قال رَجُلٌ لعُمَرَ -وقُتِلَ خالُه-: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ قَومًا يَزعُمونَ أنَّ خالي ممَّن أَلقى بيَدِه إلى التَّهلُكةِ، قال: بلْ هو مِنَ الذين يَشرونَ الحَياةَ الدُّنْيا بالآخِرةِ.

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الترهيب من مساوئ الأعمال# تفسير آيات - سورة البقرة# رقائق وزهد - الزهد في الدنيا
المصدر: تخريج مشكل الآثار
الراوي: قيس
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:رجاله ثقات رجال الشيخين.

بيانات التخريج:

أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (12/ 102) بلفظه، وابن أبي شيبة (20504)، والبيهقي (17986) كلاهما بنحوه مطولا .

الشرح والتوضيح

عن مُدرِكِ بنِ عَوفٍ الأحمَسيِّ قال : بَينما أنا عندَ عمرَ إذ أتاهُ رسولُ النُّعمانِ بنِ مُقَرِّنٍ فسألَهُ عمرُ عن النَّاسِ ، فذكرَ مَن أُصيبَ مِن المسلمينَ وقالَ : ُقتِلَ فُلانٌ وفُلانٌ وآخرونَ لا نعرِفُهم ، فقالَ عُمرُ : لكنَّ اللهَ يعرِفُهم ، قالوا : ورجلٌ اشترَى نفسَهُ يعنونَ عَوفَ بنَ أبي حَيَّةَ الأحمسيَّ أبا شُبَيلٍ ، قال مُدرِكُ بنُ عَوفٍ : يا أميرَ المؤمنينَ واللهِ خالي ، يزعمُ النَّاسُ أنَّهُ ألقَى بيدِهِ إلى التَهلُكَةِ ، فقال عُمرُ : كذبَ أولئكَ ولكنَّه اشترَى الآخرةَ بالدُّنيا ، قالَ : وكان أُصيبَ وهوَ صائمٌ فاحتُمِلَ وبهِ رَمَقٌ فأبَى أن يشربَ حتَّى ماتَ الراوي : مدرك بن عوف الأحمسي المحدث : ابن حجر العسقلاني المصدر : الإصابة في تمييز الصحابة الصفحة أو الرقم: 3/122 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه ابن أبي شيبة (19702)، والبيهقي (17986)، وأحمد في ((العلل ومعرفة الرجال)) (2197) باختلاف يسير.

جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأُمَّةِ، أثنى اللهُ تَعالى عليهم، ومَدَحَهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبَيَّنَ فضلَهم في أحاديثَ كَثيرةٍ، وذلك لِما قاموا به مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تَعالى، ومِن أولَئِكَ الصَّحابةِ عَوفُ بنُ أبي حَيَّةَ الأحمَسيُّ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فقد أسلمَ رَضِيَ اللهُ عنه، وكان مِمَّن قاتَلَ مَعَ المُسلمينَ ضِدَّ الفُرسِ في مَعرَكةِ نَهاوندَ زَمَنَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، واستُشهِدَ فيها، ولمَّا زَعَمَ البَعضُ أنَّه ألقى بيَدِه إلى التَّهلُكةِ في هذه المَعرَكةِ أنكَرَ عليهم عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه ذلك؛ فعن مُدرِكِ بنِ عَوفٍ الأحمَسيِّ أنَّه قال: بَينَما أنا عِندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه إذ أتاه رَسولُ النُّعمانِ بنِ مُقرنٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وكان النُّعمانُ قائِدَ جَيشِ المُسلمينَ في مَعرَكة نَهاوندَ سَنةَ إحدى وعِشرينَ للهجرةِ، فسَألَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه هذا الرَّسولَ عن حالِ النَّاسِ في المَعرَكةِ هناكَ، فذَكَر الرَّسولُ مَن أُصيبَ مِنَ المُسلمينَ في المَعرَكةِ، وقال: قُتِلَ فيها فُلانٌ وفُلانٌ وآخَرونَ لا نَعرِفُهم.

فقال عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه: لَكِنَّ اللَّهَ يَعرِفُهم، أي: وما يَضُرُّ ألَّا نَعرِفَهم نَحنُ، فإنَّ اللَّهَ يَعرِفُهم وسَوف يُجازيهم أحسَنَ الجَزاءِ لِما بَذَلوا أرواحَهم في سَبيلِ اللهِ.

ثُمَّ قالوا لعُمَرَ أيضًا: هناكَ في المَعرَكةِ رَجُلٌ اشتَرى نَفسَه -يَعنونَ به عَوفَ بنَ أبي حَيَّةَ الأحمَسيَّ أبا شُبَيلٍ- اشتَرى نَفسَه، أي: أنَّه باعَها للَّهِ تعالى، يُريدُ بذلك الجَنَّةَ وما عِندَ اللهِ، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] ، فقال مُدرِكُ بنُ عَوفٍ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، واللَّهِ، خالي -أي: عَوفُ بنُ أبي حَيَّةَ- يَزعُمُ النَّاس أنَّه ألقى بيَدِه إلى التَّهلُكةِ، أي: للمَوتِ، وقد نَهى اللهُ أن يُلقيَ الإنسانُ بيَدِه إلى التَّهلُكةِ.

وذلك أنَّ عَوفًا كان أُصيبَ في المَعرَكةِ وهو صائِمٌ، فحَمَلوه وبه رَمَقٌ.

وهو بَقيَّةُ الرُّوحِ وآخِرُ النَّفَسِ، وأعطَوه الماءَ حَتَّى يَشرَبَ فامتَنَعَ مِن شُربِ الماءِ لكَونِه صائِمًا، حَتَّى ماتَ؛ فلهذا زَعَموا أنَّه ألقى بيَدِه إلى التَّهلُكةِ حينَ امتَنَعَ مِن شُرب الماءِ؛ مِمَّا أدَّى إلى وفاتِه! فقال عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه: كَذَبَ أولئك، أي: ليس هو مِمَّن ألقى بيَدِه إلى التَّهلُكةِ، ولَكِنَّه اشتَرى الآخِرةَ بالدُّنيا، أي: أرادَ الآخِرة وآثَرَها على الدُّنيا.

وفي الحَديثِ سُؤالُ الأميرِ عن أحوالِ الجُيوشِ والمَعارِكِ.

وفيه فَضلُ مَن قُتلَ في سَبيلِ اللهِ ولَم يَعرِفْ عنه أحَدٌ.

وفيه فَضلُ عَوفِ بنِ أبي حَيَّةَ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه دِفاعُ الأميرِ عن أحَدِ جُندِه.

وفيه أنَّ مَن آثَرَ الآخِرةَ على الدُّنيا ثُمَّ ماتَ، فلَيسَ هذا مِن إلقاءِ النَّفسِ للتَّهلُكةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الصِّيامِ في الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ .

أحاديث ذات صلة