غَنْمٍ رضِيَ اللهُ عنه زَوْجَتَه أُمَّ الحَكَمِ بنْتَ أبِي سُفْيَانَ، وكانتْ مُشْركةً، فتَزوَّجَها عَبْدُ اللهِ الثَّقَفِيُّ، وكان هذا لَمَّا نزَلَ قولُه تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] .

أحاديث ذات صلة