حضَرَتِ الخَنساءُ بنتُ عمرٍو السُّلَميَّةُ حربَ القادِسيَّةِ ومعَها بَنوها أربَعةُ رجالٍ، فذكَرَ موعِظَتَها لهُم وتحريضَهُم علَى القِتالِ وعدَمِ الفِرارِ، وفيها : إنَّكُم أسلَمتُم طائعينَ وهاجَرتُم مُختارينَ، وإنَّكُم لَابنُ أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدَةٍ، ما حبت آباؤُكُم ولا فضحتُ أخوالَكُمْ.
فلما أصبَحوا باشَروا القِتالَ واحِدًا بعدَ واحِدٍ حتَّى قُتِلوا، وكلٌّ منهُم أنشَدَ قبلَ أن يُستَشهَدَ رَجَزًا، فأنشَدَ الأوَّلُ : يا إخوَتي إنَّ العَجوزَ النَّاصِحَةْ، قد نصَحتْنا إذ دَعَتنا البارِحَةْ، بمقالَةٍ ذاتِ بيانٍ واضحَةْ، وإنَّما تَلقَونَ عِندَ الصَّابِحَةْ، من آل سَاسانَ كلابًا نابِحَةْ.
وأنشد الثَّاني : إنَّ العَجوزَ ذاتَ حَزمٍ وجَلَدْ، قد أمرَتنا بالسَّدادِ والرَّشَدْ، نصيحةً مِنها وبِرًّا بالوَلَدْ، فباكِروا الحربَ حُماةً في العَددْ.
وأنشدَ الثَّالثُ : والله لا نَعصي العَجوزَ حَرفَا، نُصحًا وبِرًّا صادِقًا ولُطفَا، فبادِروا الحربَ الضَّروسَ زَحفَا، حتَّى تَلفُّوا آلَ كِسرَى لفَّا.
وأنشدَ الرَّابعُ : لستَ لِخَنساءٍ ولا للأَخرَمِ، ولا لعَمرٍو ذي السِّعاءِ الأقدَمِ، إن لَم أَرَه في الجَيشِ خنسَ الأعجَمي، ماضٍ علَى الهولِ خضَّمٍّ حَضرَمي.
وكلٌّ منَ الأبناءِ شيَّدَ أطوَلَ مِن هذا، قالَ : فبلغَها الخبرُ فقالَت : الحَمدُ للَّهِ الَّذي شرَّفَني بقتلِهم، وأرجو مِن ربِّي أَن يجمَعَني بهِم في مُستقَرِّ رحمتِهِ، قالوا : وكانَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ يُعطي الخَنساءَ أرزاقَ أولادِها الأربَعةَ حتَّى قُبِضَ
غير متوفر: التخريج