كنتُ معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فلَقِيْنَا المشركين بنَخْلٍ ، فكانوا بينَنا وبينَ القبلةِ ، فلما حضرتْ صلاةُ الظهرِ صلى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ جميعٌ ، فلما فرَغْنا تذَامَر المشركون ، فقالوا : لو كُنَّا حمَلْنا عليهم وهُم يُصلُّون ، فقال بعضُهم : فإنَّ لهم صلاةً ينتظرونها تأتي الآنَ هي أَحَبُّ إليهم منْ أبنائِهم ، فإذا صلُّوا فميلوا عليهم ! قال : فجاء جبريلُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليهما بالخَبَرِ ، وعلَّمه كيف يُصلي ، فلما حضرَتِ العصرُ قام نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مما يلي العدوَّ ، وقُمنا خلفَه صفَّيْن ، فكبَّر نبيُ اللهِ ، وكبَّرْنا معه جميعًا ، ثم ذكَر نحوه
أخرجه مسلم (840)، والنسائي (1547)، وأحمد (14436) بعضه في أثناء حديث، والطبري في ((التفسير)) (10375) واللفظ له
غَزَوْنَا مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَوْمًا مِن جُهَيْنَةَ، فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ قالَ المُشْرِكُونَ: لو مِلْنَا عليهم مَيْلَةً لَاقْتَطَعْنَاهُمْ، فأخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ذلكَ، فَذَكَرَ ذلكَ لَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: وَقالوا: إنَّه سَتَأْتِيهِمْ صَلَاةٌ هي أَحَبُّ إليهِم مِنَ الأوْلَادِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ العَصْرُ قالَ: صَفَّنَا صَفَّيْنِ، وَالْمُشْرِكُونَ بيْنَنَا وبيْنَ القِبْلَةِ، قالَ: فَكَبَّرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ، وَسَجَدَ معهُ الصَّفُّ الأوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأوَّلُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي، فَقَامُوا مَقَامَ الأوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَكَبَّرْنَا، وَرَكَعَ، فَرَكَعْنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ معهُ الصَّفُّ الأوَّلُ، وَقَامَ الثَّانِي، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، سَلَّمَ عليهم رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ.
قالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَنْ قالَ: كما يُصَلِّي أُمَرَاؤُكُمْ هَؤُلَاءِ.
الراوي : جابر بن عبدالله المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 840 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (840) الصلاةُ أهمُّ رُكنٍ في أركانِ الإسلامِ بَعدَ الشهادتَينِ، وهي قُرَّةُ عَينِ المؤمنينَ وأحبُّ إليهم مِن أولادِهم، وقدْ شُرِعَت صَلاةُ الخَوفِ حتَّى يتمكَّنَ المُسلِمونَ مِن أداءِ فَرْضِ اللهِ دُونِ تَعريضِ أنفُسِهم للخَطرِ في أثْناءِ قِتالِهم لأعْداءِ اللهِ، وقد ورَدَت صَلاةُ الخَوفِ على عدَّةِ هَيْئاتٍ.
وفي هذا الحَديثِ بَيانٌ لإحْدى تلك الهَيْئاتِ، حيثُ يَحْكي جابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ رضِيَ اللهُ عنهما: أنَّهم خَرَجوا إلى الغَزوِ معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لقَومٍ من جُهَيْنةَ، وهي قَبيلةٌ عَربِيَّةٌ قَديمةٌ، وكانت تَسكُنُ في سَهلِ تِهامةَ المُمتَدِّ منَ اليَمنِ إلى قُربِ مَكَّةَ المُكرَّمةِ، فقاتَلوهم قِتالًا شَديدًا، ولَمَّا حضَرَت صَلاةُ الظُّهرِ، والمُشرِكونَ في مُقابَلتِهم، ورأى المُشرِكونَ طَريقةَ صَلاةِ المُسلِمينَ من رُكوعٍ وسُجودٍ، وهذا يُناسِبُ الهُجومَ عليهم وهم في غَفلةٍ، فقال المُشرِكونَ: «لو مِلْنا عليهم مَيْلةً» فعَزَموا في أنفُسِهم أنَّه لو تَحينُ للمُسلِمينَ صَلاةٌ أُخْرى لهَجَموا عليهم فيها، وقولُه: «لاقْتَطَعْناهم» إشارةٌ إلى أنَّها فُرصةٌ عَظيمةٌ للنَّيْلِ من جَيشِ المُسلِمينَ وخَسارتِه للمَعرَكةِ.
فأخبَرَ جِبريلُ عليه السَّلامُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما يَعزِمُ عليه المُشرِكونَ، وأنَّهم يَتَحيَّنونَ ويَنتظِرونَ الصلاةَ التي تَلي الظُّهرَ -وهي صَلاةُ العَصرِ- لأهميَّتِها للمُسلِمينَ، قائلينَ: «إنَّه ستَأْتيهم صَلاةٌ هي أحبُّ إليهم منَ الأولادِ»، وهذا إشعارٌ بأهميَّةِ صَلاةِ العَصرِ عندَ المُسلِمينَ، وما كان عِندَهم من حِرصٍ على أدائِها في أوَّلِ وَقتِها.
فلمَّا حضَرَت صَلاةُ العَصرِ، واستَعَدَّ المُسلِمونَ للصلاةِ، وكان المُشرِكونَ في جِهةِ قِبْلةِ المُسلِمينَ، صفَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الجَيشَ خَلفَه صَفَّينِ، ثم كبَّرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والجيشُ جَميعًا تَكبيرةَ الإحْرامِ، وفي الرُّكوعِ نزَلَ إليه الجيشُ جَميعًا، فلمَّا سجَدَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الركعةِ الأُولى، سجَدَ الصفُّ الأولُ، وهو الذي يَلي النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وظلَّ الصفُّ الثاني يَحرُسُ المُسلمينَ الساجِدينَ منَ المُشرِكينَ، فلمَّا قامَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للركعةِ الثانيةِ للصلاةِ؛ تَقدَّمَ الصفُّ الثاني مَوضِعَ الصفِّ الأولِ، وتأخَّرَ مَن كان في الصفِّ الأولِ إلى مَوضِعِ الصفِّ الثاني، وأدَّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بهم جَميعًا التكبيرَ والركوعَ، فلمَّا نزَلَ للسجودِ نزَلَ معَه مَن لم يَسجُدْ في الركعةِ الأُولى، وظلَّ مَن سجَدَ معَه في الركعةِ الأُولى واقِفًا يَحرُسُ الساجِدينَ، ثم جلَسَ الجَميعُ للتشهُّدِ والتَّسليمِ بعدَ أنْ سلَّمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
ومِن الحِكمةِ في التقدُّمِ والتأخُّرِ حيازةُ فَضيلةِ المَعيَّةِ في الركعةِ الثانيةِ، جَبرًا لِمَا فاتَهم منَ المَعيَّةِ في الركعةِ الأُولى.
ثم قال جابرٌ رضِيَ اللهُ عنه: «كما يُصلِّي أُمَراؤُكم هؤلاء»، وفي رِوايةِ مُسلمٍ: «كما يَصنَعُ حَرَسُكم هؤلاء بأُمَرائِهم»، يَعني: يَحرُسونَهم، ويَقِفونَ على رُؤوسِهم حالَ سُجودِ أُمَرائِهم.
وقد ورَدَ في كَيفيَّةِ صَلاةِ الخَوفِ صِفاتٌ كَثيرةٌ، وهذه إحْدى الرِّواياتُ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيها، وقد صَلَّاها في أيَّامٍ مُختلِفةٍ بأشكالٍ مُتبايِنةٍ يَتحَرَّى فيها ما هو الأحوَطُ للصَّلاةِ، والأبلَغُ للحِراسةِ؛ فهي على اختِلافِ صُوَرِها متَّفِقةُ المَعنى.
وفي الحَديثِ: عَلَمٌ من أعْلامِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حيثُ أُخبِر وأخبَرَ بما يُضمِرُه المشركونَ للمُسلِمينَ.
وفيه: بَيانُ أهميَّةِ الصَّلاةِ، حتَّى أنَّها لا تُترَكُ في أوقاتِ الشِّدَّةِ والخَوفِ، حتَّى والمُسلِمونَ يُقاتِلونَ العَدوَّ.
[صحيح مسلم] (1/ 574 ) ((307- (840) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير.
حدثنا أبي.
حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، عن جابر بن عبد الله .
قال
شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.
فصفنا صفين: صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة.
فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا.
ثم ركع وركعنا جميعا.
ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا.
ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه.
وقام الصف المؤخر في نحر العدو.
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود، وقام النصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود.
وقاموا.
ثم تقدم الصف المؤخر.
وتأخر الصف المقدم.
ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا.
ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا.
ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحور العدو.
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه.
انحدر الصف المؤخر بالسجود.
فسجدوا.
ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا.
قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم)).
[سنن النسائي] (3/ 175) 1547- أخبرنا علي بن الحسين الدرهمي وإسماعيل بن مسعود، قالا حدثنا خالد، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر قال: ((شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فقمنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرنا، وركع وركعنا، ورفع ورفعنا، فلما انحدر للسجود سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين يلونه، وقام الصف الثاني حين رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذين يلونه، ثم سجد الصف الثاني حين رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمكنتهم، ثم تأخر الصف الذين كانوا يلون النبي صلى الله عليه وسلم، وتقدم الصف الآخر فقاموا في مقامهم، وقام هؤلاء في مقام الآخرين قياما، وركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا، ثم رفع ورفعنا، فلما انحدر للسجود سجد الذين يلونه والآخرون قيام، فلما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين يلونه سجد الآخرون، ثم سلم)).
[مسند أحمد] (22/ 322 ط الرسالة) ((14436- حدثنا يحيى، عن عبد الملك، حدثني عطاء عن جابر بن عبد الله : أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، وذكر أن العدو كانوا بينه وبين القبلة، وإنا صففنا خلفه صفين، فكبر وكبرنا معه جميعا، ثم ركع وركعنا معه جميعا، فلما رفع رأسه من الركوع سجد، وسجد معه الصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قام وقام معه الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، فركع وركعنا معه جميعا، ثم سجد وسجد معه الصف الذي يليه، فلما سجد الصف الذي يليه، وجلس، انحدر الصف المؤخر بالسجود، ثم سلم وسلمنا جميعا.
قال جابر: كما يفعل حرسكم هؤلاء بأمرائهم)).
تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (9/ 157) 10375- حدثني عمران بن بكار قال، حدثنا يحيى بن صالح قال، حدثنا ابن عياش قال، أخبرني عبيد الله بن عمرو، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلقينا المشركين بنخل، فكانوا بيننا وبين القبلة.
فلما حضرت صلاة الظهر، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جميع.
فلما فرغنا، تذامر المشركون، فقالوا: لو كنا حملنا عليهم وهم يصلون! فقال بعضهم: فإن لهم صلاة ينتظرونها تأتي الآن، هي أحب إليهم من أبنائهم، فإذا صلوا فميلوا عليهم.
قال: فجاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليهما بالخبر، وعلمه كيف يصلي.
فلما حضرت العصر، قام نبي الله صلى الله عليه وسلم مما يلي العدو، وقمنا خلفه صفين، فكبر نبي الله وكبرنا معه جميعا، ثم ذكر نحوه.