إنَّ الميِّتَ يعذَّبُ ببُكاءِ أَهلِهِ عليْهِ
أخرجه النسائي (1857)ـ وابن حبان (3133) كلاهما باختلاف يسير، والبخاري (1289)، مسلم (929)كلاهما بنحوه.
ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: المَيِّتُ يُعَذَّبُ ببُكَاءِ أَهْلِهِ عليه، فَقالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عبدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ شيئًا فَلَمْ يَحْفَظْهُ، إنَّما مَرَّتْ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، وَهُمْ يَبْكُونَ عليه، فَقالَ: أَنْتُمْ تَبْكُونَ، وإنَّه لَيُعَذَّبُ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 931 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (3978) بنحوه، ومسلم (931).
كُلُّ مُصيبةٍ مهْما عَظُمتْ، يُقابِلُها أجرٌ لِمَن صَبَر على شِدَّتِها، وهكذا مُصيبةُ المَوتِ؛ لِما فيها مِن فَقْدِ النَّاسِ والأحِبَّةِ، وكان مِن العاداتِ الجاهليَّةِ أنْ يُوصيَ الإنسانُ أنْ يُبْكى عليه ويُناحَ بما يُخالِفُ كلَّ الأعرافِ والشَّرائعِ، وقدْ نَهى الإسلامُ عن ذلك، وتَوعَّد المُتعمِّدَ والمُصِرَّ بالعِقابِ، وبيَّنَ أنَّها تَجلِبُ لِصاحبِها الألَمَ والعذابَ إنْ وصَّى بها أو رَضِيَها.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابعيُّ عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّه ذُكِرَ عِندَ عائشةَ رَضِي اللهُ عنها قَولُ عبْدِ اللهِ بنِ عُمرَ رَضِي اللهُ عنهما: «إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ بِبُكاءِ أَهلِه عَليهِ»، أي: يُعذَّبُ وهو في قَبرِه ببُكاءِ الحيِّ مِن أهلِه عليه، وغيرِ ذلك ممَّا يَفعَلونَه مِن عاداتِ الجاهليَّةِ.
وقدْ حمَلَ طائفةٌ مِنَ العُلماءِ ذلك على مَن أوصَى به، أو كانتْ عادتُهم كذلك ولم يَنْهَهُم، فلَم يُوصِ قبْلَ مَوتِه بألَّا يُحْدِثوا قَولًا ولا فِعْلًا مُنْكَرًا، وهذا كان مَشهورًا عندَ العربِ؛ لأنَّه إذا غلَبَ على ظنِّه فِعْلُهم له، ولم يُوصِهم بتَرْكِه، فقدْ وصَّى به، وصارَ كمَن ترَكَ النَّهيَ عَنِ المُنكرِ مع القُدرةِ عليه، فأمَّا إذا أوصاهُمْ بتَرْكِه، فخالَفوه؛ فاللهُ أكرَمُ مِن أنْ يُعذِّبَه بذلك.
فلمَّا سَمِعتْ عائشةُ رَضِي اللهُ عنها ذلك، قالتْ: «رَحِمَ اللهُ أَبا عَبدِ الرَّحمَنِ، سَمِعَ شَيئًا فَلمْ يَحفَظْه»، وهو أنَّ لهذا الحديثِ سَببًا وليس كما ظَنَّ ابنُ عُمرَ رَضِي اللهُ عنهما، أو ما يُوهِمُه ظاهرُ الحديثِ أنَّه على إطلاقِه ويَشمَلُ جَميعَ الأمواتِ، فأخبَرَت عائشةُ رَضِي اللهُ عنه سَببَ الحديثِ، فقالت: «إنَّما مَرَّت على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم جِنازةُ يَهوديٍّ»، وأهلُه يَبكونَ عَليه، فَقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «أَنتُم تَبكونَ» بعْدَ مَوتِه، والخِطابُ لأهْلِ الميِّتِ «وإنَّه لَيُعذَّبُ»؛ وفي رِوايةٍ مُتَّفقٍ عليها فقالَتْ: «وَهَلَ؛ إنَّما قالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: إنَّه لَيُعَذَّبُ بخَطِيئَتِهِ وذَنْبِهِ، وإنَّ أهْلَهُ لَيَبْكُونَ عليه الآنَ»، أي: إنَّ أهْلَه يَبْكُونَ عليه وهو يُعذَّبُ بخَطيئتِه، فالسَّببُ في تَعذيبِه ليْس بُكاءَ أهْلِه عليه، وإنَّما ذُنوبُه وخَطاياهُ.
وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] أي: لا تَحمِلُ نفْسٌ إثْمَ نفْسٍ أُخرى.
وفي الحَديثِ: بَيانُ مَكانةِ عائشةَ رَضِي اللهُ عنها مِن الفقهِ والعلمِ.
وفيه: تَصويبُ المفاهيمِ الخاطئةِ عندَ بعضِ النَّاسِ باستخدامِ الدَّليلِ والإقناعِ.
سنن النسائي (4/ 18) 1857 - أخبرنا عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار، عن سفيان، قال: قصه لنا عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن أبي مليكة، يقول: قال ابن عباس: قالت عائشة : إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل يزيد الكافر عذابا ببعض بكاء أهله عليه
صحيح ابن حبان - مخرجا (7/ 404) 3133 - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن عائشة ، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الكافر ليزداد عذابا ببعض بكاء أهله عليه
[صحيح البخاري] (2/ 80) 1289 - حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته أنها: سمعت عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها
[صحيح مسلم] (2/ 642) (929) حدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، قال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن أبي مليكة، قال: توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة، قال: فجئنا لنشهدها، قال: فحضرها ابن عمر، وابن عباس، قال: وإني لجالس بينهما، قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان: وهو مواجهه، ألا تنهى عن البكاء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدث، فقال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل شجرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت، فإذا هو صهيب، قال: فأخبرته، فقال: ادعه لي، قال: فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أن أصيب عمر، دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه وا صاحباه، فقال عمر: يا صهيب أتبكي علي؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك، لعائشة فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164]، قال: وقال ابن عباس عند ذلك: والله {أضحك وأبكى} [النجم: 43]، قال ابن أبي مليكة: فوالله ما قال ابن عمر من شيء.