في قصَّةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضِي اللهُ عنهما أنَّه ابتنَى مسجدًا بفناءِ دارِه ، وكان يُصلِّي فيه ويقرأُ القرآنَ ، فتقِفُ عليه نساءُ المشركين وأبناؤُهم يتعجَّبون منه وينظُرون إليه ، وكان أبو بكرٍ رجلًا بكَّاءً لا يملِكُ دمعَه حين يقرأُ القرآنَ

الدلالات الموضوعية:# قرآن - البكاء عند قراءة القرآن# رقائق وزهد - الحزن والبكاء# مناقب وفضائل - أبو بكر الصديق# صلاة - البكاء في الصلاة
المصدر: شعب الإيمان
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: البيهقي
الحكم:ثابت

بيانات التخريج:

أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/ 29) بلفظه تامًا، والبخاري (476)، وابن حبان (6868) بنحوه في أثناء حديث طويل.

الشرح والتوضيح

لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إلَّا وَهُما يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأْتِينَا فيه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ طَرَفَيِ النَّهَارِ: بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ، حتَّى إذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ ابنُ الدَّغِنَةِ، وَهو سَيِّدُ القَارَةِ، فَقالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فأنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ في الأرْضِ، فأعْبُدَ رَبِّي، قالَ ابنُ الدَّغِنَةِ: إنَّ مِثْلَكَ لا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ؛ فإنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَأَنَا لكَ جَارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ ببِلَادِكَ، فَارْتَحَلَ ابنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مع أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ في أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقالَ لهمْ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ المَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟! فأنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقالوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ، فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ، وَلْيَقْرَأْ ما شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بذلكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ به؛ فإنَّا قدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، قالَ ذلكَ ابنُ الدَّغِنَةِ لأبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بالصَّلَاةِ، وَلَا القِرَاءَةِ في غيرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بفِنَاءِ دَارِهِ وَبَرَزَ، فَكانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عليه نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وَكانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فأفْزَعَ ذلكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فأرْسَلُوا إلى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَقَدِمَ عليهم فَقالوا له: إنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ علَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ، وإنَّه جَاوَزَ ذلكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ، فإنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ علَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ فَعَلَ، وإنْ أَبَى إلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذلكَ، فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْكَ ذِمَّتَكَ؛ فإنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ، قالَتْ عَائِشَةُ: فأتَى ابنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقالَ: قدْ عَلِمْتَ الَّذي عَقَدْتُ لكَ عليه، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ علَى ذلكَ، وإمَّا أَنْ تَرُدَّ إلَيَّ ذِمَّتِي؛ فإنِّي لا أُحِبُّ أَنْ تَسْمعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ له، قالَ أَبُو بَكْرٍ: إنِّي أَرُدُّ إلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بجِوَارِ اللَّهِ.

وَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَئذٍ بمَكَّةَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ؛ رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بيْنَ لَابَتَيْنِ».

وَهُما الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَن هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذلكَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ بَعْضُ مَن كانَ هَاجَرَ إلى أَرْضِ الحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقالَ له رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «عَلَى رِسْلِكَ؛ فإنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي»، قالَ أَبُو بَكْرٍ: هلْ تَرْجُو ذلكَ بأَبِي أَنْتَ؟ قالَ: «نَعَمْ»، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.

الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2297 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] [قوله: وقال أبو صالح...

معلق] التخريج : من أفراد البخاري على مسلم عاش النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابُه في مكَّةَ حَياةً صَعبةً، مِلْؤها أذَى الكُفَّارِ لهم، والتَّضييقُ عليهم في أمْرِ الدَّعوةِ إلى الإسلامِ، مع تَعذيبِهم وغيرِ ذلك مِن طُرقِ الإيذاءِ، ثمَّ أمَرَ اللهُ سُبحانه نَبيَّه بالهِجرةِ إلى المدينةِ.

وفي هذا الحديثِ تُخبِرُ عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها طَرَفًا ممَّا عاصَرَتْه مِن تلك الفترةِ؛ فتَرْوي أنَّها لمَّا كَبِرَت ووَعَتْ كان أبَواها أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وأمُّ رُومانَ يَدينانِ بِدينِ الإسلامِ، وكان لا يَمُرَّ يومٌ عليهم إلَّا ويَأْتيهم فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «طَرَفَيِ النَّهارِ: بُكرَةً وعَشيَّةً»، أي: مرَّةً يَأتِيهم في أوَّلِ النَّهارِ، ومرَّةً يَأتِيهم في آخِرِه، فلمَّا ابْتُلِيَ المُسلِمونَ بِأذَى المشرِكينَ، وأذِنَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِأصحابِه في الهِجرةِ إلى الحَبَشةِ، خرَجَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه مُهاجِرًا إلى الحَبَشةِ؛ لِيَلحَقَ بمَنَ سَبَقَه مِنَ المسلِمينَ، فَسارَ حتَّى إذا بَلغَ بَرْكَ الغِمادِ -وهو مَوْضِعٌ وَراءَ مكَّةَ بِخَمْسِ ليالٍ (140 كم)- لَقِيَه ابنُ الدَّغِنَةِ، وهو سيِّدُ القارَةِ، وهي قَبيلةٌ مَشهورةٌ مِن بَني الهُونِ، فقال: أينَ تُريدُ يا أبا بَكرٍ؟ فقال أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه: أَخرَجَني قَومِي، أي: تَسبَّبوا في إخْراجي، فأنا أُريدُ أنْ أَسيرَ في الأرضِ، فَأَعبُدَ رَبِّي، فقالَ ابنُ الدَّغِنَةِ: إنَّ مِثلَكَ لا يَخرُجُ مِن تِلقاءِ نفْسِه، ولا يُخرِجُه أحدٌ؛ فإنَّك تَكِسبُ المَعدومَ، أي: تُعِينُ الفقيرَ وذا الحاجةِ، وتَصِلُ الرَّحِمَ مِن القَرابةِ، وتَحمِلُ الكَلَّ، والمُرادُ: كَفالةُ اليَتيمِ والعاجِزِ، وتَقْرِي الضَّيفَ، فتُهيِّئُ له طَعامَه ونُزُلَه، وتُعِينُ على نَوائبِ الحقِّ في حَوادثِه ومَصائبِه، وأنا مُجيرٌ لك ومُؤمِّنُك مِمَّنْ تَخافُهم، فارجِعْ فَاعبُدْ رَبَّكَ ببِلادِك، فَارتَحَلَ ابنُ الدَّغِنَةِ فَرجَعَ مع أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فَذهَبَ ابنُ الدَّغِنَةِ إلى أشرافِ كفَّارِ قُريشٍ وَساداتِهم، ونَصَحَهم بعدَمِ إخراجِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه مِن مكَّةَ؛ لِما فيه مِن الصِّفاتِ والأخلاقِ التي تَقدَّمَ ذِكرُها، فَأنْفَذَتْ قُريشٌ جِوارَ ابنِ الدَّغِنَةِ وأَمضَوْه ورَضُوا به، وجَعلُوا أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه في أمانٍ مِن شَرِّهم، وقالوا لابنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكرٍ فَلْيَعبُدْ رَبَّه في دارِه، ولْيُصلِّ ولْيَقرَأْ ما شاءَ ولا يُؤذِينا بذلك؛ إشارةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ الصَّلاةِ والقراءةِ، ولا يَجهَرْ به؛ فإنَّا قد خَشِينا أنْ يَفتِنَ أبناءَنا ونِساءَنا، فيُخرِجَهم مِن دِينِهم إلى دِينِه، فأبْلَغَ ابنُ الدَّغِنَةِ بالَّذي شَرَطَه كَفَّارُ قُريشٍ لأبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فوافَقَ عليه، وَجَعَلَ يَعبُدُ ربَّه في دارِه ولا يَستعْلِنُ بالصَّلاةِ ولا القِراءةِ في غيرِ دارِه، ثُمَّ ظَهَرَ لأبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه رأْيٌ في أمْرِه بِخلافِ ما كان يَفعَلُه، فَبنى مَسجِدًا بِفِناءِ دارهِ، وما امتَدَّ مِن جَوانبِها، وهو أوَّلُ مَسجدٍ بُنِيَ في الإسلامِ، وظَهَرَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فكان يُصلِّي فيه ويَقرَأُ القرآنَ، فَيَتقصَّفُ عليه نِساءُ المشرِكينَ وأبناؤُهم، أي: يَزدَحمون ويَنظُرون إليه، وكان أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه رَجلًا كَثيرَ البُكاءِ، لا يَملِكُ إمساكَ عَينَيْه عَنِ البكاءِ مِن رِقَّةِ قَلبِه، وذلك حِين يَقرَأُ القرآنَ، فَأَخافَ ذلك أشرافَ قُريشٍ مِنَ المشركينَ؛ لِمَا يَعلَمونَ مِن رِقَّةِ قُلوبِ النِّساءِ والشَّبابِ أنْ يَميلوا إلى دِينِ الإسلامِ، فأرْسَلوا إلى ابنِ الدَّغِنَةِ، فَقدِمَ عليهم، فقالوا له: إنَّا كنَّا أمَّنَّا أبا بَكرٍ على أنْ يَعبُدَ ربَّه في دارِه، وإنَّه جاوَزَ ذلك، فَبنَى مَسجدًا بِفِناءِ دارِه وأَعلنَ الصَّلاةَ والقراءةَ، وقدْ خَشِينا أنْ يَفتِنَ أبناءَنا ونِساءَنا، فَائْتِه؛ فَإنْ أَحبَّ أنْ يَقتصِرَ على أنْ يَعبُدَ ربَّه في دارِه فَعَلَ، وإنِ امْتنَعَ إلَّا أنْ يُعلِنَ ذلك، فاطلُبْ منه أنْ يَرُدَّ إليك ذِمَّتكَ وعهْدَك له؛ فإنَّا كَرِهْنا أنْ نُخْفِرَك، أي: نَنقُضَ عَهْدَك وجِوارَك، ولسْنا مُقِرِّينَ لأبي بَكرٍ أنْ يُعلِنَ ما يَفعَلُه مِن العِبادةِ وقِراءةِ القرآنِ، ولا نَسكُتُ على الإنكارِ عليه؛ خَوفًا على نِسائِنا وأبنائِنا، فَأتى ابنُ الدَّغِنَةِ أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه فقال له: قد عَلمْتَ الَّذي عَقَدْتُ لك عليه مع قُريشٍ، فإمَّا أنْ تَقتَصِرَ على الَّذي شَرَطوه، وإمَّا أنْ تُردَّ إلَيَّ ذِمَّتي وعَهْدي؛ فإنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَسمَعَ العرَبُ أنِّي غُدِرَ بي في رَجلٍ عَقدْتُ له عَهْدًا، قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنه: إِنِّي أَردُّ إليكَ جِوارَك وأرْضَى بجِوارِ اللهِ، أي: أكونُ في أمانِه وحِمايتِه، وفي هذا قوَّةُ يَقينِ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه.

وقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومئذٍ بِمكَّةَ، فأخْبَرَ المسلِمين أنَّه قدْ رَأى في مَنامِه -ورُؤيا الأنبياءِ حقٌّ ووَحْيٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ- مَكانَ هِجرتِهم، ويَقصِدُ بذلك المدينةَ، ومِن عَلاماتِها: أنَّ أرْضَها سَبْخةٌ، أي: تَعْلُوها المُلوحةُ ولا تَكادُ تُنبِتُ إلَّا بعضَ الشَّجرِ، ذاتَ نَخلٍ، بيْن لابَتَينِ: تَثْنيةُ لابَةٍ، وهي الحَرَّةُ، وهي أرضٌ بها حِجارةٌ سُودٌ، فهاجَرَ مَن هاجَرَ مِنَ المسلِمينَ قِبَلَ المدينةِ حِين ذكَرَ ذلك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورجَعَ إلى المدينةِ بعضُ مَن كان هاجَرَ إلى أرضِ الحَبشةِ، وتَجهَّزَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه طالبًا الهِجرةَ مِن مكَّةَ، فقالَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: على مَهَلِك مِن غَيرِ عَجلةٍ؛ فَإِنِّي أرْجو أنْ يَأذنَ اللهُ لي في الهجرةِ، فقالَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه: هلْ تَرجو ذلك بأبي أنتَ؟ أي: مَفْدِيٌّ أنتَ بأبي، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: نَعَمْ أرْجو ذلك، فَحَبَسَ أبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه نفْسَه ولمْ يُهاجِرْ مع مَن هاجَرَ؛ لِيَكونَ صاحبًا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الهجرةِ، وقد كان ما راجاهُ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وكانت عندَه رَاحلتَانِ -ناقتانِ-، فعَلَفَهما وَرَقَ السَّمُرِ -وهو الورَقُ السَّاقطُ مِن الأشجارِ- أربعةَ أشهُرٍ؛ لتَتقوَّى على السَّفرِ؛ لأنَّه ورَقٌ يَحسُنُ به عَلْفُ الدَّوابِّ.

وفي الحديثِ: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه، وأنَّه كان أشبَهَ النَّاسِ أَخلاقًا برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: ما كان عليه العرَبُ المُشرِكون مِن حِفظِ العَهدِ والجِوارِ.

وفيه: مَشروعيَّةُ الهِجرةِ مِن أرضِ الكُفْرِ إلى حيث يَأمَنُ المسلمُ على دِينِه.

الأصول والأحكام

[حلية الأولياء – لأبي نعيم] (1/ 29) حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة ، رضي الله تعالى عنها قالت: لما أنفذت قريش جوار ابن الدغنة قالوا له: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره , وليصل فيها ما شاء , وليقرأ ما شاء , ولا يؤذينا ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره , قال: ففعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه , ثم بدا له فابتنى مسجدا بفناء داره , فكان يصلي فيه ويقرأ فتصطف عليه نساء المشركين , وأبناؤهم يتعجبون منه وينظرون إليه , وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن , فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة , فقدم عليهم فأتى ابن الدغنة، أبا بكر فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه , فإما أن تقتصر على ذلك , وإما أن ترجع إلى ذمتي , فإني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في عقد رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك , وأرضى بجوار الله ورسوله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة "

[صحيح البخاري] (1/ 102) 476 - حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: " لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، طرفي النهار: بكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين "

صحيح ابن حبان (15/ 283) 6868 - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثنا ابن أبي السري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها، قالت: لم أعقل أبوي قط، إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيا، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك، فارتحل ابن الدغنة، فرجع مع أبي بكر، فطاف ابن الدغنة في كفار قريش، وقال: إن أبا بكر لا يخرج مثله، وتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وأمنوا أبا بكر رضي الله عنه، وقالت لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ما شاء، وليصل فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا، ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره، ففعل.

ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه، وتقف عليه نساء المشركين، وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا قد أجرنا لك أبا بكر على أن يعبد الله في داره، وإنه جاوز ذلك وابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن بالصلاة والقراءة، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد الله في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر بالاستعلان.

فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عقد رجل عقدت له، قال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل، بين لابتين - وهما الحرتان - فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه مهاجرا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، قال أبو بكر: وترجو ذلك، بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.

قالت عائشة: فبينا نحن جلوس يوما في بيتنا في نحر الظهيرة، إذ قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مقنع في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فداه أبي وأمي، إن جاء به في هذه الساعة لأمر، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن، فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حين دخل لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أذن لي في الخروج، قال أبو بكر: فالصحبة بأبي أنت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال أبو بكر: بأبي أنت يا رسول الله، فخذ إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، ووضعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها، وأوكت به الجراب، فلذلك كانت تسمى: ذات النطاق، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في غار في جبل يقال له: ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال

أحاديث ذات صلة