بعثَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سريَّةً ، واستعملَ عليهِم رجلًا منَ الأنصارِ قالَ : فلمَّا خرجوا قالَ : وجدَ عليهِم في شيءٍ فقالَ : قالَ لَهُم : أليسَ قد أمرَكُم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن تُطيعوني قالَ : قالوا : بلَى .
قالَ : فقالَ : اجمَعوا حطبًا ، ثمَّ دعا بنارٍ فأضرمَها فيهِ ، ثمَّ قالَ : عزمتُ عليكُم : لتدخلنَّها .
قالَ : فَهَمَّ القَومُ أن يدخُلوها ، قالَ : فقالَ لَهُم شابٌّ منهُم : إنَّما فرَرتُمْ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ منَ النَّارِ ، فلا تعجَلوا حتَّى تلْقوا النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإن أمرَكُم أن تدخُلوها فادخُلوا ، قالَ : فرجَعوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبروهُ ، فقالَ لَهُم : لَو دخلتُموها ما خرجتُمْ منها أبدًا ، إنَّما الطَّاعةُ في المعروفِ
أخرجه البخاري (7257)، ومسلم (1840)، وأبو داود (2625) بنحوه.أخرجه مسلم (2647)، والبزار (588) بلفظه.
كُنَّا في جَنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فأتَانَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وقَعَدْنَا حَوْلَهُ، ومعهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ما مِنكُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وإلَّا قدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً.
قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفَلَا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ؟ فمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، ومَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقَاءِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، قالَ: أمَّا أهْلُ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا أهْلُ الشَّقَاوَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاءِ.
ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5، 6] الآيَةَ.
الراوي : علي بن أبي طالب المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4948 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2647)، وأبو يعلى (582) كلاهما باختلاف يسير، وأبو داود (4694)، والترمذي (3344) كلاهما بنحوه .
في هذا الحَديثِ يَحكي عَليُّ بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عنه أن الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عنهم كانوا في جِنازةٍ في بَقيعِ الغَرْقَدِ، وهو ما عَظُمَ مِن شَجَرِ العَوسَجِ، كان يَنبُتُ فيه، فذهَبَ الشَّجَرُ وبَقِيَ الاسمُ لازمًا للمَكانِ، وهي مَقْبَرةُ المَدينةِ، إلى جوارِ المسجِدِ النَّبويِّ الشَّريفِ، فجاءهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وَقَعَدوا حَولَه، ومَعَه «مِخْصَرةٌ»، أي: وهي عَصا يُتوكَّأُ عليها، فَخفض رأسَه وطأطأ إلى الأرضِ على هيئةِ المهمومِ المفَكِّرِ، كما هي عادةُ من يتفَكَّرُ في شَيءٍ حتى يستحضِرَ معانِيَه، فيحتَمِلُ أن يكونَ ذلك تفكُّرًا منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمرِ الآخِرةِ؛ لقرينةِ حُضورِ الجِنازةِ، أو فيما أبداه بعد ذلك لأصحابِه، فَجَعَلَ يضرِبُ في الأَرْضِ بالعَصَا، ثُمَّ ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه ما مِنهُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَولودةٍ ومَخلوقةٍ، إلَّا كُتِبَ مَكانُها -يعني: قُدِّر وعُيِّن- الَّذي تَصيرُ إلَيه مِن الجَنَّةِ والنَّارِ، إلَّا وقَدْ كُتِبَتْ شَقيَّةً، أي: مُعَذَّبةً بالنَّارِ، أو سَعيدةً وفَرِحةٌ بالْجَنَّةِ.
فَسَأَلَ رَجُلٌ -قيل: هو عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وقيل غيرُه-: «يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ عَلى كِتابِنا ونَدَعُ العَمَلَ؟» يعني: أفلا نعتَمِدُ على ما قُدِّرَ علينا، ونترُكَ العَمَلَ؛ فَمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعادةِ فَسَيَصيرُ -أي: سيَجُرُّه القَضاءُ- إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعادةِ، أي: قَهرًا ويكونُ مآلُ حالِه ذلك بدونِ اختيارِه، ومَن كان مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقاءِ فَسَيَصيرُ إلى عَمَلِ أهلِ الشَّقاوةِ -يعني: قَهْرًا-؟ وحاصِلُ السُّؤالِ: ألَا نَترُكُ مَشَقَّةَ العَمَلِ، ما دام أنَّنا سنصيرُ إلى ما قُدِّرَ علينا، وأنَّ السَّعيَ لا يَرُدُّ قَضاءَ اللهِ وقَدَرَه؟ وحاصِلُ الجَوابِ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّه لا مشَقَّةَ؛ لأنَّ كُلَّ أحدٍ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له، وهو يسيرٌ على من يسَّره اللهُ عليه.
فمنعهم عن الاتِّكالِ، وتَرْكِ العَمَلِ، وأمرهم بالتزامِ ما يجِبُ على العَبدِ مِن العُبوديَّةِ، مع عدمِ جَعلِ العِبادةِ وتَرْكِها سببًا مُستَقِلًّا لدُخولِ الجنَّةِ والنَّارِ، بل هي علاماتٌ فقط.
ثُمَّ قَرَأَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -تصديقًا لإجابتِه- قوْلَ اللهِ تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10] .
وفي الحَديثِ: مشروعيَّةُ الموعِظةِ عند القَبرِ.
وفيه: الجَمعُ بين الإيمانِ بالقَدَرِ، والأخذِ بالأسبابِ في العَمَلِ.
[مسند أحمد] (2/ 56 ط الرسالة) :
621 - حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا، وفي يده عود ينكت به، قال: فرفع رأسه فقال: " ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار " قال: فقالوا: يا رسول الله، فلم نعمل؟ قال: " اعملوا، فكل ميسر لما خلق له: {أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [الليل: 5 - 10].
[صحيح مسلم] (8/ 47) :
(2647) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأبو سعيد الأشج قالوا: حدثنا وكيع .
(ح) وحدثنا ابن نمير ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش .
(ح) وحدثنا أبو كريب (واللفظ له) حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا، وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال: ما منكم من نفس، إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار، قالوا: يا رسول الله فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى} إلى قوله {فسنيسره للعسرى }.
[مسند البزار - البحر الزخار] (2/ 205) :
588 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه، فقال: ما منكم نفس إلا قد علم منزلتها من الجنة والنار ، قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل ولا نعمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له .
ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى} [الليل: 6] ، إلى قوله {وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى} [الليل: 8] "