[عن] عبدالله بن لحي الهوزني، قال: لقِيتُ بلالًا مُؤذِّنَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقُلْتُ : يا بلالُ أخبِرْني كيف كانت نفقةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ قال : ما كان له مِن شيءٍ وكُنْتُ أنا الَّذي أَلِي ذلك منذُ بعَثه اللهُ حتَّى تُوفِّيَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكان إذا أتاه الإنسانُ المسلِمُ فرآه عاريًا يأمُرُني فأنطلِقُ فأستقرِضُ فأشتري البُردةَ أو النَّمِرةَ فأكسوه وأُطعِمُه حتَّى اعترضَني رجُلٌ مِن المُشرِكينَ فقال : يا بلالُ إنَّ عندي سَعةً فلا تستقرِضْ مِن أحَدٍ إلَّا منِّي ففعَلْتُ فلمَّا كان ذاتَ يومٍ توضَّأْتُ ثمَّ قُمْتُ أُؤذِّنُ بالصَّلاةِ فإذا المُشرِكُ في عِصابةٍ مِن التُّجَّارِ فلمَّا رآني قال : يا حبَشيُّ قال : قُلْتُ : يا لَبَّيه فتجهَّمني وقال لي قولًا غليظًا وقال : أتدري كم بيْنَك وبيْنَ الشَّهرِ ؟ قال : قُلْتُ : قريبٌ قال لي : إنَّما بيْنَك وبيْنَه أربعٌ فآخُذُك بالَّذي عليك فإنِّي لم أُعطِك الَّذي أعطَيْتُك مِن كرامتِك علَيَّ ولا كرامةِ صاحبِك ولكنِّي إنَّما أعطَيْتُك لِتَجِبَ لي عبدًا فأرُدَّك ترعى الغَنَمَ كما كُنْتَ قبْلَ ذلك فأخَذ في نفسي ما يأخُذُ النَّاسَ فانطلَقْتُ ثمَّ أذَّنْتُ بالصَّلاةِ حتَّى إذا صلَّيْتُ العَتَمةَ رجَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أهلِه فاستأذَنْتُ عليه فأذِن لي فقُلْتُ : يا رسولَ اللهِ بأبي أنتَ إنَّ المُشرِكَ الَّذي ذكَرْتُ لك أنِّي كُنْتُ أتديَّنُ منه قال لي كذا وكذا وليس عندَك ما تقضي عنِّي ولا عندي وهو فاضحي فأْذَنْ لي أنوءُ إلى بعضِ هؤلاء الأحياءِ الَّذينَ أسلَموا حتَّى يرزُقَ اللهُ رسولَه ما يقضي عنِّي فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( إذا شِئْتَ اعتمَدْتَ ) قال : فخرَجْتُ حتَّى آتيَ منزلي فجعَلْتُ سَيفي وجَعْبَتي ومِجَنِّي ونَعلي عندَ رأسي واستقبَلْتُ بوجهي الأُفقَ فكلَّما نِمْتُ ساعةً استنبَهْتُ فإذا رأَيْتُ علَيَّ ليلًا نِمْتُ حتَّى أسفَرَ الصُّبحُ الأوَّلُ أرَدْتُ أنْ أنطلِقَ فإذا إنسانٌ يسعى يدعو : يا بلالُ أجِبْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فانطلَقْتُ حتَّى أتَيْتُه فإذا أربعُ ركائبَ مُناخاتٍ عليهنَّ أحمالُهنَّ فأتَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستأذَنْتُه فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أبشِرْ فقد جاء اللهُ بقضائِك ) فحمِدْتُ اللهَ وقال : ( ألَمْ تمُرَّ على الرَّكائبِ المُناخاتِ الأربعِ ؟ ) فقُلْتُ : بلى فقال : ( إنَّ لك رقابَهنَّ وما عليهنَّ كسوةٌ وطعامٌ أهداهنَّ إليَّ عظيمُ فَدَكَ فاقبِضْهنَّ ثمَّ اقضِ دَيْنَك ) قال : ففعَلْتُ فحطَطْتُ عنهنَّ أحمالَهنَّ ثمَّ عقَلْتُهنَّ ثمَّ عمَدْتُ إلى تأذينِ صلاةِ الصُّبحِ حتَّى إذا صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خرَجْتُ للبقيعِ فجعَلْتُ أُصبُعيَّ في أُذُنيَّ فنادَيْتُ : مَن كان يطلُبُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَيْنًا فلْيحضُرْ فما زِلْتُ أبيعُ وأقضي وأعرِضُ فأقضي حتَّى إذا فضَل في يدي أوقيَّتانِ أو أوقيَّةٌ ونصفٌ وانطلَقْتُ إلى المسجدِ وقد ذهَب عامَّةُ النَّهارِ فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسٌ في المسجدِ وحدَه فسلَّمْتُ عليه فقال : ( ما فعَل ما قِبَلَك ؟ ) فقُلْتُ : قد قضى اللهُ كلَّ شيءٍ كان على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلَمْ يَبْقَ شيءٌ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أفَضَلَ شيءٌ ؟ ) قال : قُلْتُ : نَعم قال : انظُرْ أنْ تُريحَني منها ) فلمَّا صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَتَمةَ دعاني فقال : ( ما فعَل ممَّا قِبَلَك ؟ ) قال : قُلْتُ : هو معي لَمْ يأتِنا أحَدٌ فبات في المسجدِ حتَّى أصبَح فظلَّ في المسجدِ اليومَ الثَّانيَ حتَّى كان في آخِرِ النَّهارِ جاء راكبانِ فانطلَقْتُ بهما فكسَوْتُهما وأطعَمْتُهما حتَّى إذا صلَّى العَتَمةَ دعاني فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( ما فعَل الَّذي قِبَلَك ؟ ) فقُلْتُ : قد أراحك اللهُ منه يا رسولَ اللهِ فكبَّر وحمِد اللهَ شَفَقًا أنْ يُدرِكَه الموتُ وعندَه ذلك ثمَّ اتَّبَعْته حتَّى جاء أزواجَه فسلَّم على امرأةٍ امرأةٍ حتَّى أتى مبيتَه فهذا الَّذي سأَلْتَني عنه
أخرجه أبو داود (3055)، والطبراني (1/363) (1122)، والبيهقي (19262) باختلاف يسير
[عن] عبدالله الهوزني قال: لقيتُ بلالًا مؤذِّنَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بحلبَ فقلتُ: يا بلالُ حدِّثني كيفَ كانت نفقةُ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ؟ قالَ: ما كانَ لَهُ شيءٌ، كنتُ أَنا الَّذي ألي ذلِكَ منهُ منذُ بعثَهُ اللَّهُ إلى أن توُفِّيَ، وَكانَ إذا أتاهُ الإنسانُ مُسلمًا فرآهُ عاريًا، يأمرُني فأنطلقُ فأستقرِضُ فأشتري لَهُ البردةَ فأَكْسوهُ وأطعمُهُ حتَّى اعتَرضَني رجلٌ منَ المشرِكينَ، فقالَ: يا بلالُ، إنَّ عندي سَعةً، فلا تستقرِضْ من أحدٍ إلَّا منِّي، ففعلتُ فلمَّا أن كانَ ذاتَ يومٍ توضَّأتُ، ثمَّ قمتُ لأؤذِّنَ بالصَّلاةِ، فإذا المشرِكُ قد أقبَلَ في عصابةٍ منَ التُّجَّارِ، فلمَّا أن رآني، قالَ: يا حبشيُّ، قلتُ: يا لبَّاهُ فتجَهَّمَني، وقالَ لي قولًا غليظًا، وقالَ لي: أتدري كم بينَكَ وبينَ الشَّهرِ؟ قالَ: قُلتُ قريبٌ، قالَ: إنَّما بينَكَ وبينَهُ أربعٌ، فآخذُكَ بالَّذي عليكَ، فأردُّكَ تَرعى الغنمَ، كما كنتَ قبلَ ذلِكَ فأخذَ في نَفسي ما يأخذُ في أنفسِ النَّاسِ، حتَّى إذا صلَّيتُ العتَمةَ، رجعَ رسولُ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وسلَّمَ إلى أَهْلِهِ، فاستأذنتُ علَيهِ فأذنَ لي، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، بأبي أنتَ وأمِّي، إنَّ المُشْرِكَ الَّذي كنتُ أتديَّنُ منهُ، قالَ لي كذا وَكَذا، وليسَ عندَكَ ما تَقضي عنِّي، ولا عندي، وَهوَ فاضحي، فأذن لي أن آبَقَ إلى بعضِ هؤلاءِ الأحياءِ الَّذينَ قد أسلَموا، حتَّى يرزُقَ اللَّهُ رسولَهُ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ما يَقضي عنِّي، فخرجتُ حتَّى إذا أتيتُ منزلي، فجعَلتُ سيفي وجرابي ونَعلي ومجنِّي عندَ رأسي، حتَّى إذا انشقَّ عمودُ الصُّبحِ الأوَّلِ أردتُ أن أنطلِقَ، فإذا إنسانٌ يسعَى يدعو: يا بلالُ أجب رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فانطلقتُ حتَّى أتيتُهُ، فإذا أربعُ رَكائبَ مُناخاتٌ عليهنَّ أحمالُهُنَّ، فاستأذنتُ، فقالَ لي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: أبشِر فقد جاءَكَ اللَّهُ بقضائِكَ ثمَّ قالَ: ألم ترَ الرَّكائبَ المُناخاتِ الأربَع فقلتُ: بلى، فقالَ: إنَّ لَكَ رقابَهُنَّ وما عليهنَّ، فإنَّ عليهنَّ كسوةً وطعامًا أَهْداهنَّ إليَّ عظيمُ فدَكَ فاقبِضهنَّ، واقضِ دَينَكَ ففعلتُ، فذَكَرَ الحديثَ، ثمَّ انطلقتُ إلى المسجدِ، فإذا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قاعدٌ في المسجدِ فسلَّمتُ علَيهِ، فقالَ: ما فعلَ ما قِبلَكَ؟ قلتُ: قد قضى اللَّهُ كلَّ شيءٍ كانَ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فلم يبقَ شيءٌ، قالَ: أفضَلَ شيءٌ؟ قلتُ: نعَم، قالَ: انظُر أن تريحَني منهُ، فإنِّي لستُ بداخلٍ على أحدٍ من أَهْلي حتَّى تريحَني منه فلمَّا صلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ العتمةَ دعاني، فقالَ: ما فعلَ الَّذي قبلَكَ؟ قالَ: قلتُ: هوَ معي لم يأتِنا أحدٌ، فباتَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، في المسجدِ، وقصَّ الحديثَ حتَّى إذا صلَّى العتَمةَ يعني منَ الغدِ دعاني، قالَ: ما فعلَ الَّذي قبلَكَ؟ قالَ: قلتُ: قد أراحَكَ اللَّهُ منهُ يا رسولَ اللَّهِ، فَكَبَّرَ وحمدَ اللَّهَ شفَقًا من أن يُدْرِكَهُ الموتُ، وعندَهُ ذلِكَ، ثمَّ اتَّبعتُهُ، حتَّى إذا جاءَ أزواجَهُ فسلَّمَ على امرأةٍ، امرأةٍ حتَّى أتى مَبيتَهُ فَهَذا الَّذي سألتَني عنهُ الراوي : بلال بن رباح المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 3055 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (3055) واللفظ له، وابن حبان (6351)، والطبراني (1/363) (1122) باختلاف يسير كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسعَى في حاجةِ المُحتاجين، حتَّى إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَقترِضُ ليُعطيَهم، وفي ذلك يقولُ عبدُ اللهِ بنُ لُحَيٍّ الهَوْزَنِيُّ: لَقِيتُ، أي: قابَلْتُ، بِلالًا مؤذِّنَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِحَلَبَ، وهي مدينةٌ بالشَّامِ، فقلْتُ: يا بلالُ، حَدِّثْني كيف كانت نفقةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: كيف كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُنفِقُ مالَه؟ قال بلالٌ رضِيَ اللهُ عنه: ما كان له شيءٌ، أي: لم يكُنْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتولَّى نَفَقَةَ شيءٍ ولم يكُنْ عِندَه مالٌ يدَّخِرُه، كنتُ أنا الَّذي أَلِي ذلك منه، أي: النَّفقةَ، منذ بَعَثَه اللهُ إلى أنْ تُوُفِّيَ، وكان إذا أتاه الإنسانُ مُسلِمًا فرآه عاريًا، أي: يحتاجُ إلى كُسوةٍ، يأمُرُني فأنطلِقُ فأستقرِضُ، أي: أَستدينُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فأشتري له، أي: للرَّجلِ، البُرْدَةَ، وهي: نوعٌ مِنَ الثِّيابِ يُشْتَمَلُ به الجسدُ، فأكسوه وأُطعِمُه، حتَّى اعتَرَضني رجُلٌ مِنَ المشركين، أي: وهو في طريقِه للاقتراضِ مِن أجْلِ أنْ يُقرِضَه، فقال: يا بلالُ، إنَّ عِندي سَعةً، أي: غِنًى ومالًا يَفيضُ عن حاجتي؛ فلا تَستقرِضْ من أحدٍ إلَّا منِّي، أي: اطلُبْ دَيْنَكَ منِّي، ففعلْتُ، أي: استقرَضْتُ من ذلك المُشرِكِ، فلمَّا أنْ كان ذات يومٍ توضَّأْتُ، ثمَّ قمْتُ لأُؤذِّنَ بالصَّلاةِ، فإذا المشرِكُ، أي: الرَّجلُ الَّذي أَقْرَضَه، قد أَقْبَلَ في عِصابةٍ، أي: في جماعةٍ ما بين العشَرةِ إلى الأربعين، مِنَ التُّجَّارِ، فلمَّا أنْ رآني، قال: يا حَبَشِيُّ، نِسبة إلى بلادِ الحبَشةِ، وكان بلالٌ حبشيَّ الأصلِ، قلْتُ: يا لَبَّاهُ، أي: لبَّيْكَ، وهي كلمةٌ تُستعمَلُ لإجابةِ المنادي؛ فتَجَهَّمَني، أي: استقبَلَه بغِلظةٍ وكراهةٍ، وقال لي قولًا غليظًا، أي: شديدًا وسيِّئًا، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشَّهرِ؟ أي: المدَّةِ الباقيةِ على استيفاءِ الدَّينِ، قال بلالٌ: قلْتُ: قَريبٌ، قال المشرِكُ: إنَّما بينك وبينه أربعٌ، أي: أربعةُ أيَّامٍ، فآخُذُكَ بالَّذي عليك، فأرُدُّكَ تَرْعى الغَنَمَ، كما كنتَ قبْلَ ذلك، أي: يأخُذُه فيَرُدُّه إلى الرِّقِّ والعبوديَّةِ بما عليه من دَيْنٍ، وكان بِلالٌ رضِيَ اللهُ عنه مملوكًا فاشتراه أبو بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه وأَعْتَقَه.
قال بلالٌ رضِيَ اللهُ عنه: فأخَذَ في نفْسي ما يأخُذُ في أنفُسِ النَّاسِ، أي: مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ مِن أنْ يُرَدَّ إلى العبوديَّةِ بعْدَ أنْ وَهَبَه اللهُ عزَّ وجلَّ حُرِّيَّتَه، قال: حتَّى إذا صَلَّيْتُ العَتَمَةَ، أي: صلاةَ العِشاءِ، رجَعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أهلِه، فاستأذنْتُ عليه، أي: طلبْتُ مُقابَلَتَه، فأذِنَ لي، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، بأبي أنتَ وأُمِّي، أي: فِداكَ أبي وأُمِّي، إنَّ المشرِكَ الَّذي كنتُ أَتَدَيَّنُ منه، قال لي: كذا وكذا، أي: الحديثَ الَّذي دارَ بينه وبين المشرِكِ، وشرْطَه في استرجاعِه إلى العبوديَّةِ، وليس عِندَكَ، أي: مِنَ المالِ، ما تَقْضي عنِّي، ولا عِندي، أي: وليس عندي أيضًا مالٌ أُوفِي له به دَيْنَه، وهو فاضِحي، أي: كاشِفٌ لِمَعايِبي ومُشَهِّرٌ بها، والمرادُ: التَّشهيرُ بما عليه مِن دَيْنٍ، فَأْذَنْ لي، أي: اسمَحْ لي، أنْ آبَقَ، أي: أنْ أذهَبَ وأَفِرَّ، إلى بعضِ هؤلاءِ الأحياءِ الَّذين قد أسْلَموا، أي: إلى بعضِ قبائلِ المسلمين؛ خوفًا مِن أنْ يُرَدَّ إلى العبوديَّةِ، حتَّى يرزُقَ اللهُ رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يَقْضي عنِّي، أي: حتَّى يكونَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ المالِ ما يُسدِّدُ به هذا الدَّيْنَ، فخرجْتُ، أي: بعدَما انتهى مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتَّى إذا أتيْتُ منزلي، فجعلْتُ سيْفي وجِرابي، والجِرابُ: وِعاءٌ مِنَ الجِلدِ يكون فيه المتاعُ، ونَعْلي ومِجَنِّي، والمِجَنُّ: التُّرْسُ الَّذي يُوقِي من ضَرَباتِ السَّيْفِ، عِندَ رأْسي، أي: جعَلها جميعًا بجِوارِه؛ استعدادًا للذَّهابِ كما أخبَرَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتَّى إذا انشقَّ، أي: ظهَرَ وانكَشَفَ، عَمودُ الصُّبْحِ الأوَّلِ، أي: الفَجرِ الكاذِبِ، أردْتُ أنْ أنطلِقَ، أي: يُريدُ الذَّهابَ في الظُّلمةِ وقبْلَ خُروجِ النَّاسِ؛ حتَّى لا يعترِضَه أحدٌ، فإذا إنسانٌ يَسْعى يدعو، أي: يُنادي: يا بِلالُ، أَجِبْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فانطلقْتُ حتَّى أتيْتُه، فإذا أربعُ رَكائبَ مُناخاتٌ، أي: دوابُّ بارِكاتٌ، عليهِنَّ أحمالُهُنَّ، أي: مِنَ الكُسوةِ والطَّعامِ، فاستأذَنْتُ، أي: استأذَنَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال بلالٌ: فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَبْشِرْ فقدْ جاءك اللهُ بقضائِك، أي: بما تقضي وتُسدِّدُ به دَيْنَكَ! ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَلَمْ تَرَ الرَّكائبَ المُناخاتِ الأربعَ، فقُلْتُ: بلى، فقال: إنَّ لك رِقابَهُنَّ وما عليهِنَّ، أي: إنَّ لك الدَّوابَّ الأربعَ وما عليهِنَّ، فإنَّ عليهن كُسوةً وطعامًا، وذلك من عَظيمِ عَطاءِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أهداهُنَّ إليَّ عظيمُ فَدَكَ، و"فَدَكُ": بلدةٌ مشهورةٌ على بُعْدٍ مِنَ المدينةِ، فاقبِضْهُنَّ، أي: خُذْهُنَّ، واقضِ دَيْنَكَ؛ ففعَلْتُ.
قال بلالٌ: ثمَّ انطلقْتُ إلى المسجِدِ، فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعِدٌ في المسجِدِ فسلَّمْتُ عليه، فقال: ما فَعَلَ ما قِبَلَكَ؟ أي: هل قَضَى المالُ الدَّيْنَ؟ قلْتُ: قد قضى اللهُ كلَّ شيءٍ كان على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَلَمْ يَبْقَ شيءٌ، أي: لم يَبْقَ عليه مِنَ الدَّينِ شيءٌ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَفَضَلَ شيءٌ؟ أي: هل بَقِيَ وفَضَلَ مِنَ المالِ شيءٌ بعد استيفاءِ الدَّيْنِ؟ قلْتُ: نَعَمْ، قال: انظُرْ أنْ تُريحَني منه، أي: تُخرِجَه وتُنفِقَه في سَبيلِ اللهِ تعالى؛ وذلك أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يخشى أنْ يموتَ وعِندَه مِنَ النَّفقةِ والمالِ الَّذي لم يُخرِجْه في سبيلِ اللهِ؛ فإنَّي لسْتُ بداخِلٍ على أحدٍ من أَهْلي حتَّى تُريحَني منه، وهذا استعجالٌ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لبلالٍ حتَّى يُنفِقَ ما بَقِيَ من مالٍ.
قال: فلمَّا صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العَتَمَةَ، أي: صلاةَ العِشاءِ، دعاني، فقال: ما فَعَلَ الَّذي قِبَلَكَ؟ أي: المالُ الَّذي بَقِيَ عِندَكَ، قال بلالٌ: قلْتُ: هو معي لم يأتِنا أحدٌ، أي: لم نجِدْ أحدًا نُنفِقُ له المالَ، فباتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المسجِدِ، أي: ولم يدخُلْ في ليلتِه تلك على نِسائِه، حتَّى إذا صلَّى العَتَمَةَ- يَعني مِنَ الغَدِ-، أي: صلَّى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العِشاءَ مِنَ اليومِ الثَّاني، دعاني، قال: ما فَعَلَ الَّذي قِبَلَكَ؟ قال بلالٌ: قلْتُ: قد أَراحَك اللهُ منه يا رسولَ اللهِ، أي: أنفقْتُه كُلَّه في سبيلِ اللهِ، فكبَّر وحَمِدَ اللهَ؛ شَفَقًا، أي: خوفًا، مِن أنْ يُدرِكَه الموتُ، وعِندَه ذلك، أي: مِن ذلك المالِ.
قال بلالٌ رضِيَ اللهُ عنه: ثمَّ اتَّبَعْتُه، أي: إنَّه مَشَى مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حتَّى إذا جاء أزواجَه، أي: غُرَفَ أزواجِه، فسلَّمَ على امرأةٍ امرأةٍ، أي: فسلَّمَ على كُلِّ واحدةٍ منهُنَّ، حتَّى أتى مَبيتَه، أي: حتَّى دخَلَ عِندَ الَّتي سَيَبِيتُ معها.
قال بلالٌ لعبدِ اللهِ الهَوْزَنِيِّ: فهذا الَّذي سألْتَني عنه، أي: نفقةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي الحديث: بيانُ ما كان عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابُه رضِيَ اللهُ عنهم مِن الشِّدَّةِ والفقرِ في أوَّلِ الإسلامِ، وصَبرِهم على نَشرِ دِينِ اللهِ تعالى.
وفيه: بيانُ فَضلِ اللهِ سبحانَه على نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم وأُمَّتِه.
وفيه: بيانُ كرَمِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّه لم يَكُن مُمسكًا للمالِ ولا للدُّنيا، وإنَّما يُنفِقُ ما يأتيه في سَبيلِ اللهِ وفي مَصالِحِ المسلِمين.
صحيح ابن حبان - الرسالة (14/ 262) 6351 - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام، ببيروت، قال: حدثنا محمد بن خلف الداري، قال: حدثنا معمر بن يعمر، قال: حدثنا معاوية بن سلام، قال حدثني أخي زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني عبد الله بن لحي الهوزني، قال: لقيت بلالا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا بلال أخبرني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما كان له من شيء، وكنت أنا الذي ألي ذلك منذ بعثه الله حتى توفي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عاريا، يأمرني، فأنطلق، فأستقرض، فأشتري البردة أو النمرة، فأكسوه، وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال إن عندي سعة، فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت، فلما كان ذات يوم، توضأت، ثم قمت أؤذن بالصلاة، فإذا المشرك في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي، قال: قلت: يا لبيه، فتجهمني، وقال لي قولا غليظا، وقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت: قريب، قال لي: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك علي، ولا كرامة صاحبك، ولكني إنما أعطيتك لتجب لي عبدا، فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ الناس، فانطلقت، ثم أذنت بالصلاة، حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت إن المشرك الذي ذكرت لك أني كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أنوء إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين أسلموا حتى يرزق الله رسوله ما يقضي عني، فقال صلى الله عليه وسلم: إذا شئت اعتمدت ، قال: فخرجت حتى آتي منزلي، فجعلت سيفي وجعبتي ومجني ونعلي عند رأسي، واستقبلت بوجهي الأفق، فكلما نمت ساعة استنبهت، فإذا رأيت علي ليلا نمت حتى أسفر الصبح الأول، أردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حتى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنته، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر، فقد جاء الله بقضائك ، فحمدت الله، وقال: ألم تمر على الركائب المناخات الأربع؟ ، فقلت: بلى، فقال: إن لك رقابهن، وما عليهن كسوة وطعام أهداهن إلي عظيم فدك، فاقبضهن، ثم اقض دينك قال: ففعلت، فحططت عنهن أحمالهن، ثم عقلتهن، ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح، حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت للبقيع، فجعلت أصبعي في أذني، فناديت: من كان يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا فليحضر، فمازلت أبيع وأقضي، وأعرض فأقضي ، حتى إذا فضل في يدي أوقيتان أو أوقية ونصف، انطلقت إلى المسجد، وقد ذهب عامة النهار، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده، فسلمت عليه، فقال: ما فعل ما قبلك؟ ، فقلت: قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل شيء؟ ، قال: قلت: نعم، قال: انظر أن تريحني منها ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة دعاني، فقال: ما فعل مما قبلك؟ ، قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتى أصبح، فظل في المسجد اليوم الثاني، حتى كان في آخر النهار جاء راكبان، فانطلقت بهما فكسوتهما وأطعمتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني، فقال صلى الله عليه وسلم: ما فعل الذي قبلك؟ ، فقلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله، فكبر وحمد الله شفقا أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة، حتى أتى مبيته، فهذا الذي سألتني عنه .
سنن أبي داود (3/ 137 ط مع عون المعبود) :
3055 - حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، نا معاوية يعني: ابن سلام ، عن زيد أنه سمع أبا سلام قال: حدثني عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب، فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما كان له شيء كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله تعالى حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أتاه الإنسان مسلما، فرآه عاريا يأمرني فأنطلق فأستقرض، فأشتري له البردة فأكسوه، وأطعمه حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال إن عندي سعة، فلا تستقرض من أحد إلا مني ففعلت.
فلما أن كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني قال: يا حبشي قلت: يا لباه فتجهمني، وقال لي قولا غليظا، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت: قريب.
قال: إنما بينك وبينه أربع فآخذك بالذي عليك، فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي.
قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني، فخرجت حتى إذا أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى يدعو يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حتى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن فاستأذنت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر فقد جاءك الله تعالى بقضائك ثم قال: ألم تر الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى فقال: إن لك رقابهن، وما عليهن، فإن عليهن كسوة، وطعاما أهداهن إلي عظيم فدك، فاقبضهن واقض دينك ففعلت، فذكر الحديث.
ثم انطلقت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد فسلمت عليه فقال: ما فعل ما قبلك؟ قلت: قد قضى الله تعالى كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق شيء قال: أفضل شيء؟ قلت: نعم.
قال: انظر أن تريحني منه، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه.
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة دعاني فقال: ما فعل الذي قبلك؟ قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وقص الحديث حتى إذا صلى العتمة يعني من الغد دعاني قال: ما فعل الذي قبلك؟ قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله، فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته فهذا الذي سألتني عنه.
المعجم الكبير للطبراني - دار إحياء التراث (1/ 363) 1122- حدثنا أحمد بن خليد الحلبي ، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد بن سلام ، أنه سمع أبا سلام ، قال : حدثني عبد الله الهوزني ، قال : لقيت بلالا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا بلال ، حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما كان له شيء ، كنت أنا الذي ألي ذاك منه منذ بعثه الله عز وجل ، حتى توفي ، وكان إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عاريا ، يأمرني به فأنطلق ، فأستقرض فأشتري البردة ، فأكسوه وأطعمه ، حتى اعترضني رجل من المشركين ، فقال : يا بلال ، إن عندي سعة ، فلا تستقرض من أحد إلا مني ، ففعلت ، فلما كان ذات يوم توضأت ، ثم قمت لأؤذن بالصلاة ، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار ، فلما رآني قال : يا حبشي ، قلت : يا لبيك ، فتجهمني ، وقال لي قولا عظيما ، فقال : أتدري كم بينك وبين الشهر ، قلت : قريب ، قال : إنما بينك وبينه أربع ، وآخذك بالذي لي عليك ، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك ، ولا كرامة صاحبك علي ، ولكن إنما أعطيتك لأتخذك لي عبدا ، فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك ، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس ، فانطلقت ، ثم أذنت بالصلاة حتى إذا صليت العتمة ، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ، فاستأذنت عليه فأذن لي ، فقلت : يا رسول الله ، إن المشرك الذي كنت ادنت منه ، قال لي كذا وكذا ، وليس عندك ما تقضي عني ، وليس عندي ، وهو فاضحي ، فائذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني ، فخرجت حتى أتيت منزلي ، فجعلت سيفي وجرابي ومجني ونعلي عند رأسي ، واستقبلت بوجهي الأفق ، فكلما نمت ساعة انتبهت ، فإذا رأيت علي ليلا نمت ، حتى ينشق عمود الصبح الأول ، فأردت أن أنطلق ، فإذا إنسان يسعى يدعو : يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلقت حتى أتيته فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبشر ، فقد جاءك الله بقضائك فحمدت الله عز وجل ، وقال : ألم تمر على الركائب المناخات الأربع ؟ قلت : بلى ، قال : إن لك رقابهن ، وما عليهن كسوة وطعام أهداهن إلي عظيم فدك ، فاقبضهن ثم اقض دينك ففعلت ، فحططت عنهن أحمالهن ، ثم عقلتهن ، ثم قمت إلى تأذيني صلاة الصبح حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت إلى البقيع ، فجعلت إصبعي في أذني ، فناديت ، فقلت : من كان يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدين فليحضر ، فما زلت أبيع وأقضي حتى لم يبق على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين في الأرض ، حتى فضل في يدي أوقيتان - أو أوقية ونصف - ثم انطلقت إلى المسجد وقد ذهب عامة النهار ، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا في المسجد وحده ، فسلمت عليه ، فقال لي : ما فعل ما قبلك ؟ قلت : قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق شيء ، فقال : أفضل شيء فقلت : نعم ، قال : انظر أن تريحني منها ، فإني لست داخلا على أحد من أهلي حتى تريحني منه فلم يأتنا أحد حتى أمسينا ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة دعاني ، فقال لي : ما فعل الذي قبلك ؟ قلت : هو معي لم يأتنا أحد ، فبات في المسجد حتى أصبح ، فظل اليوم الثاني حتى كان في آخر النهار جاء راكبان ، فانطلقت بهما وأطعمتهما وكسوتهما ، حتى إذا صلى العتمة دعاني ، فقال : ما فعل الذي قبلك ؟ فقلت : قد أراحك الله منه يا رسول الله ، فكبر وحمد الله عز وجل شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك ، ثم اتبعته حتى جاء أزواجه ، فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته ، فهو الذي سألتني عنه.
المعجم الكبير للطبراني - دار إحياء التراث (1/ 365) 1123- حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي ، حدثنا محمد بن مصفى ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن معاوية بن سلام ، حدثني ابن سلام ، عن غيلان الثقفي ، عن بلال ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله.
السنن الكبرى للبيهقي - دائرة المعارف (9/ 215) 19262- أخبرنا أبو على الروذبارى أخبرنا محمد بن بكر حدثنا أبو داود حدثنا أبو توبة : الربيع بن نافع حدثنا معاوية بن سلام عن زيد أنه سمع أبا سلام قال حدثنى عبد الله الهوزنى قال : لقيت بلالا مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت : يا بلال حدثنى كيف كانت نفقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث قال فيه : فإذا إنسان يسعى يدعو يا بلال أجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانطلقت حتى أتيته فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن فاستأذنت فقال لى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أبشر فقد جاءك الله بقضائك .
ثم قال : ألم تر إلى الركائب المناخات الأربع .
فقلت : بلى فقال : إن لك رقابهن وما عليهن فإن عليهن كسوة وطعاما أهداهن إلى عظيم فدك فاقبضهن واقض دينك .
ففعلت.