- عليكُمْ بالصِّدقِ؛ فإنَّهُ مع البِرِّ، وهُما في الجنةِ، وإِيَّاكُمْ والكذبَ؛ فإنَّهُ مع الفجورِ وهُما في النَّارِ
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (10719) باختلاف يسير، وابن ماجه (3849)، وأحمد (17) واللفظ لهما.
عن أبي بكرٍ حين قُبِضَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ في مقامي هذا عامَ الأولِ ثم بكى أبو بكرٍ ثم قال عليكم بالصدقِ فإنَّهُ مع البِرِّ وهما في الجنةِ وإياكم والكذبُ فإنَّهُ مع الفجورِ وهما في النارِ وسلُوا اللهَ المعافاةَ فإنَّهُ لم يُؤْتَ أحدٌ بعد اليقينِ خيرًا من المعافاةِ ولا تَحاسَدُوا ولا تباغَضوا ولا تقاطَعوا ولا تدابَروا وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا الراوي : أبو بكر الصديق المحدث : الألباني المصدر : صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 3118 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه ابن ماجة (3849) واللفظ له، وأحمد (1/ 198)، وابن حبان (5734) باختلاف يسير.
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حريصًا على إرشادِ أُمَّتِه إلى الأمورِ المهمَّةِ الَّتي فيها نفْعُهم في الدُّنيا والآخرَةِ؛ ومِن ذلك: وصيَّتُه للمسلِمين بالحِرصِ على الصِّدقِ مع اليَقينِ والبُعدِ عن الكذبِ، ووصيَّتُه بالتَّحابُبِ وعدَمِ التَّنافُرِ والخِلافِ.
وفي هذا الحديثِ تَوضيحٌ لبعضِ وَصايا النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في هذا الأمْرِ، وفيه يُخبِرُ أوسَطُ بنُ إسماعيلَ البَجَليُّ: "أنَّه سَمِع أبا بَكرٍ"، أي: في خُطبَتِه.
وفي رِوايةِ التِّرمذيِّ: "قام أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ على المِنبَرِ ثمَّ بَكى"، قال أَوسَطُ: "حين قُبِض النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يقولُ: قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في مَقامي هذا"، أي: قام خَطيبًا في النَّاسِ على هذا المِنبَرِ، "عامَ الأوَّلِ"، أي: مِن الهِجرةِ، "ثمَّ بَكى أبو بَكرٍ"، أي: بَكى مِن ذِكرِه النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، "ثمَّ قال"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "علَيكم بالصِّدقِ"، أي: الْزَموه وداوِموا عليه، والصِّدقُ هو الإخبارُ على وَفقِ ما في الواقِع، وقولُ الحقِّ، وقد يُستعمَلُ في أفعالِ الجوارحِ نحوَ: صَدَقَ فلانٌ في القِتالِ: إذا أوفاه حقَّه؛ "فإنَّه مع البِرِّ"، والبِرُّ: اسمٌ جامِعٌ للخَيرِ كلِّه، ويَحتمِلُ أنَّ المرادَ بالبِرِّ العِبادةُ، "وهما في الجنَّةِ"، أي: الصِّدقُ مع البِرِّ يُدخِلان صاحِبَهما الجنَّةَ، "وإيَّاكم والكذِبَ"، أي: فاجتَنِبوه واحذَروا الوقوعَ فيه، والكذبُ هو قولُ الباطلِ، والإخبارُ على غيرِ ما هو في الواقعِ، وأعظَمُه: الكَذِبُ على اللهِ تعالى ورَسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وثَمَّةَ كذِبٌ بالفِعلِ أيضًا، كفِعلِ الإنسان خلافَ ما يُبطِنُ؛ فالمنافق كاذب لأنَّه يُظهرُ إيمانَه، ولكنَّه ليس مؤمنًا في الباطنِ؛ "فإنَّه مع الفُجورِ"، أي: الخُروجِ عن الطَّاعةِ، والميلِ عن الاستِقامَةِ، "وهما في النَّارِ"؛ فالكذِبُ معَ الفُجورِ يُدخِلان صاحِبَهما النَّارَ.
ثُمَّ قال: "وسَلوا اللهَ المعافاةَ" اطلُبوا منه عزَّ وجلَّ أن يَمُنَّ عليكم بالمعافاةِ، وهي السَّلامةُ في الدِّينِ مِن الفِتنةِ، وفي البدَنِ مِن سيِّئِ الأسقامِ وشدَّةِ المِحنةِ، فهي بذلك أجَلُّ نِعَمِ اللهِ على عبدِه، فيتعيَّنُ مُراعاتُها وحِفظُها؛ "فإنَّه لم يؤتَ أحَدٌ بعدَ اليَقينِ"، أي: عِلمِ اليَقينِ وهو الإيمانُ والبَصيرةُ في الدِّينِ، وبه يَتِمُّ تَحقيقُ الإيمانِ بالغيبِ وإزالةُ كلِّ شَكٍّ أو رَيبٍ في جَنبِ اللهِ، "خيرًا مِن المُعافاةِ".
ثمَّ قال صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "ولا تَحاسَدوا"، والحسَدُ المذمومُ: هو أن يرَى أحدُهم النِّعمةَ في غَيرِه فيتمنّى زوالَها عنه، سواءٌ حصلتْ لنَفْسِه هو أو لا، "ولا تَباغَضوا"، أي: تُقدِّموا أسبابَ البُغضِ والكَراهيةِ بين بعضِكم البعضِ، "ولا تَقاطَعوا"، أي: لا يُقاطِعْ بعضُكم بعضًا، والتَّقاطُعُ ضدُّ الوَصلِ، "ولا تَدابَروا"، وهذا كِنايةٌ عن العَدواةِ، وهو تأكيدٌ للنَّهيِ عن المقاطَعةِ، وهذا نَهيٌ عن وُقوعِ هذه الشُّرورِ بين المسلمين؛ بحيثُ لا يَحسُدُ بعضُهم بعضًا ولا يَكرَهُ بعضُهم بعضًا، ولا يَقطَعون الأرحامَ والصِّلاتِ فيما بينهم، فيكونَ بينَهم التَّدابُرُ والمخالَفةُ بين القلوبِ، "وكُونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا"؛ بأنْ يكونَ المسلِمُ أخًا حقيقيًّا لأخيه المسلِمِ؛ في المحبَّةِ والأُلفَةِ، وعدمِ التَّعرُّضِ له بالسُّوءِ، والدِّفاعِ عن عِرضِه، وغيرِ ذلك مِن مُقتَضَياتِ الأخوَّةِ.
وفي الحديثِ: الحثُّ على التَّزامِ الصِّدقِ في كلِّ الأمورِ؛ فإنَّ عاقِبتَه إلى الجنَّةِ.
وفيه: التَّحذيرُ مِن الكذِبِ الدَّائمِ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى النَّارِ ويُفسِدُ الأعمالَ.
وفيه: دعوةٌ إلى الأُلفةِ والتَّآخي بين المسلِمين، مع التَّحذيرِ والنَّهيِ عن وقوعِهم في الحِقدِ والحسَدِ، والتَّنافُرِ؛ وهذا كلُّه أساسٌ للمجتمَعِ السَّليمِ.
[السنن الكبرى - للنسائي] (6/ 221) 10719- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرحمن عن معاوية بن صالح عن سليم عن أوسط البجلي قال: قدمت المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم بسنة فألفيت أبا بكر يخطب الناس قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الأول فخنقته العبرة مرارا ثم قال أيها الناس سلوا الله المعافاة فإنه لم يؤت أحد بعد يقين مثل معافاة ولا أشد من ريبة بعد كفر وعليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وهما في الجنة وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار.
[سنن ابن ماجه] (2/ 1265) 3849- حدثنا أبو بكر، وعلي بن محمد قالا: حدثنا عبيد بن سعيد قال: سمعت شعبة، عن يزيد بن خمير قال: سمعت سليم بن عامر، يحدث عن أوسط بن إسماعيل البجلي، أنه سمع أبا بكر ، حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامي هذا عام الأول، ثم بكى أبو بكر، ثم قال: ((عليكم بالصدق، فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور وهما في النار، وسلوا الله المعافاة، فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيرا من المعافاة، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا)).
[مسند أحمد] ـ الرسالة] (1/ 198) 17- حدثنا هاشم، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني يزيد بن خمير، قال: سمعت سليم بن عامر- رجلا من حمير- يحدث، عن أوسط بن إسماعيل بن أوسط البجلي، يحدث
عن أبي بكر : أنه سمعه حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأول مقامي هذا- ثم بكى- ثم قال: (( عليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور، وهما في النار، وسلوا الله المعافاة، فإنه لم يؤت رجل بعد اليقين شيئا خيرا من المعافاة)) ثم قال: (( لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا)).