دخلتُ أنا وعُبيدُ بنُ عُمَيرٍ على عائشةَ ، فقالت لعُبَيدِ بنِ عُميرٍ : قد آن لك أن تزورَنا .

فقال : أقول يا أُمَّه كما قال الأولُ : زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا قال : فقالت : دَعونا من بطالتِكم هذه .

قال ابنُ عميرٍ : أخبرينا بأعجبِ شيءٍ رأيتِيه من رسولِ اللهِ ؟ فذكر الحديث في نزولِ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ .

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الحزن والبكاء# خلق - خلق السموات والأرض وما فيهما# فضائل سور وآيات - سورة آل عمران# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - اجتهاده في العبادة# رقائق وزهد - الأمر بالتفكر في آيات الله عز وجل وقدرته وملكه وسلطانه وعظمته
المصدر: صحيح الترغيب
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: الألباني
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (2/224) مختصراً، وابن المنذر في ((تفسيره)) (1261)، وابن حبان (620) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: دخَلْتُ أنا وعُبيدُ بنُ عُميرٍ على عائشةَ فقالت لِعُبيدِ بنِ عُميرٍ : قد آن لك أنْ تزورَنا فقال : أقولُ يا أمَّهْ كما قال الأوَّلُ : زُرْ غِبًّا تزدَدْ حُبًّا قال : فقالت : دعُونا مِن رَطانتِكم هذه قال ابنُ عُميرٍ : أخبِرينا بأعجَبِ شيءٍ رأَيْتِه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : فسكَتَتْ ثمَّ قالت : لَمَّا كان ليلةٌ مِن اللَّيالي قال : ( يا عائشةُ ذَرِيني أتعبَّدِ اللَّيلةَ لربِّي ) قُلْتُ : واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك وأُحِبُّ ما سرَّك قالت : فقام فتطهَّر ثمَّ قام يُصَلِّي قالت : فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ حجرَه قالت : ثمَّ بكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ لِحيتَه قالت : ثمَّ بكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بَلَّ الأرضَ فجاء بلالٌ يُؤذِنُه بالصَّلاةِ فلمَّا رآه يبكي قال : يا رسولَ اللهِ لِمَ تَبكي وقد غفَر اللهُ لك ما تقدَّم وما تأخَّر ؟ قال : ( أفلا أكونُ عبدًا شكورًا لقد نزَلَتْ علَيَّ اللَّيلةَ آيةٌ، ويلٌ لِمَن قرَأها ولم يتفكَّرْ فيها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] ) الآيةَ كلَّها الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج صحيح ابن حبان الصفحة أو الرقم: 620 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح على شرط مسلم التخريج : أخرجه ابن حبان (620) واللفظ له، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (4618)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) (544) بنحوه.

شُكرُ اللهِ سُبحانَه يَكونُ بطُرُقٍ كَثيرةٍ، بالأقوالِ والأفعالِ، والعَبدُ الوَرِعُ التَّقيُّ يَزيدُ شُكرُه للهِ كُلَّما ازدادَتِ النِّعَمُ عليه، وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القُدوةَ في الشُّكرِ والعِبادةِ، مع عِلْمِه بنِعمةِ اللهِ عليه بغُفرانِ ما تَقدَّمَ مِن ذُنوبِه وما تأخَّرَ.

وفي هذا الحَديثِ يَقولُ التابِعيُّ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: "دَخَلتُ أنا وعُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ على عائِشةَ" لِزِيارَتِها وسُؤالِها "فقالت لِعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ: قد آنَ لكَ أنْ تَزورَنا" وكأنَّها تَعتِبُ عليه عَدَمَ زِيارَتِه لها، "فقال: أقولُ يا أُمَّه كما قال الأُوَلُ: زُرْ غِبًّا" والغِبُّ أصلُه أنْ يَرِدَ الإبِلُ الماءَ يَومًا وتَدَعَه يَومًا؛ فالمُرادُ: زُرْ أخاكَ وَقتًا بَعدَ وَقتٍ، "تَزدَدْ حُبًّا"؛ وذلك لِأنَّ الإكثارَ مِنَ الزِّيارةِ يُمِلُّ، والإقلالَ منها مُخِلٌّ، "فقالت: دَعونا مِن رَطانَتِكم هذه" تَقصِدُ الكَلامَ المَسجوعَ، والزِّيارةُ مَطلوبةٌ؛ لِمَا فيها مِنَ التَّوادِّ والتَّحابُبِ؛ فالصَّديقُ المُلاطِفُ لا تَزيدُه كَثرةُ الزِّيارةِ إلَّا مَحبَّةً، بخِلافِ غَيرِه، أمَّا التَّقليلُ مِنَ الزِّيارةِ فقيل: إنَّه مَخصوصٌ بمَن يَزورُ لِطَمَعٍ، وإنَّ النَّهيَ عن كَثرةِ مُخالَطةِ الناسِ مَخصوصٌ بمَن يَخشى الفِتنةَ أوِ الضَّرَرَ؛ لِأنَّ هذا اللَّفظَ الذي ذَكَرَه عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ (زُرْ غِبًّا تَزدَدْ حُبًّا) إنَّما هو مِن كَلامِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كما أخرَجَ الطَّيالِسيُّ والطَّبَرانيُّ في الأوسَطِ.

"قال ابنُ عُمَيرٍ: أخبِرِينا بأعجَبِ شَيءٍ رأيتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" وهذا السُّؤالُ لِلتَّعلُّمِ والاقتِداءِ، "فسَكَتتْ" تُفكِّرُ في أحوالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكُلُّها عَجيبةٌ وصالِحةٌ لِلاقتِداءِ بها، ولكِنَّها فَكَّرتْ في أعجَبِ شَيءٍ مِن وِجهةِ نَظَرِها "ثم قالت: لَمَّا كان لَيلةٌ مِنَ اللَّيالي" التي كان فيها عِندي "قال: يا عائِشةُ، ذَريني" اترُكيني "أتَعبَّدُ اللَّيلةَ لِرَبِّي" بالصَّلاةِ والقيامِ، وهذا مِن آدابِ الزَّوجيَّةِ أنْ يَستأذِنَ كُلُّ طَرَفٍ مِنَ الآخَرِ إذا أرادَ الانشِغالَ بأمْرٍ مُهِمٍّ لِلتَّعبُّدِ أوِ الذِّكرِ أو غَيرِ ذلك، "قُلتُ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُربَكَ" حين تَكونُ بجِواري "وأُحِبُّ ما سَرَّكَ" فأُحِبُّ كُلَّ أمْرٍ يَجعلُكَ مَسرورًا "قالت: فقامَ فتَطهَّرَ" تَوضَّأ "ثم قامَ يُصلِّي" قِيامَ اللَّيلِ "فلم يَزَلْ يَبكي حتى بَلَّ حِجرَه" والحِجرُ طَرَفُ الثَّوبِ، "ثم بَكى فلم يَزَلْ يَبكي حتى بَلَّ لِحيَتَه" ورَطَّبَ شَعرَ لِحيَتِه بالدُّموعِ "ثم بَكى فلم يَزَلْ يَبكي حتى بَلَّ الأرضَ" حتى نَزَلتْ دُموعُه على الأرضِ وبَلَّلتْها بَعدَ أنْ بَلَّلتْ لِحيَتَه وثيابَه، وهذا كِنايةٌ عن كَثرةِ الدُّموعِ والخُشوعِ والخَوفِ مِنَ اللهِ، "فجاءَ بِلالٌ يُؤْذِنُه بالصَّلاةِ" وهي صَلاةُ الفَجرِ؛ لِيَسمَحَ له بالإقامةِ والبَدءِ في صَلاةِ الجَماعةِ "فلَمَّا رآه يَبكي قال: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ تَبكي وقد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقدَّمَ وما تأخَّرَ؟" فكأنَّ بِلالًا ظَنَّ أنَّ سَبَبَ تَحمُّلِه المَشقَّةَ في العِبادةِ أنَّه إنَّما يَعبُدُ اللهَ خَوفًا مِنَ الذُّنوبِ، وطَلَبًا لِلمَغفِرةِ والرَّحمةِ، فمَن تَحقَّقَ أنَّه غُفِرَ له لا يَحتاجُ إلى ذلك، فأفادَهم بأنَّ هناك طَريقًا آخَرَ لِلعِبادةِ، وهو الشُّكرُ على المَغفِرةِ؛ فقال: "أفلا أكونُ عَبدًا شَكورًا"، أي: كيف لا أشكُرُه وقد أنعَمَ علَيَّ وخَصَّني بخَيرَيِ الدَّارَيْنِ؟! فمَن عَظُمتْ عليه نِعَمُ اللهِ، وَجَبَ عليه أنْ يَتلقَّاها بعَظيمِ الشُّكرِ، وخُصوصًا أنبياءَه وصَفوَتَه مِن خَلْقِه، الذين اختارَهم، وخَشيةُ العِبادِ للهِ على قَدرِ عِلمِهم به، ثم قال: "لقد نَزَلتْ علَيَّ الليلةَ آيةٌ، وَيلٌ لِمَن قَرأها ولم يَتفَكَّرْ فيها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] "، أي: فيها دَلالاتٌ على قُدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ يُدرِكُها أصحابُ العُقولِ.

الأصول والأحكام

الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 224) :

حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا إسماعيل بن مسلمة بن قعنب، حدثنا أبو سمير حكيم بن خدام الأزدي، عن أبي جناب، عن عطاء بن أبي رباح قال: قالت عائشة لعبيد بن عمير: ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: لما قال القائل: زر غبا تزدد حبا وهذا أولى من رواية طلحة الحديث

تفسير ابن المنذر (2/ 532) :

‌1261 - حدثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا أبو جناب الكلبي، قال: حدثنا عطاء، قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير على عائشة ، وهي في خدرها، فسلمنا عليها، فقالت: من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير، فقالت: يا عبيد، ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: ما قال الأول: زر غبا تزدد حبا قالت: إنا لنحب زيارتك وغشيانك فقال عبد الله بن عمر: دعونا من رطانتكم هذه، حدثيني ما أعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبكت، ثم قالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلتي، فدخل معي في لحافي، وألزق جلده بجلدي، ثم قال: " يا عائشة، ائذني لي في أن أتعبد لربي "، فقلت: إني لأحب قربك وأحب هواك قالت: فقام إلى قربة في البيت فما أكثر صب الماء، ثم قام فصلى، فقرأ القرآن، ثم بكى حتى رأيت أن دموعه قد بلغت حقوه، قالت: ثمجلس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم بكى حتى رأيت أن دموعه قد بلغت حجره، ثم اتكأ على جنبه الأيمن، وذكر الحديث قالت: فدخل عليه بلال، فآذنه لصلاة الفجر، قال: الصلاة، يا رسول الله، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: " يا بلال، أفلا أكون عبدا شكورا؟ وما لي لا أبكي، وقد نزل علي الليلة {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، قرأ إلى سبحانك فقنا عذاب النار} ؟ ثم قال: ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها "قوله عز وجل: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (2/ 386) :

[620] أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن زكريا عن إبراهيم بن سويد النخعي حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقالت لعبيد بن عمير قد آن لك أن تزورنا فقال أقول يا أمه كما قال الأول زر غبا تزدد حبا قال فقالت دعونا من رطانتكم هذه قال بن عمير أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فسكتت ثم قالت لما كان ليلة من الليالي قال "يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي" قلت والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك قالت فقام فتطهر ثم قام يصلي قالت فلم يزل يبكي حتى بل حجره قالت ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته قالت ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر قال "أفلا أكون عبدا شكورا لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: {إن في خلق السماوات والأرض} الآية كلها [آل عمران: 190] .

أحاديث ذات صلة