سألتُ ربي أن لا يهلكَ أمتي بسنةٍ عامةٍ فأعطانيها وسألتُه أن لا يسلطَ عليهم عدوًا من سواهم فيستبيحَ بيضتَهم فأعطانيها وسألتُه أن لا يسلطَ بعضَهم على بعضٍ فمنعنيها ذكرْنا ذلك في تفسيرِ قوله تعالى { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} قال رسولُ اللهِ هذا أهونٌ
أخرجه مسلم (2890)، وأحمد (1574)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (287) جميعهم بنحوه.
أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَقْبَلَ ذَاتَ يَومٍ مِنَ العَالِيَةِ، حتَّى إذَا مَرَّ بمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فيه رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْنَا معهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيْنَا، فَقالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فأعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بالسَّنَةِ فأعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بالغَرَقِ فأعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا.
[وفي رواية]: أنَّهُ أَقْبَلَ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في طَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَمَرَّ بمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ....
الراوي : سعد بن أبي وقاص المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 2890 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَريصًا على أُمَّتِه مُشفقًا عَليهم، فكثيرًا ما يَسألُ اللهَ لَهم ما يَنفعُهم في دُنياهُم ويُصلِحُ لَهم أمرَ آخرَتِهم.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ سعدُ بنُ أَبي وَقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ «أقْبَلَ ذَاتَ يَومٍ مِنَ العَالِيَةِ» وهي قُرًى تَقَعُ شَرقَ المَدينَةِ جِهةَ نَجْدٍ، «حتَّى إذَا مَرَّ بمَسجدٍ بَني مُعاويةَ» وهو ابنُ مالكِ بنِ عَوفٍ، وهُم جَماعةٌ منَ الأَنصارِ، ويقَعُ المسجدُ في شَمالَي البقيعِ على يَسارِ السَّالكِ إلى العريضِ، وهذا المسجدُ هو المعروفُ بمَسجدِ الإجابةِ؛ لِما وَقَع مِن إجابةِ اللهِ لدُعاءِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كما سيَأتي في هذا الحديثِ، فدَخَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هذا المسجدَ، فصلَّى فيهِ بأصحابِه رَضيَ اللهُ عنهم رَكعتينِ، وَدعا ربَّه في تلك الرَّكعتينِ دُعاءً طويلًا، ثُمَّ بعْدَ فَراغِه منَ الدُّعاءِ، أقبَلَ على مَن معه وذَكَر لهم ما كان مِن دُعائهِ وأنَّه دعاهُ بثَلاثِ دَعواتٍ، فأجابَ اللهُ له ثِنتينِ مِن الثَّلاتِ، ولم يُجِبْه في الثَّالثةِ، وبَيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هَذه الدَّعواتِ، فَقال: «سَألتُ رَبِّي أن لا يُهلِكَ أُمَّتي بالسَّنةِ»، أي: بالجَدبِ والقَحطِ والمَجاعةِ الَّتي تَستأصِلُهم وتُضعِفُهم، فأَعطانيها واستَجابَ لي فيها، والمرادُ بأُمَّتِه هي الَّتي آمَنَتْ به، والثَّانيةُ: «ألَّا يَهلِكَ أُمَّتي بالغَرقِ» يَعني: لا تَغرقُ الأُمَّة كلُّها كقومِ فِرعونَ في اليمِّ، وقومِ نوحٍ بالطُّوفانِ فأَعطانِيها، وفي حَديثِ التِّرمذيِّ عن خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: «وسَألْتُه ألَّا يُسلِّطَ عليهم عَدوًّا مِن غَيرِهم، فأعْطانِيها» أي: لا يَكونَ هَلاكُهم بعَدوٍّ مِن الكفَّارِ يَستبيحُهم، فيَستأصِلُهم ويُضعِفُهم، والمرادُ بذلك ألَّا يَغلِبوا المسْلِمينَ غَلبةً تَستبيحُ بَيضةَ الإسلامِ، وتَستأصِلُ المسلِمينَ جميعًا، فلا يَرِد ما يَحصُلُ في بعضِ الأحيانِ مِن غَلَبةِ بعضِ أعداءِ الإسلامِ على بعضِ المسْلِمين.
والثَّالثةُ هيَ ألَّا يَجعلَ بأسَهُمْ بيْنَهم، أي: ألَّا يقَعَ بيْنَهم فُرقةٌ وقِتالٌ تُهلِكُهم وتُضعِفُهم، والبأسُ الحروبُ والفِتنُ، «فمَنعنِيها» لم يُجِبْه اللهُ عزَّ وجلَّ في تلك الدَّعوةِ؛ لكونِها مُخالفةً لِقضائهِ المُبْرَمِ ومَشيئتِه الَّتي لا يُسأَلُ عنها، وفي هذا وَرَد قولُه تَعالَى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] .
وفي الحديثِ: عَلامةٌ مِن عَلاماتِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
صحيح مسلم (4/ 2216 ت عبد الباقي) :
20 - (2890) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
حدثنا عبد الله بن نمير.
ح وحدثنا ابن نمير (واللفظ له).
حدثنا أبي.
حدثنا عثمان بن حكيم.
أخبرني عامر بن سعد عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية.
حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين.
وصلينا معه.
ودعا ربه طويلا.
ثم انصرف إلينا.
فقال صلى الله عليه وسلم "سألت ربي ثلاثا.
فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة.
سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها.
وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها.
وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".
مسند أحمد (2/ 266 ت أحمد شاكر) :
1574 - حدثنا عبد الله بن نمير عن عثمان قال: أخبرني عامر بن سعد عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل، فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا، فقال: "سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".
[السنة لابن أبي عاصم] (1/ 125) :
287 - ثنا سليمان بن داود أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بسنة لعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم؛ فيستبيح بيضتهم.
وإن ربي عز وجل قال لي: يا محمد: إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم؛ فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وبعضهم يسبي بعضا ".
وفيه عن سعد بن أبي وقاص ، وخباب بن الأرت، ومعاذ بن جبل، وحذيفة، وابن عمر، وأبي هريرة، وخالد الخزاعي، وأنس بن مالك، كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وسمعت حامدا وكان مما ينسب إلى معرفة بالكلام والفقه قال: ما على أهل القدر حديث أشد من هذا؛ لأن الله تعالى منعه الثالثة، لأن من إرادة الله أن يهلك بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا، وأعلمه أنه قضى ذلك وإنه كائن