كنا بمدينةِ الرُّومِ فأَخْرَجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الرُّومِ فخرج إليهم من المسلمين مِثْلُهُم أو أكثرُ وعلى أهلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بنُ عامرٍ وعلى الجماعةِ فَضَالةُ بنُ عُبَيْدٍ فحمل رجلٌ من المسلمين على صَفِّ الرُّومِ حتى دخل بينهم فصاح المسلمون وقالوا سبحانَ اللهِ يُلْقِي بيدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ فقام أبو أيوبَ فقال يا أيُّها الناسُ إنكم لَتُأَوِّلُونَ هذا التأويلَ وإنما نَزَلَتْ هذه الآيةُ لَمَّا أَعَزَّ اللهُ الإسلامَ وكَثُرَ ناصِرُوهُ فقال بعضُنا لبعضٍ سِرًّا أن أموالَنا قد ضاعت وإن اللهَ قد أَعَزَّ الإسلامَ وكَثُرَ ناصِرُوه فلو أَقَمْنا في أموالِنا وأَصْلَحْنا ما ضاع منا فأنزل اللهُ على نبيِّه ما يَرُدُّ علينا فقال { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } فكانت التَّهْلُكَةُ الأموالَ وإصلاحَها وتَرْكَ الغَزْوِ

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# مناقب وفضائل - أبو أيوب الأنصاري# جهاد - التغليظ في ترك الجهاد# تفسير آيات - سورة البقرة
المصدر: نيل الأوطار
الراوي: [أبو أيوب الأنصاري].
المحدث: الشوكاني
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

لم نقف عليه من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو داود (2512)، والترمذي (2972) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه

الشرح والتوضيح

عن أسلمَ أبي عمرانَ قال: غَزونا منَ المدينةِ نريدُ القسطنطينيَّةِ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ، والرُّومُ مُلصِقو ظُهورِهم بحائطِ المدينةِ، فحملَ رجلٌ على العدوِّ، فقالَ النَّاس: مَه مَه لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، يلقي بيديْهِ إلى التَّهلُكةِ، فقالَ أبو أيُّوبَ: " إنَّما نزلت هذِهِ الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ لمَّا نصرَ اللَّهُ نبيَّهُ، وأظْهرَ الإسلامَ قلنا: هلمَّ نقيمُ في أموالِنا ونصلحُها "، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بَأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فالإلقاءُ بالأيدي إلى التَّهلُكةِ أن نقيمَ في أموالِنا ونُصلِحَها وندَعَ الجِهادَ "، قالَ أبو عمرانَ: فلَم يزَل أبو أيُّوبَ يجاهِدُ في سبيلِ اللَّهِ حتَّى دفنَ بالقسطنطينيَّةِ الراوي : أبو أيوب الأنصاري المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 2512 خلاصة حكم المحدث : صحيح الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ تَعالى له فضلٌ عظيمٌ، وما ترَك قومٌ الجهادَ إلَّا ذَلُّوا، والجهادُ باقٍ إلى يومِ القِيامةِ بكُلِّ أنواعِه.

وفي هذا الحَديثِ يَحكِي أَسلمُ أبو عِمرانَ، وهو أسلَمُ بنُ يَزيدَ أبو عِمْرانَ التُّجِيبيُّ؛ نِسبةً إلى قَبيلةِ تُجِيبَ، فيقولُ: "غزَونا مِنَ المدينةِ"، أي: خرَجْنا مِنَ المدينةِ غازِينَ، "نُريدُ" أن نَغزُوَ "القُسطَنطينيَّةَ"، وهي دارُ مَلِكِ الرُّومِ في ذلك الوَقتِ، عمَرَها ملِكٌ مِن مُلوكِ الرُّومِ يُقالُ له: قُسطَنطينُ، فسُمِّيَت باسمِه؛ واسمُها اليومَ إسطَنبولُ، وهي بيَدِ المسلِمينَ مِنَ التُّركِ، "وعلى الجماعةِ"، أي: الأميرُ على جميعِ الجَيشِ، "عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ"، وكان على أهلِ مِصرَ عُقبةُ بنُ عامرٍ الجُهَنيُّ، وعلى أهلِ الشَّامِ فَضَالَةُ بنُ عُبيدٍ؛ فهُما تحتَ وِلايةِ عبدِ الرَّحمنِ على الجماعةِ الخاصَّةِ، والرُّومُ "مُلصِقو"، أي: مُسنِدو "ظُهورِهم بحائطِ المَدينةِ"، أي: بجِوارِ حائطِ مَدينةِ القُسطنطينيَّةِ مُستعِدُّونَ للقِتالِ.

قال: "فحمَل رجُلٌ على العدُوِّ"، أي: قاتَلَ وحْدَه العدوَّ ودخَل في صُفوفِهم، فقال النَّاسُ: "مَهْ مَهْ!"؛ أيِ: اكْفُفْ وانْتَهِ، "لا إلهَ إلَّا اللهُ"؛ للتَّعجُّبِ مِن فِعلِه، "يُلقي بيدَيه إلى التَّهلُكةِ"؛ لقِتالِه وحدَه وهُو مَنهيٌّ عن إلقاءِ نفسِه إلى الهَلاكِ، "فقال أبو أيُّوبَ" الأنصاريُّ- وهو صحابيٌّ جَليلٌ، واسمُه خالدُ بنُ زيدٍ رضي اللهُ عنه- ردًّا عليهم لَمَّا سَمِع منهم ذلك: "إنَّما نزلَت هذه الآيةُ"، وهي قولُه تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، "فينا مَعشَرَ الأنصارِ"، وليسَت في هذا الموطِنِ؛ وذلك "لَمَّا نصَر اللهُ نبيَّه" على الأعداءِ، "وأظهَرَ الإسلامَ" على غيرِه مِنَ الأديانِ، "قُلنا"- مَعْشرَ الأنصارِ- في أنفُسِنا أو فيما بينَنا: "هَلُمَّ"، أي: تَعالَوْا "نُقيمُ في أموالِنا ونُصلِحُها! فأنزَل اللهُ تعالى" هذه الآيةَ وهي قولُه: "{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}"، ثُمَّ فسَّر هذه الآيةَ أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ رضي اللهُ عنه، فقال: "فالإلقاءُ بالأيدي إلى التَّهلُكةِ"، أي: إلى الهلاكِ "أن نُقيمَ في أموالِنا ونُصلِحَها وندَعَ الجِهادَ"، أي: نَترُكَه فلا نَخرُجَ للغَزوِ، وقيل: معنى الآيةِ: أنَّ الهلاكَ هو بالبُخلِ والشُّحِّ، وتَركِ الإنفاقِ والبَذْلِ في سَبيلِ اللهِ تعالى.

"قال أبو عِمْرانَ" وهو أَسْلَمُ بنُ يَزيدَ: "فلَم يزَلْ أبو أيُّوبَ" الأنصاريُّ رضي اللهُ عنه "يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ"؛ لا يَترُكُ الجهادَ حتَّى بعدَ أنْ كَبِرَ في السِّنِّ، "حتَّى دُفِنَ بالقُسطَنطينيَّةِ"، وهو يُقاتِلُ في سَبيلِ اللهِ تعالى.

وفي الحديثِ: فضلُ صحابةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في العِلمِ والعمَلِ.

وفيه: فضلُ الجهادِ في سبيلِ اللهِ، وأنَّ في تَركِه الهَلاكَ والهَوانَ.

وفيه: بيانُ العِلمِ وقتَ الحاجةِ إليه، وأنَّ تأخيرَه عن وقتِه لا يَنبغي.

الأصول والأحكام

سنن أبي داود (3/ 12 ت محيي الدين عبد الحميد) :

‌2512 - حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن حيوة بن شريح، وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال : غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب : " إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها "، فأنزل الله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [[البقرة: 195]] فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد "، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.

[سنن الترمذي] (5/ 212) :

‌2972 - حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة.

فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: " يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها.

فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [[البقرة: 195]]، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب، شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.

هذا حديث حسن صحيح غريب.

أحاديث ذات صلة